لا نبحث عن خصوم نهزمهم .. بل عن حقائق يصعب هزيمتها
كتب: عبدالله العميره
في زمن الاستقطاب، أصبح من السهل أن تختار خصمًا.
ومن السهل أن تجمع الأدلة ضده.
ومن السهل أن تصنع جمهورًا يصفق لك لأنك تهاجم من يكرهه.
لكن هل هذه هي الصحافة؟
كثير من المؤسسات الإعلامية حول العالم لا تبدأ من السؤال.
بل تبدأ من الإجابة.
تقرر أولًا من تحب.
ومن تكره.
ومن تؤيد.
ومن تعارض.
ثم تبدأ رحلة البحث عن الأدلة التي تثبت ما قررته مسبقًا.
وهنا تتحول الصحافة من بحث عن الحقيقة إلى بحث عن الذخيرة.
المشكلة ليست في المعلومات
العالم اليوم لا يعاني من نقص المعلومات.
بل من فائض الروايات.
كل طرف يملك خبراءه.
ووسائله.
وأرقامه.
وصوره.
وشهوده.
ومحلليه.
وأحيانًا حقائقه الخاصة.
ولهذا لم يعد السؤال:
من يملك المعلومات؟
بل:
من يملك القدرة على التمييز بين الحقيقة والرواية؟
حين تصبح الأجندة أهم من الحقيقة
في كثير من الأحيان، لا يُخفى الخبر.
بل يُعرض من زاوية واحدة.
ولا تُكذب الحقيقة.
بل تُنتقى أجزاء منها.
وهنا يصبح التضليل أكثر خطورة.
لأنه لا يعتمد على الكذب الصريح.
بل على الحقيقة الناقصة.
والحقيقة الناقصة قد تكون أحيانًا أكثر تضليلًا من الكذبة الكاملة.
الصحفي والرادار
الصحفي الحقيقي لا يشبه المحامي.
ولا يشبه السياسي.
ولا يشبه الناشط.
فمهمته ليست الدفاع عن طرف، ولا مهاجمة طرف.
بل فهم المشهد.
وكشف الحقيقة، بما فيها تلك التي لا تظهر للعين من النظرة الأولى، بغض النظر عن مدى إعجاب الآخرين بها أو رفضهم لها.
إنه أقرب إلى الرادار.
يرصد الإشارات المتفرقة.
ويربط بينها.
ويبحث عن المعنى المختبئ خلفها.
ولهذا لا يسأل فقط:
ماذا حدث؟
بل يسأل:
ماذا يكشف هذا الحدث؟
وما الحقيقة التي يحاول أن يخفيها؟
الحقيقة لا تحتاج إلى الصراخ
من أسهل الأمور في الإعلام أن ترفع الصوت.
ومن أصعبها أن تقدم حقيقة لا يستطيع خصومك هدمها.
فالضجيج قد يجلب الانتباه.
لكن الحقيقة المتماسكة هي التي تبقى.
ولهذا فإن قوة الإعلام لا تُقاس بعدد من يصفقون له.
بل بعدد الحقائق التي تصمد عندما تُختبر.
يأخذ عليّ بعض الناس أنني أناقض ما أنادي به من نقل الحقيقة، خصوصًا عندما أنشر خبرًا أو أرصد مشروعًا أو إنجازًا يتعلق بالسعودية.
وهنا تبرز نقطة جوهرية في العمل الصحفي:
نقل الحقيقة لا يعني الإشادة لمجرد الإشادة، كما لا يعني البحث عن النقد لمجرد النقد.
فالصحفي ليس مطالبًا بتقليص الحقيقة إذا كانت إيجابية، ولا بتضخيمها إذا كانت سلبية.
مهمته أن ينقلها كما هي.
وعندما أكتب عن السعودية، فإنني لا أمارس المجاملة، بل أنقل ما أراه واقعًا ومعطيات ومشروعات ونتائج ملموسة.
بل أستطيع القول بثقة: إن كثيرًا مما يُكتب لا يمثل إلا جزءًا يسيرًا مما تحقق على الأرض.
ومن لا يصدق ذلك، فالحل ليس في مجادلة النصوص، بل في رؤية الواقع بنفسه.
وفي المقابل، لم أتردد يومًا في إبداء الملاحظات أو النقد عندما أرى حاجة إليه، سواء كان نقدًا مباشرًا أو ضمنيًا، أو من خلال الرصد والتحليل والمقارنة.
فالنقد الحقيقي ليس خصومة، كما أن الإشادة الحقيقية ليست مجاملة.
وكلاهما يفقد قيمته عندما يبتعد عن الحقيقة.
فالصحافة في جوهرها ليست فن المديح، ولا فن الهجوم، بل فن الاقتراب من الحقيقة، وعرضها للناس كما هي، حتى لو خالفت ما يريد البعض سماعه.
أما السعي إلى تحسين المشروعات وتصحيح المسارات وكشف جوانب النقص، فليس انتقاصًا من النجاح، بل جزء من رحلة البحث الدائمة عن الأفضل.
الحقيقة لا تصبح مجاملة لأنها إيجابية، ولا تصبح عداءً لأنها ناقدة؛ إنها تبقى حقيقة مهما اختلفت ردود الأفعال تجاهها.
فرصة بث
ربما يكون أكبر خطأ ترتكبه مؤسسة إعلامية جديدة هو أن تجعل نفسها طرفًا في كل معركة.
لكن الفرصة الحقيقية تكمن في شيء آخر:
أن تصبح مرجعًا للحقيقة.
فليس مطلوبًا من الإعلام أن يحب هذا الطرف أو يكره ذاك.
ولا أن يدخل في خصومات يومية.
بل أن يبحث عن الحقيقة التي لو عرفها الجميع، لتغيرت كثير من المواقف.
الخاتمة
بعد سنوات طويلة من متابعة الأخبار والسياسة والصراعات، تبدو القناعة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى:
ليس من الصعب أن تجد خصمًا.
وليس من الصعب أن تجمع جمهورًا يكره ما تكره.
لكن الأصعب والأهم هو أن تبحث عن الحقيقة.
الحقيقة كاملة.
الحقيقة حتى عندما لا تعجبك.
الحقيقة حتى عندما تخالف ما كنت تعتقده.
ولهذا...
لا نبحث عن خصوم نهزمهم، بل عن حقائق يصعب هزيمتها.