الشرق الأوسط وليـل الإيديولوجيات

news image

 

متابعة وتحليل | بث | B

الشرق الأوسط وليـل الإيديولوجيات

متابعة وتحليل | بث | B

كثير من المقالات السياسية تناقش نتائج الصراعات.

وقليل منها يتوقف عند الأفكار التي تصنع تلك الصراعات.

وفي مقاله "ليل الإيديولوجيات في الشرق الأوسط"،  عبر مؤسسة الفكر العربي، يخوض الكاتب والمحلل اللبناني نبيه البرجي رحلة فكرية واسعة بين التاريخ والدين والسياسة والجغرافيا، محاولًا تفسير حالة الاضطراب المزمنة التي تعيشها المنطقة.

غير أن القيمة الحقيقية للمقال لا تكمن في كثافة الشواهد والأسماء التي يستعرضها، بل في السؤال الذي يقف خلفها جميعًا:

هل تكمن المشكلة في الأفكار نفسها؟

أم في اللحظة التي تتحول فيها الأفكار إلى إيديولوجيات مغلقة ترى العالم من زاوية واحدة، وتتعامل مع الاختلاف بوصفه تهديدًا لا فرصة للفهم؟

وينطلق الكاتب من تساؤل عميق حول أسباب ارتباط الشرق الأوسط بصراعات العقائد والأفكار، مستعرضًا عشرات الإحالات الفكرية والتاريخية التي تربط بين الدين والسياسة والإيديولوجيا والصراع الدولي.

لكن هذا السؤال يفتح بابًا أوسع للتأمل:

هل تكمن خصوصية المنطقة في الأفكار ذاتها، أم في طبيعة التداخل بين الدين والهوية والتاريخ والسياسة؟ أم أن الصراع الإيديولوجي ظاهرة إنسانية عرفتها حضارات ومجتمعات عديدة بأشكال مختلفة عبر التاريخ؟

ومن هذا المنطلق، تقدم بث هذه المادة، تاركة للقارئ مساحة التأمل والحكم على الأفكار والاستنتاجات التي يطرحها الكاتب.

 

النص الكامل

 

كثيراً ما كنتُ أتراجع عن طرْحِ هذا السؤال: "لماذا تُرك الشيطان هكذا يتقيّأ التاريخ في هذه المنطقة من العالَم بالذّات؟.. لكأنّه العصيان على الإرث الإلهيّ الذي خلّفه الأنبياء".

هذا ما قاله فيلسوف التاريخ البريطانيّ آرنولد توينبي. قد لا يكون هذا سؤالاً بقدر ما هو قراءة رؤيويّة للواقع، لكنّنا لا ندري لماذا يتقن البعض اللّهو بين يدَيْ الشيطان..

وحين كَتب أوجين يونسكو، وهو أحد أركان المدرسة العبثيّة "سوبرانو الصلعاء" في العام 1950، قال "لقد لعب الشيطان برؤوسنا كثيراً، وهذه محاولة للَّعبِ برأس الشيطان".

وكان علينا أن نستعيدَ ما كَتبه الروائي الياباني الحائز نوبل في الآداب ياسوناري كاواباتا في العام 1968، لدى زيارته هيروشيما: "الآن ازددتُ يقيناً بأنّ الشيطان يحتلّ المرتبةَ الثانية بَعد الكائن البشري"، كما لو أنّه تأثَّر بقول فرانز كافكا "كم بدا الشيطان مذهولاً وهو يرى كيف نحفر القبور لبعضنا البعض، فيما أصداء قهقهاتنا تَصل إلى أُذنَيْ آدم.. فلماذا لا يَصِل بكاؤنا ايضاً؟".

 


البلاء العظيم

في التسعينيّات من القرن الفائت قرأتُ كتاب "الحرب الباردة" بالكثافة التحليليّة الرائعة للكاتب والصحافي الفرنسي اليهودي (اللّيبرالي) أندريه فونتين. تراءى لديّ أن أنقلَ الكتابَ إلى العربيّة. زرتهُ في باريس حيث استدرجني إلى الحوار.. فاجأني بالسؤال "لماذا توقّف الزمن عند أبواب منازلكم"؟، مُحذّراً من "ليل الإيديولوجيّات في الشرق الأوسط".. وقَبل أن يقول جان دانيال إنّ "الإيديولوجيّات في القرن العشرين (الشيوعيّة والنازيّة والفاشيّة...) تحوّلت إلى أديان، وإنّ الأديان في القرن الحادي والعشرين تحوّلت إلى إيديولوجيّات".

هنا البلاء العظيم، لنَقرأ في وقتٍ لاحق لناحوم غولدمان، وهو أحد آباء الدولة العبريّة، خشيته من انفجار القنبلة الإيديولوجيّة الأشدّ هولاً من القنبلة النوويّة في هذه الدولة أو في أيّ دولة أخرى. تالياً أن يَندلعَ صراعُ الإيديولوجيّات في المنطقة التي لطالما كانت مقبرة الآلهة، كما مقبرة الأباطرة. من هنا دعوته لجعْلِ إسرائيل "الفاتيكان اليهودي"، أي أن تكون المعبد لا الخندق. لا فارق بين الخندق والقبر عند اليهودي الذي جاء إلى "أرض الميعاد"، وحيث رقصة الذئاب في منطقة اللّاوعي، ودائماً بتأثير التعبئة التوراتيّة. كلام غولدمان أثار مناحيم بيغن الذي كاد يدعو إلى رشقه بالحجارة بعدما اتّهمه بـ "تقويض صوت الربّ في صدورنا".

 


انفجار اللّحظة اللّاهوتيّة

فونتين حذّر من انفجارٍ جيوسياسي وجيوستراتيجي لا يُبقي ولا يَذَر. لاحَظَ أنّ من الحماقة محاولة البعض في الإقليم استعادة الماضي الإمبراطوري "لكأنّه التزلّج على الهباء"، منذ غروب الإمبراطوريّة البريطانيّة والإمبراطوريّة الفرنسيّة على ضفاف السويس خريف العام 1956. وفي العام التالي تمّ إطلاق "مبدأ إيزنهاور" لـ "ملء الفراغ في الشرق الأوسط". لم يَعُد هناك سوى راقص واحد في الحلبة وفي يدَيْه كلّ مفاتيح الجحيم. وكان الصحافي والكاتب البريطاني روبرت فيسك الذي أقام في بيروت لعقودٍ قد استغربَ كيف أنّ الهزّات الارتداديّة التي أَحدثها سقوطُ السلطنة العثمانيّة في أوّل تشرين الثاني/ نوفمبر 1922 لم تفضِ إلى تحوّلٍ زلزاليّ في الحالة العربيّة، لا بل إنّه بعد نحو مائةِ عامٍ من الحَدث، لا يزال العقلُ العربي في حالٍ من الاضْطراب، ما انعكسَ على الوضع السوسيولوجي العامّ، لتأتي الانقلابات العسكريّة وتزيد في عشوائيّة المَشهد. لا شيء سوى التوتاليتاريّة بالملابس المرقّطة. الكاتب الإيطالي أومبرتو إيكو (صاحب اسم الوردة) لاحظَ كيف "راح التاريخ يتعثّر بالخوذات، وهي تتدحرج لتَحولَ دون الديمقراطيّة والوصول إلى سلّم القصر". ولكن هل كان للأنموذجِ الغربيّ للديمقراطيّة أن يُمثِّلَ الخلاصَ للمُجتمعات العربيّة؟ الإجابة الساخرة جاءت من المفكّر المغربي عبد الله العروي "كما لو أنّنا نُبدّل أنفَ طارق بن زياد بأنفِ يوليوس قيصر".

 


لا ثورة فلسفيّة

وكان قد هالَ المُستشرقَ الألماني فلوريان زيمين عدمُ انطلاقِ ثورة فلسفيّة في العالَم العربي تَدفع بشعوبِ المنطقة إلى الخروج من ثقافة الاجترار. لنَدَع التعليقَ لعالِمِ السياسة الفرنسي إيمانويل تود الذي يُلقي، كما روبرت فيسك، بالمسؤوليّة على القوى الغربيّة التي سَعت في سائر المؤتمرات التي عُقدت إبّان الحرب العالميّة الأولى أو بعدها، وصولاً إلى الحرب العالميّة الثانية، إلى وقف ديناميّة القَرن في الدول العربيّة للبقاء في الثلّاجة، حتّى لو كانت ثلّاجة نار...

فيلسوف "الجيوبوليتيكا" الروسي ألكسندر دوغين رأى ضرورة إحداث تغييرٍ دراماتيكي في المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط الذي يَنبغي ألّا يَبقى ضحيّةَ الفوضى التي شاعت منذ أن أَعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الأب قيامَ النظام العالمي الجديد على أنقاض الإمبراطوريّة السوفياتيّة. للتوّ استعاد ريجيس دوبريه، رفيق تشي غيفارا، الأسطورةَ الأوروبيّة التي تقول إنّ الكرةَ الأرضيّة تَقف على قَرن ثور، ليقول: "بل على قَرنِ وحيد القَرن". كما كان للروائي البرتغالي خوسّيه ساراماغو أن يُنبّه البيتَ الأبيض إلى ضرورة بلْورة مفاهيم خلّاقة لفهْم العالَم الذي لا يُمكن النّظر إليه كـ "غرفة للأرانب"؛ أيضاً لنَستعيد قول الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس "الخطوة الأولى لأيّ إمبراطوريّة تعليق رأس أفلاطون على باب القصر".

ها هي أميركا أو الولايات المتّحدة الآن (أميركا العظمى كما يَراها دونالد ترامب). هل هي بحاجةٍ إلى تلك الأرمادا العسكريّة بالمُواصفات الأسطوريّة، بعدما لاحَظ المُخرجُ الهوليوودي الشهير ديفيد لين (الدكتور زيفاغو، ولورنس العرب) أنّ أميركا "تستطيع قيادة العالَم برقصة الروك أند رول لا برقصة قطّاع الطرق"، لكنّها قبّعة الكاوبوي التي مثلما كانت على رأس أبراهام لنكولن، لا بدّ أن تكون على رأس دونالد ترامب، لتكون إدارةُ الكوكب لا بعصا المايسترو، وإنّما ببندقيّة رُعاة البقر. هنا نستذكر قول سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي في عهد بيل كلينتون: "هذه المرّة الألدورادو ليست الطريق التي تقود إلى الذَّهب، بل هي الطريق التي تقود إلى المقبرة".. سَألتْ "أَلَم يكُن من المُمكن إقامة "ريفييرا الشرق الأوسط في غزّة من دون الحاجة إلى عظام الموتى؟!".

 


التواطؤ بين الإيديولوجيا والتكنولوجيا

عودة إلى فونتين الذي رأى أنّ الشرق الأوسط هو من الهشاشةِ بحيث لا يَتحمّل الصراعَ بين الايديولوجيا المجنونة والتكنولوجيا المجنونة. أمّا جون مكارثي "الأب الروحي للذكاء الاصطناعي"، فقد حذّر من التواطؤ بين الايديولوجيا المجنونة والتكنولوجيا المجنونة. لكنّ هذا ما يحدث فعلاً في الشرق الأوسط، ما يَحمل الفيلسوفَ اليهوديَّ الأميركيَّ نورمان فلنكشتاين على استعادةِ مَشهد الصراع بين الآلهة في الميثولوجيّات القديمة، ليصلَ إلى الاستنتاج بأنّ الصراع في المنطقة تحوّل إلى ظاهرةٍ عدميّة لا بدّ من أن تكون نتائجها كارثيّة، ما يَستدعي استنفارَ النّخب السياسيّة والفكريّة لاحتواء تلك الظاهرة التي إذا ما بَقيت على إيقاعها الرّاهن، يكون الانزلاقُ الحتمي إلى "جحيم دانتي" في "الكوميديا الإلهيّة!".

إنّه التأويل الدموي أو التأويل العدمي للنصوص المقدّسة. هنا التداخُل المروّع بين النظرة إلى العالَم والنظرة إلى العالَم الآخر في يد رؤوسِ مَن يقبضون على النيران. وإذا كان بوب وودورد وروبرت كوستا قد قالا في كتابهما "Peril": "إذا أردتم أن تَروا كائناً بشريّاً تَنبعث من أذنيْه النيران، فهذا الكائن هو دونالد ترامب". ماذا عن الكائنات (البشريّة) الأخرى التي قال رئيسُ أساقفة جنوب أفريقيا الراحل ديزموند توتو "يحلو لها الرقص على قرع الطبول، ولكن بطريقة القردة"!

إنّه الشرق الأوسط. لعنة التاريخ أم لعنة الجغرافيا؟ هنا المسرح الأبديّ لكلّ اشكال الصراع. أكان بين قايين وهابيل أم كان بين داود وجلعاد، من صراع الآلهة إلى صراع الأباطرة، ثمّ من صراع أنصاف الآلهة إلى صراع أنصاف الأباطرة. أين يَقف التاريخ في هذه الحال؟ فرانز قال "حيثما يقف الشيطان". لاحَظنا كيف أنّ القوى العظمى، وعلى مدى سبعة عقود، كانت تُمارِس ديبلوماسيّة الدوران حول أزماتِ المنطقة لتَبقى هذه الأزمات بمثابة الأوراق القاتلة في الصراعات الكبرى.


الدولة الفلسطينيّة

من موقع المُدرِك لأساسيّات أزمة الشرق الأوسط، قال السعوديّون إنّ إقامة "الدولة الفلسطينيّة" هو السبيل الحقيقي للخروج من المسلسل الدموي. أركان الائتلاف في إسرائيل يَستندون إلى "التخيّلات الميتافيزيقيّة"، وحتّى يائير لبيد أو نفتالي بينيت، وبذلك الضجيج التوراتيّ الذي في رؤوسهم، يَعتقدون بأنّ ظهور تلك الدولة هو إيذان بأفول الدولة العبريّة. أيُّ منطق في هذه الرؤية (الرؤيا)، وحيث الله هو "ربّ الجنود" الذي يقود ذلك التسونامي من الدم والنار. القسّ جون هاغي، رئيس "منظّمة مسيحيّون من أجل إسرائيل"، رأى أنّ الله بَعث بدونالد ترامب لإنقاذ إسرائيل.. إنقاذها ممَّن؟ وهي التي تَمتلك الترسانة النوويّة الوحيدة في المنطقة، أي أنّ بإمكانها أن تُحوِّل المنطقةَ، وخلال ساعات، إلى أرضِ يباب؟

في كتابه "مكان تحت الشمس" يقول بنيامين نتنياهو إنّ القوّة هي الطريق الوحيد، والطريقة الوحيدة، للبقاء. التلمود قال بإزالة الآخرين الذين هُم "أرواح الحيوانات". هنا القوّة العمياء التي جَعلت غولدمان يقول "إنّهم يُخرجون الله عنوةً من أرض الميعاد" ليبقى الإسرائيليّون على خطّ الزلازل. في ظلّ الدخول إلى ما بَعد التكنولوجيا (وربّما إلى ما بَعد الزمن وحتّى إلى ما بَعد الإنسان) حين يغدو الصراع أو التوافُق بين واشنطن وتل أبيب يَتمحور حول تأثير الذكاء الاصطناعي في صَوْغِ المُعادلات أو العلاقات بين الدول. مَن يَضمن عدم حدوث تبدُّلٍ هائلٍ في المسار الفلسفي، وحتّى العملاني للتاريخ؟

 

الأساس في التراجيديا الكبرى

إلى متى يَبقى العربُ وقوداً للآخرين، وهُم الذين يَمتلكون كلّ تلك الامكانات البشريّة والماديّة المُترامية؟ وكنّا قد عَرضنا للأنموذج الكوري في العام 1964 عبرَ تقريرٍ للبنك الدولي وَصَفَ فيه الوضعَ في شبه الجزيرة الكوريّة باليائس لافتقار المنطقة إلى الموارد البشريّة والطبيعيّة. أين هي كوريا الجنوبيّة الآن، وقد احتلّت مرتبةً متقدّمةً للغاية في المجال التكنولوجي (الإلكتروني)، وأين هي كوريا الشماليّة التي باتت تَمتلك ترسانةً نوويّة، وذلك على الرّغم من الافتراق في الخطّ الإيديولوجي لدولتَيْن يُفترض أن تكونا دولةً موحَّدة لولا تجاذُب المصالح بين القوى العظمى؟

إلى متى تبقى القضيّة الفلسطينيّة ورقةً مَنسيّة أو ورقةً ضائعة في لعبة الأُمم، وهي الأساس في التراجيديا الكبرى التي تعيشها المنطقةُ على مدى نحوِ قَرنٍ من الزمن؟ تذكير بقول القدّيس السويسري نيقولا دو فلو (القَرن الخامس عشر) الذي خاطبَ مواطنيه بالقول "تريدون أن تَبقوا سويسرييّن؟ ابدأوا بتشييد الأسوار حول حدائقكم". أين هي الأسوار، وحتّى الأسوار النوويّة حول العالَم العربي؟ الفيلسوف الفرنسي إدغار موران كان يقول "لو ثارَ العرب على أنفسهم وخَرجوا من الترسّبات التاريخيّة والإيديولوجيّة لَشكّلوا حَجَرَ الرحى في المَسار الاستراتيجي للعالَم".

ولكن أَلَم تتمّ "فبْرَكة" إسرائيل بتلك الحجّة اللّاهوتيّة الرثّة لتكونَ مخلب الغرب في عقر درانا؟ وهذا ما يبدو جليّاً في رسالة تيودور هرتزل إلى الناشط الاستعماري البريطاني سيسيل رودس في العام 1902. هنا بَدأت "أزمة الحياة" في الشرق الأوسط على حدّ قول المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد.

ما دامت إسرائيل قد فَرضت وجودَها على الخريطة، يَنبغي على كلّ دولة في المنطقة أن تَبقى على قارعة الزمن. من هنا الاتّجاه إلى تشكيل الرباعي الاستراتيجي الذي يَضمّ السعوديّة ومصر وتركيا وباكستان، وهي الدول التي إذ تتكامل في عوامل القوّة لديها، يُمكن أن تُشكِّل السورَ العظيم الذي يُخرِج الشرقَ الأوسط من كونه مَسرحاً لصراعاتٍ عبثيّة أَدّت إلى الاستنزاف المأسويّ إنْ للإمكانات أو للأجيال. هنا يأتي مَن يقول "على الأقلّ احتواء الدور الإسبارطي للدولة العبريّة التي لولا الإمدادات الأميركيّة لكان عليها أن تُقاتِل بالعصيّ والحجارة كما كَتب جدعون ليفي في صحيفة "هآرتس".

هذا ليس قطعاً بالرهان المستحيل، ولكن هل يُمكن للّاعبين الكبار، وكذلك لإسرائيل، بامتدادها الأخطبوطي في مراكز القرار، القبول بإنشاء "حلف الأقوياء"؟ المسألة تتعلّق بـ "صراع الإرادات"، بعدما كَشفتِ الحربُ الأخيرة نقاطَ القوّة ونقاطَ الضعف في المنطقة. لا كما قالَ الفيلسوفُ اليهودي الفرنسي برنار هنري ليفي الذي لا يَختلف في أفكاره عن الحاخام مئير كاهانا، مؤسِّس حركة "كاخ"، الذي مِن آرائه تفجير المسجد الاقصى وبناء الهيكل الثالث مكانه. بالطبع اجتثات أيّ أَثَرٍ للعرب على أرضهم. صاحب "عبقريّة اليهوديّة" قال تعقيباً على تشكيل الحلف الرباعي: "إنّهم يُضيئون الشموع في جهنّم"!

لن نَدخلَ في التفاصيل المُلتبِسة، بل والسرياليّة للحرب، التي لا بدّ من أن توقظَنا من ثقافةِ الغيبوبة (ثقافة الغياب). أصوات في أميركا، وفي الإقليم، تدعو إلى تغيير الشرق الأوسط. كلٌّ بحسب مصالحه، وبحسب رؤيته. ولو مرّة التغيير كما يرى العرب حين يكونون بعينَيْ زرقاء اليمامة، ولْنَدفع بالمُستشرِق برنارد لويس إلى خارج القاعة بَعد قوله الساخر "أسوار الغبار حول الشرق الأوسط".

بقبضاتنا وبأدمغتنا أن ندقَّ على باب المستحيل.. لا مُستحيل.



تحليل بث

بداية .. ما هي الإيديولوجيا؟

الإيديولوجيا هي منظومة أفكار ومعتقدات تفسر العالم وتحدد للإنسان كيف يفكر، وكيف يرى الآخرين، وكيف يتعامل مع السلطة والمجتمع والتاريخ.

وفي أصلها ليست شرًا ولا خيرًا.

فكل أمة وكل حركة وكل دولة تقريبًا تنطلق من أفكار ورؤى وقيم.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الفكرة إلى حقيقة مطلقة لا تقبل المراجعة أو النقد.

الإيديولوجيات القديمة

عرف التاريخ أشكالًا متعددة من الإيديولوجيات:

  • الإيديولوجيات الدينية.
  • الإيديولوجيات الإمبراطورية.
  • الإيديولوجيات القومية.
  • الإيديولوجيات العرقية.

وقد ظهرت في مناطق مختلفة من العالم، من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا.

الإيديولوجيات الحديثة

مع القرن العشرين ظهرت نماذج أكثر تنظيماً وتأثيراً، من أبرزها:

  • الشيوعية.
  • النازية.
  • الفاشية.
  • الإمبريالية الحديثة.
  • القومية المتطرفة.
  • الليبرالية الراديكالية في بعض تجلياتها.
  • بعض الإيديولوجيات الاقتصادية والسياسية المعاصرة.

وقد نشأت معظم هذه الإيديولوجيات في أوروبا أو الغرب الصناعي، قبل أن تمتد آثارها إلى العالم كله.

لماذا تتركز الإيديولوجيا الدينية في الشرق الأوسط؟

لأن الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة جغرافية.

بل مهد الديانات الكبرى.

وفيه تداخل فريد بين:

  • الدين.
  • الهوية.
  • التاريخ.
  • السلطة.
  • الذاكرة الجماعية.

ولهذا تصبح الخلافات الفكرية فيه أكثر حساسية من مناطق أخرى.

فالخلاف لا يُقرأ أحيانًا بوصفه خلافًا سياسيًا فقط، بل بوصفه خلافًا مرتبطًا بالهوية والوجود والمعنى.

ويطرح هذا سؤالًا إضافيًا:

هل يعود ذلك إلى أن التجمعات البشرية والحضارات الأولى تركزت تاريخيًا في هذه المنطقة؟

إلى حدٍّ كبير، نعم.

فمنطقة الشرق الأوسط كانت من أقدم مراكز الاستقرار البشري ونشوء الحضارات الكبرى، ومنها خرجت كثير من الأسئلة الأولى المتعلقة بالخلق والوجود والسلطة والأخلاق والعلاقة بين الإنسان والكون.

لكن هذا العامل وحده لا يكفي لتفسير الظاهرة.

فحضارات عريقة أخرى نشأت في الصين والهند وأمريكا الوسطى وغيرها.

غير أن الشرق الأوسط تميز باجتماع عاملين معًا:

  • كونه مهد الديانات التوحيدية الكبرى.
  • واستمرار تأثير تلك الديانات في السياسة والهوية والحياة العامة حتى اليوم.

ولهذا بقيت الأفكار الدينية فيه أكثر حضورًا في المجال العام مقارنة بمناطق أخرى اتجهت تدريجيًا إلى الفصل النسبي بين الدين والسياسة أو إعادة تعريف العلاقة بينهما.

ولماذا تتوزع الإيديولوجيات الأخرى في أماكن مختلفة؟

لأن كل إيديولوجيا غالبًا تولد من بيئتها.

فالشيوعية نشأت في بيئة الثورة الصناعية والصراع الطبقي.

والفاشية والنازية خرجتا من ظروف أوروبية خاصة.

والإمبريالية الحديثة ارتبطت بمراحل التوسع الاستعماري.

أي أن الجغرافيا ليست مجرد مسرح للإيديولوجيا.

بل أحد أسباب ولادتها.

هل الإيديولوجيات متضادة؟

نعم ولا.

فهي تتصارع في الشعارات والأهداف والوسائل.

لكنها تتشابه في نقطة مهمة:

عندما تتحول إلى عقيدة مغلقة، تصبح أكثر اهتمامًا بالدفاع عن نفسها من البحث عن الحقيقة.

وهنا يبدأ الخطر.

فالتاريخ يُظهر أن كثيرًا من الصراعات الكبرى لم تبدأ بسبب نقص الأفكار، بل بسبب اليقين المطلق بالأفكار.

الخلاصة

ربما لا تكمن مشكلة الشرق الأوسط في كثرة الأديان أو كثرة الأفكار.

بل في عجز كثير من القوى عن التمييز بين:

  • الإيمان والإيديولوجيا.
  • الهوية والتعصب.
  • القناعة والحقيقة.

فالفكرة حين تبقى قابلة للنقاش قد تصبح مصدرًا للتقدم.

أما حين تتحول إلى سجن مغلق، فقد تصبح مصدرًا لصراع لا ينتهي.