ما لا تقوله الأعذار

news image

ليست المشكلة دائمًا في أن يغيب أحدهم، بل في أن يتركنا وحدنا نبحث عن تفسير يليق بالمكانة التي منحناه إياها

 

كتب: عبدالله العميره

للأعذار وظيفة إنسانية جميلة.

فهي تشرح ما عجز الإنسان عن فعله، وتمنح الآخرين فرصة لفهم ظروفه، وتحمي العلاقات من الأحكام المتسرعة. كلنا نتأخر رغم حرصنا، ونغيب رغم محبتنا، ونصمت وفي داخلنا كلام كثير.

لكن بعض الأعذار لا تشرح الحقيقة، بل تؤجل مواجهتها.

ويكون الصمت أكثر إيلامًا؛ فلا سؤال يأتي، ولا جواب يبدد الحيرة. ومع ذلك، يبقى للعذر مكان: لعل الرسالة لم تصل بالمعنى المقصود، أو أن الخجل حال دون الكلام، أو أن الخوف من ردٍّ غير متوقع أخّر خطوة كان يمكن أن تغيّر كل شيء.

ومثل هذه الأعذار تغطي المسافة ولا تزيلها، وتجمّل التغيّر من دون أن تنفيه. نسمعها فنهدأ قليلًا، ثم نعود إلى التفاصيل فنجد أن شيئًا ما لم يعد كما كان.

النبرة تغيّرت.

والرسائل التي كانت تأتي بعفوية أصبحت تنتظر مناسبة، والكلمات التي كانت تنساب من القلب باتت تمر على حسابات كثيرة.

وحين يأتي السؤال، يحضر عذر جديد.

وقد يكون العذر صادقًا؛ فالناس ينشغلون ويتعبون، ويمرون بظروف لا يراها الآخرون. لذلك، ليس من الإنصاف أن نفسر كل تأخر على أنه إهمال، أو كل صمت على أنه فتور، أو كل غياب على أنه رغبة في الابتعاد.

لكن الحقيقة لا تظهر في موقف واحد، بل في التكرار.

العذر الذي يحدث مرة تشرحه الظروف، أما حين تصبح الظروف هي الحاضر الدائم، فقد لا تعود المشكلة في الوقت أو المسافة أو ازدحام الأيام، بل في مكانة تغيّرت بصمت.

والقلوب المرهفة تتعب أمام هذا التناقض.

تريد أن تصدق الكلام، لكنها ترى السلوك. تمنح العذر فرصة ثانية وثالثة، ثم تبدأ في اختراع أعذار لم يقلها الطرف الآخر أصلًا:

ربما كان التعب أقوى.

لعل الظروف لم تكن سهلة.

قد يكون الصمت عتابًا.

ربما غابت الكلمات المناسبة.

وهكذا يتحول الحب أو الصداقة أو القرب إلى غرفة انتظار طويلة، يبقى فيها طرف واحد يبحث عن تفسير، بينما يمضي الآخر من دون أن يعرف مقدار الأسئلة التي تركها خلفه.

المؤلم في بعض الأعذار ليس أنها كاذبة تمامًا، بل أنها ناقصة.

قد يكون الإنسان مشغولًا حقًا، لكنه ليس مشغولًا عن الجميع. وقد تضيق به الظروف، لكنه يستطيع إرسال كلمة صغيرة إذا كان يخشى أن يؤذي غيابه قلبًا يعرف قيمته.

فالاهتمام لا يحتاج دائمًا إلى وقت طويل.

أحيانًا تكفي جملة صادقة لتحمي علاقة كاملة من سوء الفهم. والوضوح، مهما كان مؤلمًا، أرحم من غموض يجعل إنسانًا يراجع نفسه كل ليلة، ويتساءل عن الخطأ الذي ارتكبه، بينما الحقيقة قد تكون أبسط من ذلك: لم نعد نحتل المكانة نفسها..

بعض الناس لا يقولون إنهم يريدون الرحيل.

يقللون حضورهم فقط.

يتأخرون أكثر.

يسألون أقل.

ويتركون العلاقة تذبل وحدها، حتى يبدو انتهاؤها حدثًا طبيعيًا لا يد لأحد فيه.

لا يغلقون الباب، بل يتركونه مواربًا؛ لا يدخلون منه، ولا يسمحون لمن ينتظر أمامه بأن يعرف إن كان عليه البقاء أو الرحيل.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول فهم السلوك إلى قسوة أو سوء ظن.

فليس المطلوب أن نحاكم الناس على كل تقصير، أو نقيس محبتهم بعدد الرسائل والمواعيد. بعض القلوب صادقة وإن كانت قليلة التعبير، وبعض الغائبين يحملون من الأوجاع ما يجعل حضورهم صعبًا حتى على أنفسهم.

لكن الفرق يظهر مع الوقت.

من يريد القرب قد تعوقه الظروف، لكنه يحاول.

ومن يخشى خسارة العلاقة يشرح، ويعتذر، ويعود.

أما من يكتفي بالأعذار، من دون محاولة تُرى أو سلوك يطمئن، فقد قال بصمته ما لم يقله بالكلمات.

والنضج لا يعني أن نتوقف عن قبول الأعذار، بل أن نتوقف عن استخدامها ضد أنفسنا؛ أن نمنح الآخرين حسن الظن من دون أن نفقد وضوح الرؤية، وأن نفهم ظروفهم من دون أن نلغي احتياجاتنا.

فالعلاقة الحقيقية لا تحتاج إلى الكمال، بل إلى شعور متبادل بأن الطرفين يحاولان حمايتها. وإذا ظل طرف واحد يرمم ويبرر وينتظر، فلن تكون المشكلة في قلة الصبر، بل في غياب من كان يفترض أن يشاركه البناء.

وقد يعود الغائب يومًا معتذرًا.

عندها لا يكون السؤال: هل كان العذر جميلًا؟

بل: هل فهم ما فعله الغياب؟ وهل تغيّر ما كان يؤذي العلاقة؟ وهل جاءت العودة بكلمات جديدة فقط، أم بسلوك يعيد الطمأنينة؟

فالاعتذار الصادق لا يمحو ما حدث، لكنه يعترف به. والعودة الحقيقية لا تقف طويلًا عند العتبة؛ بل تعرف أن الباب الذي تركته مواربًا لا يُفتح من جديد بالأعذار، وإنما بالصدق والمحاولة والثبات.

بعض الأبواب قد تُفتح مرة أخرى.

لكن المفتاح هذه المرة لن يكون الكلام وحده.

في مقالنا المسائي اليومي، لا نكتب عن المشاعر لنغرق فيها، بل لنفهمها، ونضعها في مكانها الصحيح، ثم نعود إلى الحياة أكثر هدوءًا وقدرة على العمل.