إلى أين؟

news image

حين يقول السلوك ما عجزت الأعذار عن قوله، لا يبقى السؤال: لماذا تغيّر كل شيء؟ بل: إلى أين تمضي الخطوات بعد أن يصبح البقاء أثقل من الرحيل؟

 

كتب: عبدالله العميره

هذا المقال امتدادٌ لخاطرة «ما لا تقوله الأعذار»؛ فإذا كانت الأعذار تشرح الغياب، فإن الخطوات تكشف ما يحدث حين ينتهي الشرح، ويبدأ الإنسان في البحث عن طريق آخر.

في الصورة بابٌ مفتوح.

ومفتاحٌ تُرك عند العتبة.

وورقة صغيرة لا نعرف ما كُتب فيها.

وفي الخارج تمتد خطوات هادئة عبر طريق تحيط به الأزهار، ثم تبتعد حتى يكاد الضوء يخفيها.

لا نعرف صاحبها، ولا اللحظة التي بدأت فيها، ولا إن كانت تمضي نحو مكان محدد، أم تبتعد فقط عن مكان لم يعد ممكنًا البقاء فيه.

لكن سؤالًا واحدًا ينهض من الصورة:

إلى أين؟

يبدو السؤال في ظاهره متعلقًا بوجهة؛ مدينة أخرى، أو بيت آخر، أو عمل جديد، أو إنسان ينتظر في نهاية الطريق.

لكن الذين يغادرون لا يعرفون دائمًا إلى أين يمضون.

أحيانًا يعرفون فقط أن المكان الذي يقفون فيه لم يعد يتسع لهم.

وأن ما كان يمنحهم الطمأنينة أصبح يستهلكها.

وأن البقاء، الذي بدا طويلًا الخيار الأكثر أمانًا، تحوّل ببطء إلى صورة أخرى من الضياع.

قد يخرج الإنسان من مكان وهو يعرف عنوان وجهته، لكنه لا يعرف أي نسخة من نفسه ستصل إليه.

وقد يبقى في مكانه سنوات، بينما يكون قد غادره من الداخل منذ زمن.

فليست كل الخطوات تُرى، وليست كل الأبواب تُفتح باليد.

الخطوة الأولى

لا تبدأ المغادرة عند الباب.

تبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما يتكرر ما يؤلم، ويصبح الاعتذار أقل قدرة على إصلاحه، وتتسع المسافة بين الكلام والسلوك.

تبدأ عندما تتحول الوعود إلى وسيلة لتأجيل الحقيقة، لا إلى التزام بتغييرها، وعندما يجد الإنسان نفسه مضطرًا كل يوم إلى اختراع تفسير جديد لما كان واضحًا منذ البداية.

في خاطرة «ما لا تقوله الأعذار»، لم تكن المشكلة في العذر نفسه؛ فلكل إنسان ظروفه، ولكل غياب ما قد يفسره.

لكن الأعذار تفقد معناها حين تتكرر، ولا يتغير بعدها شيء.

عندها يتوقف العقل عن الإصغاء إلى الكلمات، ويبدأ في مراقبة الأفعال.

فالسلوك لا يجيد البلاغة، لكنه نادرًا ما يكذب.

وما لا تقوله الأعذار اليوم، قد تقوله خطوة هادئة غدًا.

مفتاحٌ بلا باب

بقي المفتاح في الصورة عند العتبة.

هل سقط عند الرحيل؟

أم تُرك عن قصد؟

هل يعني أن العودة لم تعد مرغوبة؟

أم أن الباب سيظل مفتوحًا لمن أراد أن يعود بطريقة مختلفة؟

نحمل في حياتنا مفاتيح كثيرة؛ لأماكن عرفناها، وعلاقات سكنت أرواحنا، وأحلام اعتقدنا أنها ستبقى، ونسخ قديمة من أنفسنا أمضينا وقتًا طويلًا في حمايتها.

لكن بعض المفاتيح لا تفتح الأبواب نفسها إلى الأبد.

فقد يبقى المفتاح صالحًا، بينما يتغير المكان.

وقد يظل الباب في موضعه، لكن الذي يقف أمامه لم يعد الشخص الذي دخله أول مرة.

لهذا لا تكون العودة دائمًا استعادة لما مضى.

أحيانًا لا يعود الإنسان إلى المكان، بل إلى الذكرى.

ولا يشتاق إلى ما كان فيه، بل إلى ما كان يظنه موجودًا.

الرسالة التي بقيت

إلى جانب المفتاح ورقة صغيرة.

قد تكون رسالة وداع، أو تفسيرًا أخيرًا، أو كلمات كُتبت ثم بدا أن الصمت أصدق منها.

وربما لا تكون فيها إلا جملة واحدة:

لقد حاولت.

في كل مغادرة كلامٌ لم يُقل.

أسئلة تأخر وقتها.

وعتاب استُهلك حتى فقد صوته.

وتفاصيل صغيرة لم يلاحظها أحد حين كانت قابلة للإصلاح، ثم أصبحت بعد فوات الوقت أدلةً على أن النهاية لم تكن مفاجئة كما بدت.

كثيرون يفاجئهم الرحيل لأنهم رأوا الخطوة الأخيرة وحدها.

لم يلاحظوا أن الصمت لم يكن رضا، وأن الهدوء لم يكن دائمًا طمأنينة، وأن توقف العتاب قد لا يعني انتهاء الألم؛ بل انتهاء الأمل في أن يفهمه أحد.

ليس كل رحيل هروبًا

نميل إلى الاعتقاد أن المغادرة ضعف، وأن البقاء دليل وفاء.

لكن الحياة لا تؤيد هذه القاعدة دائمًا.

فقد يكون البقاء خوفًا من المجهول، وقد تكون المغادرة أول مواجهة صادقة معه.

وقد يبقى الإنسان لأنه اعتاد الألم، لا لأنه يؤمن بالمكان.

وقد يرحل لا بحثًا عن بديل، بل حفاظًا على ما تبقى منه.

ليس كل من غادر كارهًا.

بعض الذين يغادرون يحملون معهم محبة كبيرة، لكنها لم تعد كافية لبناء حياة يمكن احتمالها.

وبعضهم يخرج وهو يتمنى لو أن سببًا واحدًا صادقًا ظهر في اللحظة الأخيرة ليعيده.

لكن السبب لا يأتي.

ويبقى الباب مفتوحًا، لا لأن العودة ممكنة بالضرورة، بل لأن إغلاقه بعنف لا يشبه ما كان في القلب.

إلى الذات

أصعب الرحلات ليست تلك التي تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، بل التي تعيده إلى نفسه.

فقد نمضي أعوامًا في طرق اختارها الآخرون، ونحمل توقعاتهم، ونحاول ألّا نخذلهم، حتى نكتشف أن أكثر من خذلناه في الطريق هو ذلك الصوت الهادئ في داخلنا.

عندها يصبح السؤال «إلى أين؟» أكبر من عنوان أو وجهة.

إلى أين يمضي العمر؟

وإلى أين تقودنا القرارات التي نؤجلها؟

وكم يتبقى من الإنسان حين يقضي حياته في المكان الخطأ، فقط لأنه خاف من الخطوة الأولى؟

ليست كل الطرق الواضحة صحيحة.

وليست كل الطرق المجهولة ضياعًا.

أحيانًا يبدأ العثور على الاتجاه بالاعتراف بأن الطريق الحالي لا يقود إلى شيء.

ما تقوله الخطوات

لا ينبغي أن نتعجل الحكم على من غادر، ولا أن نصنع من بقائه فضيلة مطلقة.

فالخطوات لا تشرح وحدها ما حدث قبلها، لكنها تقول إن شيئًا وصل إلى نهايته.

إن العذر لم يعد يقنع.

وإن الانتظار استنفد معناه.

وإن الإنسان اختار أن يضع قدمه خارج المساحة التي ظل زمنًا يحاول إصلاحها.

قد تكون الوجهة غير واضحة، وقد يكون الطريق طويلًا، لكن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى رؤية نهايته كي يبدأ السير؛ فقد يكفيه أن يعرف أن الوقوف في مكانه لم يعد ينقذه.

وفي الصورة، لا نعرف إلى أين انتهت الخطوات.

ربما كان وراء الحديقة طريق آخر، ثم مفترق، ثم أسئلة جديدة.

وربما عاد صاحبها يومًا.

وربما لم يعد.

لكن المفتاح بقي، والرسالة بقيت، والباب ظل مفتوحًا.

أما الخطوات، فاختارت أن تجيب بطريقتها عن كل ما عجزت الكلمات عن قوله.

لهذا، قبل أن نسأل الراحل:

إلى أين تمضي؟

لعل السؤال الأصدق هو:

ما الذي جعل الطريق المجهول أكثر طمأنينة من البقاء؟

____________________

لقراءة مقال «ما لا تقوله الأعذار»