مَن يصنع الثقافة اليوم ومَن تشغله قضايا العالَم؟

news image


 

الرياض | بث | B

يتناول الباحث والأكاديمي التونسي د. عز الدين عناية، أستاذ الدراسات الدينية والحضارية في جامعة روما  -  مؤسسة الفكر العربي - سؤالًا يتجاوز حدود النشر والترجمة إلى جوهر العلاقة بين الثقافة العربية وقضايا العالم. ويرى أن التعامل مع التحولات العالمية لا ينبغي أن يقتصر على المتابعة الإخبارية، بل يتطلب بناء معرفة عميقة تستند إلى البحث والترجمة ومؤسسات الفكر القادرة على إنتاج الوعي وصناعة التأثير.

العرض

يناقش الكاتب واقع صناعة الثقافة والنشر في العالم العربي، وينتقد هيمنة الاعتبارات التجارية على كثير من دور النشر، مقابل تراجع دور المؤسسات البحثية والثقافية القادرة على إنتاج معرفة تتفاعل مع قضايا العالم. كما يسلط الضوء على أهمية الترجمة بوصفها أداة لبناء الوعي لا مجرد نشاط تجاري، داعيًا إلى انفتاح أوسع على التجارب الإنسانية والفكرية في الشرق والغرب، وإلى دور أكبر للجامعات ومراكز الدراسات في فهم التحولات العالمية ومواكبتها.

النص الكامل

لا شكّ أنّ العالَم اليوم يُواجِه جملةً من القضايا المتنوّعة، آثارها جليّة على البشريّة جمعاء، منها: مستحقّات التعدّديّة، بوجهَيْها الدّينيّ والثقافيّ، ومستوجَبات السِّلم في العالَم، ومُراعاة الأقليّات في مجتمعاتها الأصيلة، واحترام نظيرتها في المُجتمعات التي طرأت عليها الهجرة، وغيرها من القضايا. وهي قضايا لا يُمكن التعاطي معها بمثابة أخبارٍ عابرة في وسائل الإعلام؛ بل ينبغي تطارُح آثارها وأبعادها بعُمقٍ، وإمعان النَّظر فيها وحولها بالبحث والدراسة والترجمة.

ومهما بدا المرءُ معزولاً عن تلك القضايا الكبرى، حين يرزح تحت وطأة المشكلات الفرديّة، فالثّابت والجليّ أنّ ثمّة جدليّةً وصِلةً بين مشكلات الفرد الشخصيّة وقضايا العالَم الجماعيّة، وعلى هذا الأساس يُمكن القول إنّ مشكلات الفرد هي قضايا العالَم وقضايا العالَم هي مشكلات الفرد. فنحن اليوم كمغاربيّين نتحدّث عن المُهاجرين من بلاد المغرب الكبير نحو أوروبا بخاصّة؛ فهل نحن بحقّ على دراية مُعمّقة بالإسلام والمُسلمين في إيطاليا وألمانيا وغيرها، وأوضاع الدّين والأديان في المجتمع العلماني، وتعليم النّاشئة وليدة إيطاليا، وقِس على ذلك غيرها من البلدان الأوروبيّة. ولعلّ هذا ما يجعل الترابط بين القضايا الإنسانيّة وصناعة النشر اليوم من أوكد ما نحتاج لمعالجته لإدراك ذواتنا وللإحاطة بقضايا العالَم.

الصناعة الثقافيّة وقضايا العالَم

لعلّ من الصائب، لو شئنا عنواناً لحديثنا في قالبِ تساؤلٍ لَقلْنا: مَن يَصنع الفكر والثقافة اليوم؟ ومَن تشغله قضايا العالَم؟ وذلك حتّى نَضع الأمورَ في نصابها، ولتتّضح مسارات الحديث للسامع والمُتابع. فمجالا النشر والقضايا الإنسانيّة هُما مسألتان تُسائلان أوضاعنا الرّاهنة، المعرفيّة والحضوريّة في العالَم، ولاسيّما أوضاعنا العربيّة، بَيْد أنّهما يشكوان من المعالجة السويّة والمُعمَّقة. ذلك أنّ الجانب الأوّل، "النشر والترجمة"، هو عملٌ غالباً ما تعكف على الاشتغال به مؤسّساتٌ خاصّة لدينا، وهي مؤسّسات في أوضاعها الحاليّة قاصرة عن بلوغ المَرجوّ، لأنهّا باختصار تُلاحِق تحقيق الربح للحصول على عائداتٍ ماديّة لا غير، وقلّما يَرتبط عَملا النشر والترجمة في تلك المؤسّسات الخاصّة بمُعالجة قضايا ذات أبعادٍ إنسانيّة، وإنّ خاتل كثيرٌ من أصحاب تلك الدُّور أنهّم في الأصل شعراء وأدباء وما شابه ذلك لإضفاء مسحة ثقافيّة مُلتزمة ومسؤولة على أشغالهم وأدوارهم. قد يقول قائل: ثمّة مؤسّسات نشر عربيّة خاصّة اشتغلت على إيلاء القضايا الإنسانيّة، وبوّأتها مكانةً متقدّمة ضمن عملها، لكنّ تلك المؤسّسات سرعان ما دَبّ فيها الفتور وانتهتْ إلى التراجُع.

ذلك أنّ دُور النشر العربيّة، في الغالب الأعمّ، ليست امتداداً لمراكز أبحاث أو مؤسّسات دراسات، أو هيئات علميّة ومعرفيّة، مَعنيّة بالاشتغال على نطاقٍ محلّي أو دولي، بل هي شبه دكاكين تجاريّة محدودة الأنشطة، لم تتحوّل إلى ما يشبه المغازات أو المولات الثقافيّة. ومحدوديّة النشاط هذا فَرض عليها نمطاً خُلقيّاً في التعامل مع الكتّاب والباحثين والمُبدِعين، غالباً ما كان محكوماً بمعادلتَيْ الاستغلال والسخرة، وأَدخلها في منظورٍ للنشر والترجمة محصوراً بأهدافٍ مستعجَلة وخاضعاً لسياساتٍ ربحيّة رخيصة. لذلك يبقى دَوْر الانشغال بالقضايا الإنسانيّة بعيداً عن خياراتها ومُلقىً على عاتق مؤسّسات ذات صبغةٍ مقاصديّة تتجاوز الهدف التجاري إلى هدفٍ حضوري وتأثيري في العالَم. ونقصد بالأساس مؤسّسات معرفيّة وعلميّة غير ربحيّة، تتمتّع بمستوىً من الاستقلاليّة حتّى تقدر على التحرّك والتأثير.

ألمحنا بعجالة، في ما سبق، إلى نوعَيْ المؤسّسات المنشغلة بالنشر والقضايا الإنسانيّة في آن، ضمن السياق العربي، وبَيّنا أنّ التعويلَ على دُور النشر العربيّة في هذا الجانب هو من باب حُلم اليقظة، لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه. فالمسألة أكبر من قدراتها وإمكانيّاتها، ولذا تبقى المؤسّساتُ الجماعيّة الفاعلة، أو ما باتَ يُعرف بـ (الثينك تانك/ Think tank) هي المُقتدرة على تولّي هذه المهمّة وتطويرها. فالفكر العَملي اليوم، والتأثير الثقافي بوجهٍ عامّ، ما عادا صناعة فرديّة، بل صناعة مؤسّسة جماعيّة. ونحن في زمنٍ أضحى يملي على الباحث والكاتب الانضواءَ تحت مؤسّسةٍ ليبلِّغ رسالتَه ويُسجِّل حضورَه في العالَم.

أعود إلى الإشكال الجوهري: صناعة النشر بوجهيْها المعرفيّ والترجميّ، مَن يصنعها في البلاد العربيّة اليوم؟ هل هي مؤسّسات الدولة؟ أم مؤسّسات البحث والدراسات ذات الطّابع المُستقلّ؟ أم دُور النشر الخاصّة (واعذروني إنْ قلت "بقالات النشر"، لأنّها تتصرّف مع الثقافة بمنطق البضاعة، أي عرْض بهاراتٍ ثقافيّة مُغرية وأحياناً غير مُتجانِسة). فخلال العقود الأخيرة خَبَت في الدولة تلك الحماسة في صناعة "الثقافة المنشورة"، ومن ثَمّ تراجَعَ هاجسُ استقبال الجديد في العالَم، حتّى لكأنّ الدولة غادرت مُعترك هذا السوق وتركته لتنافُسٍ صبياني محموم. تخلّت الدولةُ عن تلك الريادة التي مَيّزتها فجر الاستقلال وإلى غاية الثمانينيّات من القَرن الفائت. قد يقول البعض هي حرَّرت السوق ولم يَعُد دورُها يتعدّى المُراقَبة والتنظيم، لكنّ هذا العبء، أو لنَقل هذه المسؤوليّة التاريخيّة، لا تزال تتحمّلها بعضُ الدول باقتدار، وبُطرقٍ ذكيّة، وفي مقدّمتها دول الخليج العربي؛ ما عدا تلك الدول، فقد تراجع فيها ذلك الدور بشكلٍ فاجع.

وعلى هذا الأساس نُقدّر أنّ صناعة النشر والترجمة التي تنظر إلى العالَم، وتتفاعل معه، تحتاج إلى عَيْنِ الدولة، ولكن بروحٍ وثّابة ومسؤولة (مشروع المركز القومي للترجمة في مصر، هو أنموذج حيوي لهذه العَيْن الساهرة والراعية). لأنّ المؤسّسات المدعومة من الدولة هي الأقدر على إرساء المشروعات الهيكليّة، الهادفة والواضحة، مثل ترجمة القواميس، والموسوعات، وكبريات مراجع المدوّنة العالميّة، في الفكر والآداب والفنون وفي شتّى حقول المعرفة. نقول هذا مع وعينا أنّ ثمّة مؤسّسات وطنيّة ظلّت صناعة الثقافة المنشورة فيها شكليّة، وما يستهلكه الهيكلُ الإداري والتسييري أكثر ممّا يُنتَج من أعمالٍ وترجمات وأبحاث، وهي مؤسّسات بالكاد تُنتِج عملاً مُترجَماً أو بحثاً مقدّراً في السنة، فمِن أين يأتي استقبال ما يجري في العالَم والتعاطي معه؟

مقتضيات الإحاطة بالقضايا الإنسانيّة

من الجليّ أنّ الانشغال بالقضايا الإنسانيّة لا يُمثّل هاجساً لدى الجميع، وإنْ حضر هذا الانشغال لدى البعض، فإنّه غالباً ما يطغى عليه الطّابع السياسي، لغلبة التوتّرات والصّراعات ذات الأثر المعولَم، فتَتوارى قضايا حارقة مثل التفاوُت الاجتماعي، والإمعان في تفقير الشرائح المحرومة، وطمْس حقوق المظلومين، والتغاضي عن قضايا الهجرة العالميّة وغيرها. مع هذا بات الوعي بالعالَم، وبقضايا العالَم، اليوم، مدعوّاً لتجاوُز التعاطي الإخباري مع ما يجري إلى التعاطي المعرفي. ولا سبيل إلى بناء تعاطٍ معرفيّ مع العالَم، سوى بإنتاج الأبحاث والدراسات المُعمّقة فيه، وردْفِ ذلك بتفعيلِ عمل الترجمة وتكثيفه. ومن جانبنا العربي نحن في أمسّ الحاجة إلى "استغراب" (يُعانِق الغرب معرفيّاً) وبالمِثل إلى "استشراق" (يُعانِق الشرق بأجنحته الصينيّة واليابانيّة والهنديّة معرفيّاً). ولْنكنْ صرحاء مع أنفسنا، علومنا الاجتماعيّة، وعلومنا الإنسانيّة، وعلومنا الدّينيّة التي تُدرَّس في المؤسّسات الجامعيّة العربيّة هي علوم مُنكفئة على الداخل العربي في مُجملها، على الرّغم من وجود قدراتٍ لغويّة في الجامعات العربيّة تفوق القدرات الجامعيّة الغربيّة أحياناً، بحوزة مُدرِّسي عِلم الاجتماع والفلسفة والحضارة والتاريخ وغيرهم، لكنّ تلك القدرات مجمَّدة أو معطَّلة جرّاء خمولٍ ذاتي أو جرّاء مناخٍ أكاديمي موبوء سائد في جامعاتنا، وهو ما يتطلّب مصارَحةً حقيقيّة للخروج من هذا الانحصار في الداخل.

فالوعي بالقضايا الإنسانيّة يقتضي الانفتاح على مجالاتٍ معرفيّة متنوّعة في الترجمة، وفي واقعنا الحالي، تحوز ترجمة الأدب، وتحديداً الرواية، نصيبَ الأسد ممّا نستجلبه من الخارج، ولكنّ الرواية وحدها لا تَكفي لبناء رؤية صائبة ومُكتمِلة عن الآخر. لهذا يَستوجب واقع الحال ضرورة إقحام العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في هذا التمشّي لإدراك مسارات العالَم. إنّ علماءَ الاجتماع لدينا، والمُنشغلين بالفلسفة، والمُنشغلين بالتاريخ والسياسة ونظراؤهم كثيرون، هؤلاء هُم الذين ينبغي أن يَرصدوا ويُترجموا نحو العربيّة ويَنقلوا رؤيتنا إلى العالَم، لأنّهم وببساطة الأدرى بالعالَم في مجالاتهم وتخصّصاتهم، وليس انتظار غيرهم ليقوم بذلك الدور بدلاً عنهم. حين بادرتُ بالاشتغال بالترجمة في مجال دراسات الأديان، حصل لديّ تحفّز جرّاء إحساس بالنقص الكبير في المجال، منذ أن كنتُ طالباً في الجامعة الزيتونيّة في تونس، فانطلقتُ بمحاولاتٍ بسيطة غدت مع توالي السنين مهنةً أمتهنها إلى جانب التدريس الجامعي، مع أنّ هذا الخيار لم يخلُ من عراقيل وخَيْبات.

والترجمة لدينا اليوم مطالبَةٌ بتصحيح مساراتها لتتحوَّل من ترجمةِ ما يدرُّ ربحاً إلى ما يُؤسِّس وعياً. ومن مُلاحقة الصَّرْعات العالَميّة للـ "باست سالر" وأفضل القوائم لدى دُور النشر، إلى تلبية حاجاتنا وسدّ النقص لدينا. فنحن في أمسّ الحاجة في الترجمة إلى ما يزيح الغشاوة عنّا في رؤية العالَم رؤية صائبة وواضحة. وبالتالي فالترجمة الفاعلة، والحاضرة في الحراك الثقافي، والتغيير الاجتماعي، لا تصنعها دُور النشر المتلهّفة على تحقيق الربح المُستعجِل. لأنّ كثيراً من دُور النشر الخاصّة تُريد أن تُحوِّل سوق النشر وعَمل الترجمة إلى ماركتينغ ربحي ولا يعنيها شيئاً من تنمية الوعي بقضايا العالَم والنهوض بالوعي الثقافي والمَعرفي لدى العربي. ولحسن الحظ، أنّ في ظلّ تراجُع حضور الدولة في هذا القطاع، بقيتْ مؤسّساتٌ ومراكز تُكافِح للنهوض بالوعي الثقافي والتشوّف نحو قضايا العالَم.

تحيّين المعارف بالغرب والشرق، عَبر النشر والترجمة، ضروري للإحاطة بقضايا العالَم. والجامعة منوط بها دَورٌ محوريّ في تنشئة القدرات البحثيّة والمعرفيّة وإنمائها. لذا في الواقع الحالي الجامعة والمؤسّسات الأكاديميّة العربيّة في حاجةٍ ماسّة، في تخصّصات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والدّينيّة، إلى تكثيف التواصل مع الفضاءات الثقافيّة والمعرفيّة الأخرى من أجل تحفيز الوعي بالآخر؛ حيث تلوح الرؤية العربيّة للآخر مُتقادمة أو مبتورة، لا تَفي بشروط الإحاطة والإلمام بما يجري في العالَم.

استراتيجيّة الترجمة

الترجمة المنشغلة بقضايا العالَم هي جزءٌ ضئيلٌ ممّا يُترجَم إلى العربيّة، إذ تَغلب على الترجمات - كما بيَّنا - المسحة الأدبيّة والروائيّة، والأمر عائد إلى عنصرَيْن: غلبة منطق الماركتينغ على الكِتاب وغياب الرؤية البعيدة في الثقافة العربيّة، حيث يتدنّى الاهتمام بالحضارات والدّيانات والتحوّلات الثقافيّة والتاريخيّة في العالَم. وبما أنّنا نودّ الحديث عن مقاصد الترجمة، فالمجال يَقتضي تحديد مدلول استراتيجيّة الترجمة. وفي ما نَذهب إليه تَعني تلك الاستراتيجيّة إدراكَ الثقافة معنى حضورها في العالَم، وحرصها على الإحاطة بما يعتمل في الثقافات الأخرى، وهو أمر حيويّ لكلّ ثقافة متفاعلة مع العالَم، وكلّما خَبت تلك الجذوة، دخلتِ الثقافةُ المحليّة في ما يشبه السبات والجمود. فلا شك أنّ ثمّة دَوراً جليلاً مُلقىً على عاتق المُترجِم، وعمله هو حاجة حيويّة لا غنىً عنها في أيّ ثقافة ترنو إلى التطوُّر والتجدُّد. ولذلك حتّى الثقافات المُتحفّزة والحاضرة بقوّة في الساحة الدوليّة لا غنى لها عن الترجمة. ولا ريب أنّ الثقافة العربيّة الحاليّة هي في أمسّ الحاجة إلى استجلاب الأعمال الأجنبيّة، لتحفيز الثقافة المحليّة وربطها بما يعتمل في الساحة المعرفيّة العالميّة. فالتواصُل مع المنتوج العالمي يَجري وفقَ مسارَيْن: مسار الاستعمال المباشر للّغة الأجنبيّة ومَسار الترجمة، والمَسار الأوّل هو نخبوي وحصري، ويصعب أن يُحوِّل فكر الآخر وأدبه إلى مادّةٍ رائجة الاستهلاك ومتداوَلة على نطاقٍ واسع؛ في حين أنَّ المسارَ الثاني، مسار الترجمة وجلْب المعارف من لغةٍ إلى لغة، هو القادر على "الاستثمار المعرفي" في العمل الأجنبي وإدراجه ضمن دورة ثقافيّة يغدو بموجبها العمل المترجَم منتوجاً مستهلَكاً على نطاقٍ واسع.

من ضمن السياق العربي المعاصر، غالباً ما يُثار إشكالٌ بين المثقّفين، حول كيفيّة إخراج الثقافة العربيّة من الرتابة الطاغية على مقولاتها، ومن هشاشة أطروحاتها، وضيق نظرتها في حقولٍ متنوّعة. في الواقع، لن يتأتّى هذا التجاوُز سوى بتحويراتٍ بنيويّة تشمل قطاعاتٍ عدّة، منها تكثيف نقْل تجارب الآخرين، المعرفيّة والأدبيّة والفنيّة، والتجادل معها ومحاورتها، ومن ثَمّ مواكبة ما يعتمل في الحراك الثقافي العالَمي وتبيُّن مساراته. وما من شكّ أنّ لدينا العديد من الحقول المعرفيّة رثّة المنشأ، وهشّة الأُسس، ولاسيّما في مجالات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وفي مجالات الإلمام بالحضارات والدّيانات الأخرى. فقد نَشأت سلسلةٌ من المقاربات، وتطوَّرت مجموعةٌ من المناهج، خارج حاضنة الثقافة العربيّة، لم نُواكب مخاضَها، ولم نُتابع الجدلَ الدائر بشأنها، ما جَعلنا لا نوفَّق في توظيف قدراتها التوظيف الحسن. فعلى سبيل المثال لا يكفي أن نَدرس عِلمَ الاجتماع وتاريخه بطريقةٍ سكولاستيكيّة (مدرسيّة) باهتة، كما هو سائد في جامعاتنا، ولكن أن نواكبَ التطوّرات الحاصلة، ونعي حاجاتنا الملحّة، ونحتكّ بتجارب الآخرين، ونَستلهم ما فيها من إمكانيّات، بهدف الاقتراب من التعريب الوظيفي لذلك العِلم وغيره، ونقصد به جعْل الأدوات المعرفيّة في خدمة واقعنا لفهمِ مضامينه وتحوّلاته وتحديّاته.

وجرّاء فقدان استراتيجيّة الترجمة لدينا، فَقَدْنا المُترجِم المُمتهِن بالترجمة، وربّما المُتطلِّع إلى بلْورةِ مشروعٍ تَرجمي في حدود إمكانيّاته وطموحاته. لذلك فإنَّ المُترجمين العرب يغلب عليهم طابع الترحُّل بين فنون الأشغال والأعمال، وتُشكِّل إنجازاتُ الترجمة جانباً هامشيّاً من جوانب أشغالهم، ولا تُمثّل شغلَهم الشاغل أو مشروعَهم الأثير. فالانتهاك الصارخ لحقوق المُترجِم يَجعل منه أقرب إلى الرضوخ لنظامِ السخرة منه إلى القيام بدَورٍ حضاريٍّ نبيل.

سألتُ مُترجِماً عربيّاً قديراً: لِم لا تَكتف بعملِ الترجمة، تفادياً لتشتُّت جهودكَ وحرصاً على الحفاظ على طاقتكَ وأنت تَشتغل هنا وهناك؟ ردَّ قائلاً: المترجم العربي ليظفر بعيشٍ كريم، عليه أن يُنوِّع مصادر الدخل وإلّا داهمته الفاقة والحاجة.