لماذا لا نكتب مثل الآخرين؟

news image

ملاحظات في فهم الصحافة قبل ممارستها

كتب: عبدالله العميره

بعد أكثر من أربعين عامًا في العمل الصحفي، اكتشفت أن المشكلة الكبرى في الإعلام ليست نقص الأخبار.

فالعالم اليوم غارق في الأخبار.

والشاشات لا تتوقف.

والمواقع تتسابق.

والهواتف تمطر الناس بالتنبيهات كل دقيقة.

لكن رغم هذا الفيض الهائل من المعلومات، ما زال سؤال بسيط يبحث عن إجابة:

هل أصبح الناس أكثر فهمًا لما يحدث حولهم؟

في كثير من الأحيان، لا.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالصحافة ليست سباقًا على من يصل إلى الخبر أولًا فقط، بل على من يفهمه أولًا، ويضعه في سياقه الصحيح، ويرى ما لا يظهر في السطر الأول منه.

الخبر ليس الصحافة

يتصور كثيرون أن الصحافة هي نقل ما حدث.

وهذا صحيح جزئيًا.

لكن لو كانت الصحافة مجرد نقل، لأصبحت الآلات والخوارزميات أفضل الصحفيين في العالم.

فالآلة تستطيع أن تجمع الأخبار أسرع من الإنسان.

وتكتبها أسرع من الإنسان.

وتنشرها أسرع من الإنسان.

لكنها لا تستطيع أن تطرح السؤال الصحيح دائمًا، ولا أن تكتشف المعنى المختبئ خلف الأرقام والتصريحات والمشاهد، ولا أن تربط بين الأحداث لتفهم المسار الذي تتجه إليه قبل أن يراه الآخرون.

فالخبر يقول:

ماذا حدث؟

أما الصحافة الحقيقية فتسأل:

لماذا حدث؟

ولماذا الآن؟

ومن المستفيد؟

ومن المتضرر؟

وما الذي قد يحدث بعد ذلك؟

المشكلة ليست في الخبر

كثير من المؤسسات الإعلامية تتنافس على الوصول إلى الخبر.

وهذا طبيعي.

لكن المنافسة الأصعب ليست الوصول إلى الخبر، بل الوصول إلى فهم أعمق له.

فقد يقرأ آلاف الأشخاص الخبر نفسه.

لكن القليل فقط يكتشفون الفكرة التي يحملها.

وهنا يبدأ الفرق بين ناقل المعلومة، وصانع الفهم.

ما وراء الحدث

عندما نقرأ خبرًا عن حرب، لا يهمنا فقط عدد الصواريخ.

وعندما نقرأ خبرًا اقتصاديًا، لا يهمنا فقط حجم الصفقة.

وعندما نقرأ خبرًا سياسيًا، لا يهمنا فقط ما قيل أمام الكاميرات.

ما يهمنا هو ما وراء ذلك كله.

كيف يفكر اللاعبون؟

كيف تُبنى القرارات؟

كيف تتشكل الصورة الذهنية؟

كيف يُصنع التأثير؟

وأحيانًا:

كيف ينجح حدث صغير في كشف حقيقة أكبر منه بعشرات المرات؟

احترام عقل القارئ

من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض الإعلام أنه يفترض أن الجمهور لا يفهم.

فيُبسّط أكثر من اللازم.

أو يُضخّم أكثر من اللازم.

أو يحاول أن يفرض عليه رأيًا جاهزًا.

لكن التجربة علمتني شيئًا مختلفًا.

فالناس قد تختلف في المعرفة والخبرة، لكنها تملك قدرة مدهشة على التمييز بين من يحترم عقلها ومن يحاول استغلاله.

ولهذا لا ينبغي أن تكون مهمة الصحفي أن يفكر بدلًا عن الناس، بل أن يساعدهم على التفكير بصورة أفضل.

المشروع أهم من الشخص

من أهم الدروس التي تعلمتها خلال مسيرتي المهنية أن التركيز على الأشخاص أسهل كثيرًا من التركيز على الأفكار والإنجازات.

فالمديح سهل.

والتصفيق سهل.

وصناعة الأبطال أسهل من تحليل المشروعات.

 قيمة الإعلام لا تظهر حين يمدح الأشخاص، بل حين يكشف إنجازاتهم، ويفسر ما تحقق، ويشرح كيف تحقق، ولماذا تحقق.

من المحلية إلى العالمية

كثيرون يعتقدون أن العالمية تبدأ عندما تكتب بلغة أخرى.

لكن الحقيقة مختلفة.

العالمية تبدأ عندما تطرح سؤالًا يهم الإنسان أينما كان.

في الرياض.

وفي لندن.

وفي نيويورك.

وفي بكين.

وفي أي مكان آخر.

فعندما نسأل:

من يدير العالم فعلًا؟

أو:

كيف تُبنى الثقة بين الدول؟

أو:

هل أصبح الأمن الغذائي أهم من النفط؟

فنحن لا نناقش قضية محلية.

بل نناقش أسئلة تتجاوز الحدود.

لماذا لا نكتب مثل الآخرين؟

لأننا في بث لا نبحث عن الخبر فقط.

ولا نبحث عن الضجيج.

ولا نبحث عن الإثارة الفارغة.

نبحث عن الفكرة.

وعن العلاقة التي لا يراها كثيرون.

وعن النمط الذي يتكرر خلف الأحداث.

وعن الخيط الذي يربط بين السياسة والاقتصاد والإعلام والمجتمع والإنسان.

ولهذا قد تبدو بعض موضوعاتنا متباعدة.

لكنها في الحقيقة تدور حول سؤال واحد:

كيف نفهم العالم كما هو، لا كما يُعرض علينا؟

بعد سنوات طويلة في الصحافة، لم أعد أعتقد أن أعظم ما يمكن أن يقدمه الصحفي هو الخبر.

فالخبر قد ينتهي عمره خلال ساعات.

أما الفكرة الجيدة فقد تبقى في ذهن القارئ سنوات.

ولهذا لا أرى الصحافة مهنة نقل فقط.

بل مهنة فهم.

ومهنة تفسير.

ومهنة بحث دائم عما لا يظهر في السطر الأول من الخبر.

ما بعد الخبر

لكن الخبر، مهما كانت أهميته، ليس سوى جزء من عالم الإعلام الواسع.

فالإعلام لا يبدأ عند نشر المعلومة، ولا ينتهي عند تحليلها.

بل يمتد إلى فهم الجمهور، وقياس التأثير، وبناء الرسائل، وصناعة المحتوى، وإدارة الصورة الذهنية، ومتابعة النتائج، ثم إعادة قراءة المشهد من جديد.

ولهذا فإن ما يُنشر على منصات بث ليس إلا الجزء الظاهر من العمل.

أما الجزء الأكبر، فيدور غالبًا بعيدًا عن أعين الجمهور؛ في التخطيط، والرصد، والتحليل، وقياس الأثر، وبناء الاستراتيجيات الإعلامية، وصناعة المحتوى بمختلف أشكاله.

وهذه ليست أعمالًا موجهة للنشر فقط، بل خدمات إعلامية متخصصة تستفيد منها الجهات الحكومية، والشركات، والهيئات، والمنظمات، والقطاعات المختلفة التي تحتاج إلى فهم جمهورها، وقياس تأثير رسائلها، وبناء حضور إعلامي أكثر فاعلية وتأثيرًا.

وفي بث ننظر إلى الخبر بوصفه نقطة بداية، لا نقطة نهاية.

فمنهجنا لا يقتصر على متابعة الأخبار والتقارير ونشرها عبر المنصات، بل يمتد إلى الرصد والتحليل وقياس التأثير، وبناء الرسائل الإعلامية، وصناعة المحتوى المكتوب والمرئي، وإنتاج الصور والفيديوهات، وتطوير الحلول الاتصالية التي تخدم المؤسسات والقطاعات المختلفة.

فالعمل الإعلامي الحديث لم يعد مجرد نقل للمعلومات، بل أصبح عملية متكاملة تجمع بين الفهم والتحليل والتأثير.

ولهذا لا نقيس قيمة الإعلام بعدد ما ينشر فقط، بل بقدرته على تفسير المشهد، وفهم الجمهور، وتحويل المعرفة إلى أثر.

فالإعلام في جوهره ليس مجرد خبر يُقرأ، بل فكرة تُفهم، ورسالة تصل، وتأثير يُقاس.

____________

موضوع ذو صلة
بث .. نمو هادئ