في الحياة أصوات جميلة

news image

كتب: عبدالله العميره

استيقظ مذعورًا من حلمٍ تتلاحق فيه أشكال غريبة ومرعبة.

كان يحلم بأنه يركض، ولا يعرف ممّن يهرب، ولا إلى أين يقوده الطريق. وكلما حاول أن يستدير، تعالى خلفه صوت غامض، وضاقت المسافة بينه وبين الخوف.

ثم جاءه صوت رقيق من مكان لا يراه:

اهدأ… ليست الحياة كلها أشباحًا.

فتح عينيه.

لم يجد في الغرفة أشباحًا، ولا مطاردين. كان كل شيء ساكنًا، إلا قلبه الذي واصل الركض لثوانٍ بعد أن انتهى الحلم.

أصغى إلى الصمت، فاكتشف أن تلك العبارة ما تزال تتردد داخله:

في الحياة أيضًا أصوات جميلة.

حين تتعب الروح

ليس كل تعب يحتاج إلى نوم.

فقد ينام الإنسان ساعات طويلة، ثم يستيقظ مثقلًا كأنه لم يغمض عينيه. يتحرك جسده بصورة طبيعية، يجيب عن الرسائل، يؤدي عمله، يبتسم حين تستدعي المناسبة، ولا يلاحظ أحد أن شيئًا في داخله يجرّ خطواته بصعوبة.

إنه ذلك الإرهاق الذي لا يظهر في الفحوص، ولا تقيسه الأجهزة، ولا يعرف صاحبه كيف يشرحه.

تعبٌ صنعته أيام متشابهة، وخيبات صغيرة تراكمت من دون ضجيج، وأسئلة ظلت معلقة، وأشخاص كان ينبغي أن يفهموا ولم يفهموا.

وأصعب ما في تعب الروح أن صاحبه قد يعجز عن طلب المساعدة؛ لأنه لا يعرف تحديدًا ما الذي يحتاج إليه.

لا يريد نصيحة طويلة.

ولا خطابًا عن الصبر.

ولا أحدًا يشرح له أن غيره يعاني أكثر.

إنه يحتاج أحيانًا إلى حضور لا يستجوبه، وصمت لا يحرجه، ويدٍ معنوية تقول له: لست مضطرًا إلى أن تبدو قويًا الآن.

فبعض الأرواح لا ينقصها الحل، بل ينقصها الشعور بأنها ليست وحدها أمام ما لا تستطيع حله.

الأشياء التي لم نقلها

ربما لا تتعبنا الأحداث وحدها، بل الكلمات التي احتفظنا بها بعد انتهائها.

كلمات حب خجلنا من قولها.

وامتنان افترضنا أن صاحبه يعرفه.

واعتذار أجّلناه حتى أصبح أثقل من الخطأ.

وعتاب خبأناه خشية أن نخسر شخصًا، فخسرنا قربه بصمت.

ووداع لم نكن نعلم أنه الأخير.

نمضي في حياتنا، لكن هذه الكلمات لا تمضي. تبقى في الداخل كرسائل كُتبت بعناية ولم تجد عنوانًا، وتعود في أوقات السكون لتسألنا: لماذا لم تقلني حين كان الإصغاء ممكنًا؟

نحن لا نصمت دائمًا لأننا لا نملك الكلام.

قد نصمت لأننا نخشى سوء الفهم، أو لأن كرامتنا سبقت مشاعرنا إلى الموقف، أو لأننا ظننا أن الوقت طويل، وأن الغد سيمنحنا فرصة أهدأ.

لكن الغد ليس أمينًا على المواعيد دائمًا.

قد تتغير القلوب، وتبتعد الطرق، ويغيب الشخص الذي كنا نؤجل له الكلام، ثم لا يبقى لنا سوى حوار متأخر نجريه وحدنا.

وليس الندم في أن الكلمات لم تصل فقط، بل في أننا ظللنا نحملها بعد أن فقدت طريقها.

بعض ما لم نقله يتحول مع الزمن من كلام مؤجل إلى حنين، ثم من حنين إلى وجع لا يعرف صاحبه أين يضعه.

لهذا، لا تؤجل كلمة جميلة تستطيع قولها اليوم.

لا تفترض أن المحبة مفهومة، ولا أن الامتنان يصل بلا صوت، ولا أن الذين نحبهم يعرفون مكانتهم مهما طال صمتنا.

فالمشاعر، مهما كانت صادقة، تحتاج أحيانًا إلى كلمة تفتح لها نافذة.

الجميل الذي أنقذنا

نحن ننتظر النجاة غالبًا في هيئة حدث كبير.

باب يُفتح.

مشكلة تنتهي.

خبر يغيّر الحياة.

أو يد تمتد إلينا في اللحظة الأخيرة، فتنتشلنا من حزن عابر.

ربما أنقذنا صوت شخص اتصل بنا، أو رسالة وصلت من دون موعد.

أو ابتسامة مرّت بنا في لحظة صعبة.

أو طفل ضحك في مكان مزدحم، فأعاد إلى العالم براءته للحظة.

لحظات صغيرة لم تغيّر العالم بالسرعة التي نتمناها دائمًا، لكنها منعت عالمًا داخل إنسان من الانهيار.

وقد لا يعرف أصحابها ما فعلوه.

فالشخص الذي قال كلمة طيبة ثم مضى، ربما لم يعلم أنها بقيت بعده طويلًا. والذي أنصت إلى حكاية مرتبكة، قد لا يدرك أنه منح صاحبها مكانًا آمنًا يضع فيه بعض ألمه.

والذي قال: «أنا هنا»، ربما لم يقدّم حلًا، لكنه أوقف شعورًا قاسيًا بالوحدة.

ليست كل النجاة حدثًا عظيمًا؛ فقد ينجو الإنسان أحيانًا بكلمة قيلت في وقتها، أو بصوت أحبه، أو بحضور لم يطالبه بأن يشرح تعبه.

أصوات يغطيها الضجيج

الحياة لا تبخل علينا بأصواتها الجميلة، لكن الضجيج أكثر قدرة على لفت الانتباه.

صوت الخوف أعلى.

وصوت الخسارة أكثر إلحاحًا.

والإساءة تبقى في الذاكرة أطول من عشر كلمات طيبة.

والخبر السيئ يصل مسرعًا، بينما يمشي الجميل بهدوء، ولا يطلب منا أن نلتفت إليه.

ومع ذلك، فليس السيئ أقوى بطبيعته؛ إنه يبدو طاردًا للفرح لأنه يقتحم اللحظة ويستولي على الانتباه، لكن أثره لا يبقى طويلًا إلا إذا منحناه من وقتنا وتفكيرنا ما يمدّ في عمره.

أما الجميل، فقد يصل في لحظة، ويبقى أثره طويلًا؛ ما لم نسمح للسيئ بأن يحجبه أو يوقف امتداده في داخلنا.

ومع هذا، قد نعيش يومًا كاملًا داخل حدث أزعجنا، وننسى عشرات التفاصيل التي كانت تحاول إنقاذ اليوم نفسه.

ننسى من سأل عنا.

ومن أفسح لنا الطريق.

ومن ابتسم في وجوهنا.

ومن ذكرنا بالخير في غيابنا.

ومن دعا لنا من غير أن نعلم.

ليس لأن هذه الأشياء قليلة، بل لأنها لا تصرخ.

الجمال مؤدب غالبًا؛ يقف عند أطراف الحياة وينتظر أن نلاحظه.

أما القبح، فيقتحم الباب.

 من هنا لا تصبح الطمأنينة مجرد شعور يأتي من الخارج، بل قدرة نحتاج إلى تدريبها: أن نصغي لما لا يعلو صوته، وأن نمنح اللحظات الصغيرة حقها، وألا نترك حادثة واحدة مظلمة تصادر ضوء يوم كامل.

الصوت الذي نمنحه للآخرين

وقد يكون السؤال الأهم ليس: أين نجد الأصوات الجميلة؟

بل: هل أصبحنا نحن أحدها؟

هل يسمع منا المتعب ما يخفف عنه، أم نضيف إلى تعبه محاضرة؟

هل نعرف كيف نقول كلمة محبة قبل أن تتحول إلى رثاء؟

هل نعتذر قبل أن يصبح الاعتذار بلا باب؟

هل نترك في حياة الآخرين شعورًا بالأمان، أم نجعلهم أكثر حذرًا بعد لقائنا؟

لا يحتاج العالم دائمًا إلى مزيد من المتحدثين؛ بل إلى أصوات تعرف متى تلين، ومتى تصمت، ومتى تقول للمنهك: يمكنك أن تستريح هنا قليلًا.

فكما أن كلمة قد تجرح إنسانًا لسنوات، يمكن لكلمة أخرى أن تعيد إليه ثقته بنفسه وبالحياة.

وقد لا نستطيع إيقاف الحروب، أو إسكات كل أصوات النشاز، أو حماية من نحبهم من جميع المكائد.

لكننا نستطيع أن نختار كلماتنا.

أن نقول ما يستحق أن يُقال قبل فواته.

أن نصغي إلى ما عجز الآخر عن شرحه.

وأن نترك في قلب من يعبر حياتنا نافذة، لا ندبة.

ما يستحق الإصغاء

حين يطول الليل وتثقل الروح، يبدو الضجيج كأنه الحقيقة الوحيدة.

لكن في مكان قريب، هناك أم تدعو لأبنائها، ومحب يطمئن إلى صوت من يحب، وصديق يتذكر صديقه، وطفل يضحك، وشخص يكتب رسالة امتنان ظل يؤجلها طويلًا.

وقد يعبر الرقم 19 خاطرين في اللحظة نفسها؛ كأن بعض المواعيد لا تحتاج إلى اتفاق.

هناك أصوات لا تصل إلى نشرات الأخبار، ولا تسجلها كاميرات العالم، لكنها تمنع الحياة من أن تصبح قاسية تمامًا.

فإذا أتعبك ما سمعت اليوم، لا تحكم على الحياة من أعلى أصواتها.

اقترب قليلًا من قلبك.

أنصت إلى الذين يحبونك، وإلى الكلمات التي جاءت في وقتها، وإلى الجمال الصغير الذي مر بك ولم تطلب منه البقاء.

وتذكر أن الحلم، مهما امتلأ بالطلقات، قد ينتهي بصوت رقيق يقول لك:

اهدأ..

فليست الحياة كلها حربًا.

في الحياة أصوات جميلة، وقد يكون نجاتنا الوحيدة أن نتعلم كيف نصغي إليها، وأن نصبح واحدًا منها.

امتدادًا لـ«أشياء تحدث فينا»