الفنجان الثاني

news image

المشهد الثاني: كان في الغرفة مقعد واحد، لكن القهوة أُعدّت لاثنين

 

كتب: عبدالله العميره

لمن الفنجان الثاني؟

لم يكن في الغرفة ما يجيب.

مقعد خشبي قرب النافذة، وكتاب مفتوح فوقه، وطاولة صغيرة تحمل فنجانين متجاورين.

لا مقعد آخر.

ولا حقيبة تشير إلى ضيف.

ولا معطف معلّق، ولا صوت يُسمع، ولا أثر لخطوات في الممر.

كانت الغرفة هادئة إلى درجة أن السؤال بدا أكثر حضورًا من كل ما فيها.

دخل الضوء من النافذة المفتوحة، وانسكب على أطراف الكتاب، ثم امتد إلى الطاولة. حرّكت نسمة خفيفة الستارة، واهتزت بعض أوراق الشجرة القريبة، لكن الصفحات بقيت في مكانها؛ كأن يدًا تركتها منذ لحظة، أو منذ زمن أطول مما يوحي به دفء الصباح.

بقي الكتاب مفتوحًا عند صفحة لا نعرف ما كُتب فيها.

هل توقفت القراءة عند وصول أحد؟

أم تُركت الصفحة علامة على عودة قريبة؟

وهل كان الكتاب يُقرأ فعلًا، أم وُضع مفتوحًا كي لا يبدو المكان خاليًا تمامًا؟

كان الفنجان الأقرب إلى المقعد مفهومًا؛ فمن الطبيعي أن تكون القهوة لمن جلس يقرأ قرب النافذة.

لكن الفنجان الآخر هو الذي أربك المشهد.

وُضع بعناية، ولم يُترك في طرف الطاولة كفنجان زائد. بدا جزءًا من ترتيب مقصود، كأن الموعد كان معلومًا، أو كأن عادة قديمة لم تتغير رغم تغير أصحابها.

لو اقترب أحد من الطاولة، ربما أمكن معرفة أي الفنجانين لامسته يد، وأيهما بقي ينتظر.

وربما كانت القهوة لا تزال دافئة.

لكن الصورة لا تسمح بالاقتراب، والحكايات التي تحترم أسرارها لا تمنح قارئها كل الأدلة.

الطريق إلى أين؟

خارج النافذة، امتد طريق صغير بين العشب والأشجار حتى اختفى عند البيوت البعيدة.

بدا الطريق واضحًا، لكنه لم يوضح اتجاهه.

هل حمل خطوات نحو الغرفة؟

أم أخذها بعيدًا عنها؟

فالطريق نفسه يمكن أن يكون طريق وصول حين ننظر من الخارج، وطريق مغادرة حين ننظر من الداخل.

ربما ظل النظر معلقًا عند المنعطف، انتظارًا لهيئة تظهر من بعيد.

وربما كانت الخطوات قد عبرته قبل قليل، وبقيت النافذة مفتوحة لأن أحدًا لم يجد في القلب رغبة لإغلاقها بعد الرحيل.

لا أثر لعجلة، ولا اضطراب في المكان.

حتى القهوة أُعدّت بهدوء.

وهذا ما جعل الغياب، إن كان غيابًا، أكثر غموضًا؛ فبعض المغادرين يتركون وراءهم أبوابًا مرتجفة وأشياء في غير مواضعها، بينما يغادر آخرون برفق شديد، حتى يبدو المكان بعدهم مرتبًا أكثر مما ينبغي.

من كان هنا؟

لم تقل الغرفة إن الموعد كان بين شخصين التقيا، أو بين شخص ينتظر وآخر تأخر.

لم تكشف ما إذا كان الفنجانان لصديقين اعتادا هذا الصباح، أو لأب وابنته، أو لأم تنتظر عودة بعيدة، أو لقلب ظل يهيئ المكان لاسم لم يعد يُنطق كثيرًا.

وقد لا تكون الحكاية عن فراق أصلًا.

ربما وصلت الخطوات من الطريق، وجلس اثنان في مكان لا يتسع ظاهريًا إلا لواحد، ثم غادرا معًا وتركا الكتاب والفنجانين والنافذة المفتوحة.

وربما لم يصل أحد.

أُعدّت القهوة بدافع يقين جميل، ثم مضى الوقت، وبقي الفنجان الثاني كاملًا؛ لا يملك عتابًا، ولا يعرف أن الانتظار طال.

وربما لم يكن الفنجان لشخص آخر، بل لذكرى اعتادت أن تجلس في المكان نفسه؛ فبعض الغائبين لا يحتاجون إلى مقعد كي يحضروا، وبعض العادات تواصل عملها بعدما تفقد السبب الذي بدأت من أجله.

وقد يكون الفنجان لمن لم يدخل الحياة بعد.

لوجه لم يُعرف، وحديث لم يقع، وصداقة لم تبدأ، وطمأنينة ما زالت تسير ببطء في مكان ما من الطريق.

نحن نعد أحيانًا مساحة في أرواحنا لأشياء لا نعرف أسماءها، ونترك لها مكانًا من دون أن ندرك أن ما نفعله نوع من الرجاء.

مقعد واحد

لكن لماذا كان في الغرفة مقعد واحد؟

لعل المقعد الآخر نُقل إلى مكان قريب لا تراه الصورة.

ولعل اللقاء لم يكن يحتاج إلى جلوس طويل.

أو ربما لم يُعدّ الفنجان الثاني لشخص سيجلس، بل لشخص كان يكفي حضوره كي يملأ الغرفة، واقفًا أو عابرًا أو مستندًا إلى حافة النافذة.

وقد يكون المقعد الواحد هو الدليل الأكثر صدقًا:

لم يكن المكان ينتظر جسدين، بل حضورين.

فثمة من يجلس أمامنا ولا يصل إلينا، وثمة من يغيب وتظل له مساحة أكبر من المقاعد.

المقاعد تحصي الأجساد، أما الفناجين فقد تحصي المودة، والانتظار، والعادات، وما لم نستطع وضعه في كلمات.

لهذا لم يكن نقص المقعد خطأ في ترتيب الغرفة.

ربما كان المقصود أن تظل المساحة ناقصة قليلًا؛ كي يتسع المشهد لكل من ينظر إليه.

حين دخل القارئ

لم يبقَ القارئ خارج الغرفة طويلًا.

دخلها من السؤال.

كانت «قصة مرآة»؛ يدخلها القارئ باحثًا عن سر الفنجان الثاني، فيرى شخصًا من حياته، وربما يرى نفسه.

نظر إلى الفنجانين، ثم بدأ يبحث في ذاكرته، لا في الصورة.

تذكّر موعدًا تأخر.

أو صباحًا كان أجمل لأن أحدًا شاركه القهوة.

أو شخصًا غادر وبقيت التفاصيل تؤدي أدوارها القديمة بعده.

أو كلمة قيلت قرب نافذة، ثم ظلت معلقة في المكان بعدما انتهى الحديث.

وربما لم يتذكر أحدًا بعينه، لكنه شعر أن الفنجان الثاني يعرف شيئًا عنه.

هنا تغيرت الحكاية.

لم تعد عن غرفة بعيدة أو مقعد خشبي أو طريق بين الأشجار.

أصبح لكل قارئ فنجانه الثاني.

هناك من رآه ممتلئًا بالانتظار.

ومن رآه شاهدًا على لقاء انتهى قبل التقاط الصورة.

ومن وجده وعدًا بأن الأشياء الجميلة لم تصل كلها بعد.

ومن لم يسأل لمن أُعدّ، بل سأل: لماذا لم يُرفع من مكانه؟

وهكذا، بينما كان القارئ يحاول اكتشاف سر الفنجان، كشف شيئًا من حياته من دون أن ينتبه.

فالصورة لم تحدد الشخصين، ولم تسمِّ العلاقة، ولم تقل إن الحكاية عن حب أو صداقة أو أسرة، وعن حضور أو غياب.

نحن الذين فعلنا ذلك.

أكمل كل منا الجزء الناقص بما يحمله في داخله؛ لأن العين ترى فنجانين، لكن الذاكرة هي التي تختار من يجلس أمامهما.

النافذة التي لم تُغلق

ظلت النافذة مفتوحة.

ربما لتدخل النسمة، وربما ليدخل الضوء، وربما لأن الطريق ما زال مرئيًا منها.

لكن النافذة المفتوحة لا تعني دائمًا انتظار شخص.

قد تعني أن الحياة، مهما غادر منها أحد، لا ينبغي أن تُغلق بعدها.

وأن الهواء الجديد لا يخون الذكريات، وأن الفرح المقبل لا يمحو الجميل الذي مضى.

فالذين رحلوا لا يأخذون معهم حقنا في مواصلة الطريق، والذين لم يصلوا بعد يحتاجون إلى نافذة يجدونها مفتوحة.

وبالقرب منها، بقي الكتاب عند الصفحة نفسها.

لعل الحكاية توقفت هناك.

ولعلها لم تتوقف، بل كانت تنتظر قارئًا آخر ليكملها.

زبدة الحكاية

في الأمس، كان المقال عن قيمة الأيام الهادئة؛ عن الأيام التي لا تحتاج إلى حدث استثنائي كي تكون جديرة بالامتنان، وعن النوافذ التي نتركها مفتوحة للدهشة والرجاء والجمال الصغير.

أما اليوم، فقد كشفت الصورة أن الهدوء نفسه قد يخفي حكاية كاملة.

فالمقعد الواحد لم يكن وحدة بالضرورة، والفنجانان لم يكونا دليل لقاء مكتمل، والطريق لم يقل إن كان يبدأ عند النافذة أو ينتهي إليها.

كل ما فعلته الصورة أنها وضعت أمامنا تفاصيل قليلة، ثم تركت لكل ذاكرة أن تختار روايتها.

وبقي الفنجان الثاني في مكانه؛ لا يؤكد حضورًا، ولا يعلن غيابًا.

فهل كان لمن غادر، أم لمن لم يصل بعد؟

لقراءة المقال الذي بدأت منه الحكاية  : قيمة الأيام الهادئة