الهجنة الثقافية.. وتغييب الجذور

news image

هل يتحول الأدب أحيانًا إلى صناعة بلا أصل؟


المقال للدكتورة. نادية هناوي

كاتبة عراقية - مؤسسة الفكر العربي
تقديم وتعليق 
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B

مقدمة

في زمن:
العولمة،
والهجنة الثقافية،
وتداخل الهويات،
يعود سؤال:
“الأصل”
ليفرض نفسه مجددًا على الفكر والأدب والثقافة.

فهل الأدب فعلٌ تراكمي يمتد عبر الجذور والتقاليد والحضارات؟

أم أنه مجرد:
نصوص بلا ذاكرة،
وكتابة بلا أصل،
كما حاولت بعض المدارس النقدية الغربية تصويره؟

المقال التالي للدكتورة نادية هناوي يفتح هذا الملف العميق،
عبر قراءة نقدية لفكرة:
الهجنة الثقافية،
وتغييب المؤلف،
وإلغاء الجذور الحضارية،
في عدد من الاتجاهات الفكرية والنقدية الغربية.

ويطرح تساؤلات تتجاوز الأدب نفسه،
لتصل إلى:
الهوية،
والتاريخ،
وصناعة السردية الثقافية العالمية.

 

النص كاملاً بعنوان الكاتبة:

الهجنة الأدبيّة وتعميمها على الثقافات

تَفتقر الثقافاتُ الهجينة إلى العراقة من ناحيةِ الامتداد التاريخيّ، فهي متعدّدة تَختلط فيها الأجناسُ والهويّات واللّغات. ومن ثمَّ لا أصول يُمكن لها أن تدّعيها، وإنّما هي تَرتكِز، في ما لديها من مصادر ونماذج، على ما لدى الثقافات الآحاديّة من أصول. والثقافة الأوروبيّة ثقافة هجينة، وعادةً ما يوصَف أدبُها بأنّه تعدّديّ، وما من تأليفٍ أدبيّ إلّا وهو حصيلة توليف ثقافاتٍ آحاديّة.

من هنا نَعَتَ فكتور هيغو شكسبير بـأنّه السنديانة التي يمتدّ ظلّها الواسع عَبر آلاف الأوراق، وأنّ هذه الأوراق في الحقيقة ليست إلّا الأصول والتقاليد التي أثَّرت في تكوين ثقافة شكسبير. ولقد أَخَذَ هيغو على المؤلِّف، أيّاً كان، إنكارَه فضلَ مَن سبقه، مستشهداً بكاتبٍ إسبانيّ قال بتواضع الواثق: "لقد استسلم لي أبطالٌ كبار وَهبوني أنفسهم"، في إشارةٍ إلى أنّ الأدب ليس خَلقاً من عدم، بل هو صناعة تراكميّة تَبني الجديد على أكتاف القديم. فالأدب صناعة لا تأتي من فراغ، بل لا بدَّ من صانعٍ أوَّل.

كما أنّ الإبداع بحسب هيغو أيضاً، لا يتحقَّق بالخضوع لقواعد أرسطو؛ بل بالانفتاح على التاريخ: معاذ الله أن أفكّر بأن أكونَ مثل هؤلاء الناس الرومانسيّين أو الكلاسيكيّين الذين يخلقون مؤلَّفاتٍ بحسب نظامهم ويعترفون بأنّهم لا يملكون في ذهنهم سوى شكلٍ واحد، وأنّهم يبحثون دوماً عن برهانِ شيءٍ ما، ويتبعون قوانين أخرى غير قوانين أذهانهم وطبيعتها. فنِتاجُ المؤلِّف المُصطنَع من صنف هؤلاء، مهما بَلغت موهبته، يبقى خاضعاً للنظريّة ومفتقِراً إلى روح الشعر وحقيقة الفنّ.

إنّ هذا الذي يقرّه فكتور هيغو هو ما رَفَضَ الإقرارَ به أدباءُ المذهب الكلاسيكي، وافترضوا في المقابل أنّ ثقافتهم تمتدّ في أصولها إلى الإغريق والرومان من دون أيّ اعتدادٍ بأصولٍ تنتمي إلى آداب الحضارات الأقدم تاريخيّاً كالحضارة البابليّة والحضارة الصينيّة. وعلى الرّغم ممّا دعا إليه الرومانسيّون من عالميّة الأدب تجاوزاً للأعراق والجغرافيا والمُعتقَدات، فإنّ ذلك لم ينجح في تغيير مساعي الفكر الغربي نحو دحْضِ ما للآدابِ الشرقيّة من أصول، عدَّها هذا الفكر أمراً أسطوريّاً لا وجود له على مستويَيْ الإنشاء الشفاهي والكتابة المُسجَّلة؛ فاهتمَّ الشكلانيّون مثلاً بالشكل على حساب التاريخ. ورَفَضَ البنيويّون وجودَ تواريخ أو تصنيفاتٍ للكتابة إلّا في إطارٍ نظريّ بوصفِ الكتابة فعاليّةً ازدواجيّة لا نهائيّة. والمحصّلة ضياع الأصول، فضلاً عن تحوُّل البحث عنها إلى مجرّد أسطورة!

ولقد افترَض رولان بارت أنّ للأدب تاريخاً مرفوضاً، لأنّ الأدبَ شكلٌ وإشكاليّةٌ لغويّة "تُكرِّس الأدبَ نهائيّاً على اعتباره موضوعاً"؛ وبهذا تكون للشكل سلطةٌ على الكتابة لكونها تعدّديّة. وتأثُّراً ببارت، اعتبرَ الفيلسوف موريس بلانشو أنّ مقولة "الكتابة في درجة الصفر" تُلامس جوهر الأدب، ليس لأنّها مجرَّد اختيار لأسلوبٍ مُحايد، بل لأنّ بارت وَضَعَ إصبعَهُ على اللّحظة التي يتجرَّد فيها الأدب من وظائفه ليواجِه فراغَهُ الخاصّ؛ وهي النقطة التي لا تعود فيها الكتابةُ أداةً للتعبير عن أصولٍ وقواعد، بل تُصبح كتابةً بيضاء، أي تُصبح غياباً وتجربةً لغويّة "لا لون لها".

بهذا النَّوع من التأويل لثنائيّة الكتابة/ الكلام تُطمَس حقيقة الأصول التي هي فعلٌ إنجازيّ ينتمي إلى مؤلِّفٍ واحدٍ بعَيْنِه، قد يكون معروف الاسم أو مجهولاً. غير أنّ ما يراه بلانشو هو أنّ مسألة التأليف ليست سوى فعل فرديّ يقوم على فكرة أنّ الكتابة سابقة لفعل الكلام. ويترتَّب على هذا الرأي أمران: أوّلهما أنّ المجهول الذي يدور حول البحث ليس موضوعاً ولا ذاتاً. وثانيهما أنّ الكلامَ الذي يَحمل المجهول غير مُتناهٍ. وحين أتى إلى تعريف الأدب، عدّه إنجازاً يختصّ بمَن يؤلِّفه من دون وجود أيّ أصلٍ سابق.

 

أسئلة ميشيل فوكو

في دراسته "ما معنى المؤلِّف؟" أَعاد ميشيل فوكو التفكيرَ في المؤلِّف وطَرَحَ أسئلةً عدّة منها: كيف أَصبح المؤلِّف فرداً؟ وما المكانة التي أُعطيت له؟ ومتى بَدأت دراساتُ الأصالة والنَّسب؟ وفي أيّ نسقٍ انخرطَ المؤلِّف؟ وما أهميّة مَن يتكلّم؟

وعدَّ الاكتراثَ بأمر المؤلِّف مبالاةً أخلاقيّة، لكنّه وبدلاً من أن يمضي في هذه المُبالاة، اتَّجه نحو مناقشة فعل الكتابة بوصفها لعبةً تتجاوز قواعدها الخاصّة. فالمُهمّ بحسب فوكو هو أن نخلق مساحةً تختفي فيها الذّات الكاتبة باستمرار. وبهذا تُصبح الكتابةُ مُراوغةً تتفادى الموت و"تمحو السمات الفرديّة للذات الكاتبة. ونتيجةً لهذا تتقلّص العلاقةُ الدالّة على المؤلِّف إلى مجرّد تفرُّدِه بغيابه، فهو في لعبة الكتابة لا بدّ من أن يأخذَ دَور الإنسان الميّت". واستدركَ فوكو قائلاً: إنّ العمل والكتابة لا يحولان دون اختفاء المؤلِّف، لكن كوظيفةٍ إشاريّة وليس كاسمٍ وصفةٍ دالَّيْن على حقيقة هذا المؤلِّف. فاسم المؤلِّف ليس مجرّد عنصر في خطاب، إنّه يؤدّي دَوراً مُحدَّداً بالنسبة إلى الخطاب السردي، مؤكِّداً على وظيفةٍ تصنيفيّةٍ ما. إنّ وظيفة المؤلِّف هي رسْم صيغة الوجود والتداوُل والقيام بوظائف معيّنة في مجتمعٍ ما.

أمّا ملكيّة التأليف وأصالته، فلا أهميّة لهما في نَظَرِ فوكو، لأنّ المؤلِّف بالنسبة إليه متعدّد؛ فهو حقيقي وخيالي، وشخص إيديولوجي ضدّ وظيفته التاريخيّة، وذات فرديّةٍ مؤسِّسة لنظامٍ عابرٍ للخطابات مثل غاليلو وفرويد وماركس. والمحصّلة التي إليها يخلص فوكو هي أنْ لا علاقة للمؤلِّف بالعودة إلى الأصول والجذور، بل العلاقة كامنة "في مجالات الخطاب، وهي مهمّة ومؤثِّرة في تطوُّر مُمارَسة الخطاب ذاته".

على هذه الشاكلة من التنظير الأدبي والفلسفي أَهمل النقّاد والمفكّرون الغربيّون المؤلِّف في صورته الحقيقيّة. واهتمّوا بالبحث في قصْدِ المؤلِّف والوظائف والعلاقات التي تربطه بالقارئ. وعلى الرّغم من تبنّي بعض المنظّرين أطروحاتٍ ذات صلةٍ بدراسة الأصول والمصادر والتقاليد، فإنّ الأمرَ ظلَّ في حدود البحث في الأساطير.

وفي مقابل إلغاء دَور المؤلِّف الحقيقي والاهتمام بدلَ ذلك بتعدديّة القراءة والكتابة، نَجِد تنظيراتٍ أخرى تَصبّ في باب تدشين تقاليد خاصّة بالأدب الغربي. ولكن من أين يتأتّى تدشينُ التقاليد، والأصول نفسها ملغاة والمؤلِّفون مُهمَّشون؟!

من المُصادفات حقّاً أن نَجِدَ ناقداً مِثل البريطاني إيريك هوبسباوم Eric Hobsbawm يَعترف بأنّ دراسة التقاليد في الأدب الغربي مُبتدَعة، وهي تأتي من باب اختراع التراث. ودليله على ذلك استمراريّة الوهْم التي تَجعل "مسألة التقليد المُبتدَع موضوعاً في غاية الأهميّة للمؤرِّخين المَعنيّين بأحداث القرنَيْن الثّامن عشر والتّاسع عشر". ويرى أنّ ابتداع التقاليد هو في جوهره عمليّة من عمليّات إضفاء طابعٍ رسميّ وطقسيّ على أساليب مُستحدَثة "عن طريق الرجوع بهذه التقاليد إلى أصول الماضي ونسبتها إليه، حتّى ولو جرى ذلك بواسطة تكرار ترديد القول كي يَنطلي على الناس".

وإذا كان ابتداعُ التقاليد واختلاقُ ماضٍ قديم، وتسخيرُ ذلك كلّه في اختراعِ أدواتٍ جديدة، قد اتَّضح في الثلاثين أو الأربعين سنة قَبل الحرب العالميّة الأولى، فإنّ بداية الأمر تعود إلى أبعد من ذلك بكثير. ففي القرن الثاني عشر عدَّل جيوفري أوف مونماوث Geoffrey of Monmouth من الأساطير القديمة واخترعَ "تراثاً ويليزيّاً" ركَّز فيه على الأصول الطرواديّة للبريطانيّين، حيث استحدَثت بريطانيا اسمها من بروتس. واستَحدث الويلزيّون اسم كيمرو من كامبريا. وتلاعَبَ هنري تيودور بالتراث بذكاءٍ لحشْدِ التأييد الويلزي بعدما صوَّر نفسَه على أنّه المخلِّص.

هذه الاستدلالات التي هي من متحصّلات الباحثين الغربيّين أنفسهم، تُشير إلى حالةٍ عامّة لا يُمكن التغافُل عنها، وهي تعميم الهجْنة الثقافيّة للأدب الغربي على سائر الآداب العالَميّة، بما فيها تلك المُنتمية إلى ثقافاتٍ أحاديّة.

 

تعليق بث

ما يلفت الانتباه في هذا الطرح
أنه لا يناقش الأدب فقط،
بل يناقش:
فكرة الجذور نفسها.

فالكثير من الصراعات الثقافية الحديثة لم تعد تدور حول:
من يكتب؟

بل حول:
من يملك الأصل،
ومن يملك حق تعريف التاريخ،
ومن يملك سلطة السردية العالمية.

ولهذا تبدو بعض المدارس النقدية الغربية وكأنها لا تكتفي:
بتجاوز المؤلف،
بل تتجاوز أحيانًا:
فكرة الجذور الحضارية ذاتها.

وفي العمق،
لا تبدو قضية:
الهجنة الثقافية،
مجرد تفاعل طبيعي بين الثقافات.

بل تتحول أحيانًا إلى:
إعادة تشكيل للهوية،
وتذويب للخصوصيات،
وإعادة إنتاج للعالم وفق سردية ثقافية مهيمنة.

لكن المفارقة أن الحضارات الكبرى لم تُبنَ يومًا:
بالعزلة الكاملة،
ولا بذوبان الذات الكامل أيضًا.

بل بالتوازن بين:
الانفتاح،
والاحتفاظ بالجوهر.

وهنا يصبح السؤال الأهم:

كيف يمكن للثقافات أن تنفتح على العالم،
دون أن تفقد:
ذاكرتها،
وجذورها،
وصوتها الخاص؟

 

_____
الصورة :
تداخل الحضارات والثقافات،
وحالة “الهجنة الثقافية” التي يمتزج فيها:
الشرق والغرب،
والأصالة والحداثة.

الوجه المركّب يعكس:
هوية تشكّلت عبر:
التاريخ،
واللغة،
والفكر،
والتأثيرات المتبادلة بين الحضارات.

أما الكتاب المفتوح،
فيرمز إلى أن:
الأدب والمعرفة
كانا دائمًا مساحة لعبور الأفكار وتفاعل الثقافات.

ويجسد الانتقال البصري بين العمارة الشرقية والغربية:
التفاعل أحيانًا،
والصراع أحيانًا أخرى،
بين الهوية المحلية والعولمة الثقافية.

وفي النهاية،
تبقى:
“الحكمة ضالة المؤمن”
قاعدة أصيلة في طلب الحق والمعرفة.