صناعة الخوف

news image

كيف أصبحت بعض الصناعات الكبرى تعيش على إدارة الخوف الإنساني؟

كتب: عبدالله العميره

الموت حق.

والمرض حقيقة.

والحروب جزء من التاريخ البشري منذ آلاف السنين.

ولا أحد يملك أن يمنح الحياة أو يسلبها خارج إرادة الله.

لكن الإنسان تعلّم، عبر التاريخ، شيئًا آخر:

أن الخوف نفسه يمكن أن يتحول إلى صناعة.

هنا لا نتحدث عن أقدار الله.

بل عن الأسباب التي يصنعها البشر.

عن الأسواق التي تنمو كلما ازداد الخوف.

وعن الصناعات التي تزدهر كلما شعر الإنسان بأنه مهدد.

أين تبدأ القصة؟

حين يخاف الإنسان من الحرب، يزدهر سوق السلاح.

وحين يخاف من المرض، يزدهر سوق الدواء.

وحين يخاف من الجوع، يزدهر سوق الغذاء.

وحين يخاف من المستقبل، يزدهر سوق التأمين.

الخوف ليس سلعة.

لكن كثيرًا من السلع تُباع بالخوف.

ما الذي يجمع بين هذه الصناعات؟

الأسلحة.

والأدوية.

والأمن.

والتأمين.

والتقنيات الدفاعية.

كلها تنمو حول حاجة إنسانية حقيقية:

البقاء.

وهنا تكمن المفارقة.

فهذه الصناعات قد تنقذ حياة البشر.

وقد تحمي الدول.

وقد تعالج المرضى.

لكنها، في الوقت نفسه، تستفيد اقتصاديًا من وجود الخطر.

هل يصنع تجار السلاح الحروب؟

وهل تصنع شركات الدواء الأوبئة؟

هنا يجب أن نكون حذرين.

فليست كل حرب مؤامرة.

وليست كل جائحة مصنوعة.

لكن السؤال المشروع يبقى:

هل توجد مصالح اقتصادية تستفيد من استمرار الخوف؟

الإجابة:

نعم.

وقد أثبت التاريخ ذلك مرارًا.

الشيطان والخوف

لماذا يبدو الشيطان حاضرًا دائمًا حيث يتغذى البشر على خوف بعضهم؟

في تجارة السلاح.

وفي تجارة المخدرات.

وفي الفساد.

وفي استغلال الأزمات.

وفي تحويل معاناة الناس إلى أرباح.

ليس لأن الشيطان يصنع المصانع.

بل لأن بعض البشر يكتشفون أن الخوف أكثر ربحًا من الأمل.

عندما يصبح الخوف مصلحة

ربما لا تكمن المشكلة في صناعة السلاح.

ولا في صناعة الدواء.

ولا في أي صناعة أخرى.

بل في اللحظة التي يصبح فيها الخوف مصلحة.

ويصبح استمرار الأزمة أكثر ربحًا من حلها.

فحينها لا يعود السؤال:

من يصنع الحياة؟

أم من يصنع الموت؟

بل:

من يستفيد من بقاء الإنسان خائفًا؟

كيف يواجه الإنسان الخوف؟

ليس بإنكاره.

ولا بالاستسلام له.

ولا بتصديق كل ما يُقال له.

فالخوف شعور طبيعي خلقه الله لحماية الإنسان.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف من وسيلة للحذر إلى أسلوب حياة.

حينها يصبح الإنسان أسيرًا لما يخشاه.

وأول خطوة لمواجهة الخوف هي:

الفهم

فكلما فهم الإنسان ما يحدث حوله، تراجع حجم الخوف داخله.

ولهذا كان الجهل دائمًا أفضل صديق للخوف.

وكانت المعرفة أفضل أعدائه.

أما الخطوة الثانية فهي:

التمييز بين الخطر الحقيقي والخطر المتخيّل

فليس كل تهديد كارثة.

وليست كل أزمة نهاية للعالم.

وليس كل خبر عاجل يستحق الذعر.

أما الخطوة الثالثة فهي:

ألا يسمح للخوف بسرقة حياته

فالتاريخ مليء بالحروب.

والأوبئة.

والأزمات.

لكن الحياة استمرت.

والإنسان استمر.

والحضارات استمرت.

الحرية من الخوف

ربما يستفيد كثيرون من بقاء الإنسان خائفًا.

لكن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس القضاء على الخوف.

بل منعه من السيطرة على عقله.

فالعقل الذي يفهم أقوى من الشائعة.

وأقوى من التهويل.

وأقوى من تجار الخوف.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم:

من يستفيد من بقاء الإنسان خائفًا؟

بل:

كيف أبقى إنسانًا حرًا في عالم يحاول أن يبيع لي الخوف كل يوم؟

من يصنع الوعي؟

إذا كان هناك من يستفيد من الخوف،

وإذا كان الإنسان يحتاج إلى الوعي لمواجهة الخوف،

فمن المسؤول عن إيصال هذا الوعي؟

الإجابة ليست بسيطة.

فالوعي الحقيقي لا يصنعه طرف واحد.

فالأسرة تزرع البذرة الأولى.

والمدرسة تبني المعرفة.

والجامعة توسّع الأفق.

والمؤسسات الدينية تقدم البعد القيمي.

والدولة تهيئ البيئة.

لكن يبقى للإعلام دور مختلف.

فالإعلام هو الجسر اليومي بين الإنسان والعالم.

ولهذا يستطيع أن يكون:

  • ناقلًا للخوف.
  • أو ناقلًا للوعي.
  • مضخمًا للشائعات.
  • أو كاشفًا للحقائق.
  • تاجرًا للقلق.
  • أو شريكًا في بناء الطمأنينة القائمة على الفهم.

ومن هنا تأتي مسؤولية الصحفي الحقيقي.

فمهمته ليست إخفاء الأخطار عن الناس.

وليست إخافتهم منها.

بل مساعدتهم على فهمها.

لأن الإنسان حين يفهم ما يحدث حوله يصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأقل قابلية للاستغلال.

خاتمة

الوعي مسؤولية الجميع.

لكن الإعلام يتحمل مسؤولية خاصة؛ لأنه يقف يوميًا بين الخوف والحقيقة، وبين الشائعة والمعرفة، وبين الانفعال والفهم.

وهنا تكتمل دائرة المقال:

هناك من يستفيد من الخوف.

وهناك من يواجه الخوف بالوعي.

ويبقى السؤال:

هل يؤدي الإعلام دوره في صناعة الوعي، أم يكتفي بالمشاركة في صناعة الخوف؟

BETH (بث B) – All rights reserved