قيمة الأيام الهادئة
بين إنجاز وآخر، تأتي أيام هادئة نحفظ فيها ما أنجزناه، ونستعيد ما فقدناه، ونتهيأ لأشياء جميلة لم تصل بعد
كتب: عبدالله العميره
بعد ضجيج الأخبار، وأعباء العمل، والسباق الذي يجعل الإنسان مطالبًا كل صباح بأن ينجز أكثر، ويثبت نفسه أكثر، ويبدو أقوى مما يشعر؛ نحتاج إلى مساحة هادئة تذكّرنا بأن قيمة أيامنا لا تُقاس بما أنجزناه وحده، وأننا لسنا مطالبين بأن نقدّم كل صباح دليلًا جديدًا على جدارتنا.
فليس كل مساء موعدًا لمحاسبة النفس على ما أنجزته وما أخفقت فيه.
هناك أيام لا تحتاج منا إلى إنجاز استثنائي جديد، بل إلى أن نحفظ ما حققناه، ونعبر يومنا بسلام، ونؤدي ما نستطيع، ونمنح ما تعذّر علينا وقتًا تكون فيه أرواحنا وعقولنا أقدر عليه.
وحتى العمل الإبداعي لا يكتمل دائمًا بكثرة التفكير أو بطول الجلوس أمامه؛ بل قد يبلغ نضجه حين نبتعد عنه قليلًا، ونتوقف عن مطاردة الفكرة، ونمنحه مساحة ليتنفس في داخلنا.
نؤجله ساعات أو يومًا، ثم نعود إليه بعين متجددة وعقل أكثر صفاءً؛ فنرى ما غاب عنا، وتظهر الحلول التي استعصت علينا، وتتصل الأفكار التي بدت متباعدة، ويتجلّى الإبداع كأنه وُلد في غيابنا.
فالراحة ليست انقطاعًا عن العمل، بل جزء من اكتماله، والتوقف المؤقت ليس تراجعًا، بل فسحة يستعيد فيها العقل قدرته على الرؤية.
وليس ضروريًا أن يحمل اليوم حدثًا استثنائيًا حتى يكون جديرًا بالامتنان.
قد يكفي أننا استيقظنا، وأنجزنا ما لا يحتمل التأجيل، ولو كان أمرًا صغيرًا، وشعرنا بشيء من الطمأنينة، وضحكنا لحظة، ثم عدنا إلى بيوتنا وفي القلب مساحة لم يستهلكها التعب.
يوم عادي يكفي
تعلّمنا الحياة الحديثة أن نقيس أيامنا بما أنجزناه فيها.
كم عملًا انتهى؟
كم هدفًا تحقق؟
كم خطوة تقدمنا؟
لكنها قلّما تسألنا: كم مرة تجاوزنا لحظة وهن؟ وكم فكرة مؤلمة عبرناها بسلام؟ وكم موقفًا كان قادرًا على إفساد يومنا كله، فاخترنا ألّا نمنحه تلك السلطة؟
هناك أشياء مهمة لا تظهر في السيرة الذاتية، ولا تُلتقط لها الصور، وربما لا يعرف بها أحد.
أن يحافظ الإنسان على هدوئه في يوم مزدحم أمر يستحق التقدير.
وأن يمتنع عن قول كلمة مؤذية، مع قدرته على قولها، قوة.
وأن يضع حدًّا هادئًا لعلاقة لا تحفظ له قدره، ولا تحترم ما منحها من اهتمام، حكمة لا قسوة.
وأن يترفع عن مجادلة الجاهل صونٌ لعقله ووقته؛ فمن يدخل مع الجاهل إلى ميدان الجهل، يمنحه أفضلية لا يستحقها.
وأن ينجز القليل، وهو يحمل في داخله الكثير، جهدٌ لا يراه الآخرون.
وأن يعود إلى بيته من دون أن ينقل قسوة العالم إلى من يحبهم، قيمة لا تدخل في حسابات الإنجاز، لكنها تجعل الحياة أكثر رحمة.
في بعض الأيام، يكفي ألّا نفقد أجمل ما فينا، وألّا نسمح لما أتعبنا بأن يستولي على يومنا كله.
أماكن تحفظنا
حين يتعب الإنسان، يعود غالبًا إلى مكان يعرفه.
قد يكون مقعدًا في زاوية البيت، أو نافذة اعتاد أن يطل منها، أو طريقًا سار فيه سنوات، أو مقهى صغيرًا لم يكن مميزًا في نظر الآخرين، لكنه احتفظ بأوقات كثيرة من حياته.
نظن أننا نحن الذين نحفظ الأماكن في ذاكرتنا، لكن بعض الأماكن تحفظنا أيضًا.
تحفظ أصواتنا القديمة، وأحلامنا الأولى، والنسخة التي كنا عليها قبل أن تغيّرنا الأيام.
وقد نعود إلى مكان بعد سنوات، فنشعر أن الوقت لم يغادره تمامًا.
الجدار هو نفسه، والنافذة في موضعها، والضوء يدخل بالطريقة ذاتها؛ لكن الشخص الذي عاد ليس هو الشخص الذي رحل.
حينها ندرك أن المكان لم يكن مجرد خلفية لحياتنا، بل شاهدًا صامتًا عليها.
بعض الأماكن لا نسكنها فقط؛ هي التي تسكننا.
وحين نبتعد عنها، يبقى فيها شيء منا، ويرافقنا منها شيء لا نراه.
ما تعيده الأيام
نخاف مرور الوقت لأننا نراه يأخذ منا أشياء كثيرة.
يأخذ وجوهًا اعتدناها، ومراحل أحببناها، وفرصًا ظننا أنها ستبقى، وقدرة قديمة على الاندهاش.
لكن الزمن ليس يدًا تأخذ فقط؛ فأحيانًا يعيد إلينا ما فقدناه، وإن أعاده في صورة أخرى.
قد يعيد إلينا ثقة انهارت، فتعود هذه المرة أكثر وعيًا وأقل اندفاعًا.
وقد يعيد رغبة في الحياة ظننا أنها انطفأت، فتظهر فجأة في صباح هادئ، أو فكرة جديدة، أو مشروع صغير.
وقد يعيد إنسانًا إلى نفسه بعد سنوات قضاها منشغلًا بإرضاء الآخرين.
بعض الأشياء تتأخر؛ لأنها لو جاءت في وقتها الأول لما عرفنا قيمتها، أو لما امتلكنا الحكمة اللازمة للمحافظة عليها.
فالزمن لا يصلح كل شيء، لكنه يغيّر موقع الأشياء داخلنا.
ما كان جرحًا مفتوحًا يصبح ذكرى.
وما كان سؤالًا ملحًّا يفقد سلطته.
وما ظنناه نهاية، نراه بعد مسافة طويلة منعطفًا نقلنا إلى مكان لم نكن سنصل إليه بالطريق الأول.
أشياء لم تصل بعد
نلتفت كثيرًا إلى ما فاتنا، وننسى أن في الحياة أشياء لم تصل إلينا حتى الآن.
كتاب لم نفتحه.
طريق لم نسلكه.
مدينة لم نرها.
فكرة لم نكتبها.
مهارة لم نكتشف قدرتنا عليها.
وإنسان لم نلتقِ به، قد يقول في لحظة عادية كلمة تغيّر شيئًا عميقًا فينا.
وبعض الجميل لا يزال يستعد للوصول.
والغد ليس مجرد مخزن للقلق؛ إنه أيضًا مكان تحتفظ فيه الحياة بما لم تمنحنا إياه بعد.
لا نعرف كم فرحة صغيرة تختبئ في الأيام المقبلة، ولا كم بابًا سيفتح من جهة لم نكن ننظر إليها، ولا كم مرة سنقول لاحقًا: لحسن الحظ أن ما أردته آنذاك لم يحدث بالطريقة التي أردتها.
لا يعني الرجاء أن نتوقع حياة خالية من التعب، بل أن نؤمن بأن التعب ليس القصة كلها.
الذين أصلحوا يومًا
في الطريق، يمر بنا أشخاص لا يعرفون أنهم تركوا أثرًا.
شخص أفسح لنا الطريق.
موظف تحدث بلطف في وقت كنا فيه مثقلين.
صديق أنصت من دون أن يقاطع.
غريب ابتسم في مصعد صامت.
إنسان سأل: كيف حالك؟ ثم انتظر الإجابة فعلًا.
قد تكون هذه التفاصيل صغيرة في حساب أصحابها، لكنها تصل إلى إنسان آخر في اللحظة التي يحتاجها تمامًا.
وربما أصلحت كلمةٌ يومًا كاملًا، من دون أن يتعب قائلها في نطقها.
فالخير في الحياة لا يأتي دائمًا في أفعال عظيمة؛ غالبًا يأتي هادئًا، عابرًا، ولا يعلن عن نفسه.
ولعل أجمل ما يستطيع الإنسان فعله أن يترك وراءه أيامًا أصلحها من دون أن يعرف.
أن يكون خفيفًا على القلوب.
أن يخفف وحشة مكان.
أن يمنح من حوله شعورًا بأن العالم، على قسوته، لم يخلُ تمامًا من الطيبين.
حين تهدأ الأسئلة
نتعب أحيانًا لأننا نريد تفسير كل شيء.
لماذا حدث هذا؟
لماذا تغيّر ذلك الشخص؟
لماذا تأخرت الفرصة؟
وماذا لو اخترنا الطريق الآخر؟
نضع الحياة في غرفة تحقيق، ونطالبها بإجابات كاملة، مع أنها لم تَعِدْ أحدًا بأن تكشف أسرارها كلها.
لكن النضج لا يعني أن نحصل على كل الإجابات؛ فقد يعني أن نتعلم العيش بسلام مع بعض ما لم نفهمه.
ليست كل الأبواب المغلقة تحتاج إلى أن نقف أمامها طويلًا، ولا كل المواقف الغامضة تحمل رسالة خفية، ولا كل ما غادرنا كان يجب أن يبقى.
ولا ينبغي لمن اختار المغادرة أن يتحول غيابه إلى باب نغلقه نحن في وجه الحياة؛ فله طريقه، ولنا طريق يستحق أن نواصله بالإبداع والفرح.
بعض الأسئلة لا تختفي لأننا وجدنا جوابها، بل لأنها لم تعد تملك القوة نفسها علينا.
نتركها في مكانها، ونواصل السير.
وحين يكبر السلام في داخلنا، تصغر الأسئلة التي كانت تملأه.
النافذة في داخلنا
نغلق نوافذ البيوت حين يشتد الغبار، ونفتحها حين يصفو الهواء.
ولكل إنسان نافذة في داخله؛ يفتحها للدهشة والرجاء ورؤية الجمال الصغير. قد تغلقها الأيام حينًا، لكن المهم ألّا نتركها مغلقة..
يكفي أن يظل في العالم ما يلفت أنظارنا: ضوء يتسلل إلى الغرفة، ورائحة قهوة، وشجرة تنبت في مكان غير متوقع، أو لحظة صمت نشعر فيها أننا، رغم كل شيء، ما زلنا بخير.
فالإنسان لا يشيخ بتقدم عمره وحده، بل حين تمر الأشياء الجميلة أمامه فلا يراها.
والحفاظ على هذه النافذة ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة أكثر رحمة للعيش فيه؛ فنحن لا ننكر العاصفة حين نرى زهرة، بل نرفض أن تكون العاصفة هي المشهد الوحيد.
زبدة المساء
قد لا يحمل هذا اليوم حدثًا استثنائيًا، وربما لم ننجز فيه كل ما أردنا، أو نجد جوابًا لكل ما أقلقنا؛ لكنه ليس يومًا ضائعًا لمجرد أنه لم يغيّر حياتنا.
فبعض الأيام لا تأتي لتضيف إنجازًا جديدًا، بل لتمنح عقولنا فرصة لاستعادة صفائها، وتحول دون أن يستهلك التعب أرواحنا.، وتعيدنا إلى أنفسنا أخفّ مما كنا.
لهذا لا ينبغي أن نحاكم أعمارنا من يوم متعب، ولا مستقبلنا من باب تأخر في الفتح، ولا قيمتنا من عمل لم يكتمل.
يكفي أن نحافظ على إنسانيتنا، ونترك أثرًا لطيفًا، ونسامح أنفسنا على ما لم نستطع إنجازه، ونبقي نافذتنا الداخلية مفتوحة.
فقيمة الأيام ليست فيما أنجزناه خلالها وحده؛ بل فيما حفظناه في أرواحنا، وما أضفناه إلى أرواح الآخرين، وفي قدرتنا على مواصلة الطريق بقلب لا يغلق أبوابه بسبب يوم صعب، ويعرف أن كثيرًا من الجميل لا يزال في الطريق.
لقراءة المزيد من المقالات: [هنا]