من يشرح المعنى؟

news image

السياسي يطلق التصريحات كألغاز .. والإعلامي ينقلها دون تفكيك

كتب: عبدالله العميره

في كل يوم، يستيقظ ملايين البشر على عشرات التصريحات السياسية.

رئيس يتحدث.

وزير يعلّق.

متحدث رسمي يصرّح.

وشركات ومؤسسات ووزارات، كلٌّ يغني على ليلاه.

ثم تتحرك وكالات الأنباء، وتتناقل القنوات والمواقع الكلمات التي تراها مهمة بسرعة مذهلة، بينما تتوارى أحيانًا أخبار أكثر أهمية في زحام التصريحات وضجيج المؤثرات.

وفي لحظة، يكون الخبر قد وصل إلى العالم كله.

 

لكن سؤالًا بسيطًا نادرًا ما يُطرح:

هل فهم الناس ما قيل فعلًا؟

أم أنهم سمعوا الكلمات فقط؟

 

الخبر الذي لا يشرح نفسه

في عالم الإعلام التقليدي، ترسخت فكرة قديمة جدًا:

مهمة الصحفي أن ينقل ما قيل.

ثم ينتقل إلى الخبر التالي.

وكأن المهمة انتهت.

لكن الحقيقة مختلفة.

فالخبر لا يشرح نفسه دائمًا.

والتصريح السياسي ليس بالضرورة رسالة مباشرة.

بل قد يكون في كثير من الأحيان:

إشارة.

أو ضغطًا.

أو مناورة.

أو رسالة مشفرة موجهة إلى أكثر من طرف في الوقت نفسه.

ولهذا فإن نقل الكلمات وحدها لا يعني بالضرورة نقل المعنى.

 

السياسي لا يتحدث كما يظن الناس

الخطأ الشائع أن كثيرًا من المتابعين يعتقدون أن السياسي يقول ما يقصده مباشرة.

بينما الواقع مختلف.

فالسياسي لا يتحدث عادة ليشرح.

بل ليدير : 

يدير أزمة.

أو تفاوضًا.

أو حليفًا.

أو خصمًا.

أو رأيًا عامًا.

وأحيانًا يدير الوقت نفسه.

ولهذا قد تحمل الجملة الواحدة أكثر من رسالة.

رسالة للداخل.

ورسالة للخارج.

ورسالة للحليف.

ورسالة للخصم.

ورسالة للأسواق.

ورسالة للمفاوضات الجارية خلف الأبواب المغلقة.

وكلها في عشر كلمات فقط.

 

الخبر الأصم

وهنا تظهر مشكلة؛ يمكن تسميتها الخبر الأصم:

وهو الخبر الذي ينقل الكلمات..

ولا ينقل معناها.

خبر صحيح.

ودقيق.

وموثق.

لكن المتلقي يخرج منه كما دخل إليه.

لا يفهم لماذا قيل.

ولا لماذا قيل الآن.

ولا ماذا يعني أصلًا.

 

ماذا يعني هذا التصريح؟

لنتخيل أن رئيس دولة قال:

"كل الخيارات مطروحة."

الإعلام التقليدي ينقل الجملة.

ثم ينتقل إلى الخبر التالي.

لكن العقل التحليلي يتوقف ويسأل:

هل هذا تهديد؟

أم رسالة تفاوض؟

أم محاولة لطمأنة الداخل؟

أم رسالة ردع للخصم؟

أم مجرد رفع لسقف التفاوض؟

هنا يبدأ الإعلام الحقيقي.

 

الفجوة الكبرى

ربما لا تكمن المشكلة في نقص المعلومات.

بل في فائضها.

فالإنسان المعاصر يعيش وسط بحر من الأخبار.

لكن ذلك لا يعني أنه يعيش وسط بحر من الفهم.

ولهذا نشأت مفارقة غريبة:

كلما زادت المعلومات..

قلّ الإدراك أحيانًا.

لأن الخبر أصبح يصل أسرع من القدرة على تفسيره.

 

من يدير الإعلام؟

قبل سنوات كان السؤال:

هل السياسي يدير الإعلام؟

أم الإعلامي يدير السياسة؟

لكن الواقع يكشف أن السؤال قد يكون خاطئًا من أساسه.

فالسياسي يطلق الرسائل.

والإعلامي ينقلها.

أما من يصنع الفارق الحقيقي فهو:

من يفهم المعنى قبل نقل الكلمات.

وقد يكون هذا الشخص صحفيًا.

أو محللًا.

أو باحثًا.

أو قارئًا يمتلك القدرة على الربط بين الأحداث.

فالقيمة لم تعد في الوصول إلى المعلومة.

بل في فهمها.

 

ربما أكبر أزمة إعلامية في عصرنا ليست الأخبار الكاذبة.

بل الأخبار غير المفهومة.

لأن الخبر الكاذب يمكن كشفه.

أما الخبر الذي يُنقل بلا تفسير أو سياق، فقد يضلل الناس وهو صحيح تمامًا.

وهنا يتحول الإعلام من أداة معرفة..

إلى مجرد ناقل إشارات لا يفهمها كثير من المتلقين.

 

ماذا بعد؟

في زمن الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية، أصبح نقل الخبر أسهل من أي وقت مضى.

بل إن الآلات أصبحت قادرة على نقله خلال ثوانٍ.

لكن الآلة لا تفهم المعنى.

ولا تسأل:

لماذا؟

ولمن؟

ولأي هدف؟

وهنا تبدأ القيمة الحقيقية للصحافة.

 

ربما لم تعد وظيفة الإعلام الحديثة هي أن يقول للناس:

ماذا حدث؟

فهذا أصبح متاحًا للجميع.

أما المهمة الأصعب والأهم فهي:

ماذا يعني ما حدث؟

وهنا يظهر الفارق بين ناقل الخبر...

وصانع الفهم.

فالكلمات يسمعها الجميع.

أما المعاني 

فهي ما يصنع الوعي.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يُحرم من الأخبار.

بل أن يعيش وسط آلاف الأخبار...

دون أن يفهم ما الذي تحاول قوله.

من يظن أن مهمة الصحافة تنتهي عند نقل الخبر، يشبه من يعتقد أن الطبيب يكتفي بقراءة نتائج التحاليل دون تفسيرها أو الإشارة إلى الخطر.