أشياء تحدث فينا
ست نوافذ صغيرة يمكن أن تُفتح يوميًا على الذاكرة والمشاعر والوقت؛ لتكشف كيف تستطيع لحظة عابرة أن تغيّر ما في داخلنا
كتب: عبدالله العميره
قد تبدأ الحكاية برائحة.
عطر يعبر المكان، أو قهوة تُعدّ في ركن قريب، أو رائحة مطر تلامس أرضًا جافة، أو وردة تحمل ذكرى لقاء في يوم امتلأ بالفرح والمتعة؛ وفجأة، لا يعود الإنسان واقفًا في لحظته الحاضرة.
يعود إلى المكان ذاته، فيستحضر وجهًا غاب، أو نهارًا امتلأ بالضحكات والمزاح.
كأن بعض الأيام لا تختفي، بل تترك مفاتيحها في الهواء.
وقد تكون الذكرى التي حضرت مكتملة وواضحة، بينما تبقى ذكريات أخرى معلقة في الداخل؛ ليس لأنها الأجمل أو الأهم، بل لأنها لم تنتهِ.
يميل الدماغ إلى الاحتفاظ بالأمور غير المكتملة أكثر من تلك التي وصلت إلى نهايتها. مهمة مؤجلة، حديث انقطع، سؤال لم يجد جوابًا، أو كلمة توقفت عند حافة الصمت.
لهذا قد يبقى ما لم يحدث حاضرًا أكثر مما حدث، وتعيش بعض الحكايات طويلًا لأنها لم تحصل على جملتها الأخيرة.
ولا يحتفظ العقل بالأحداث وحدها؛ بل يغيّر أيضًا إحساسنا بالوقت الذي جرت فيه.
دقيقة القلق أطول من غيرها، وساعة الفرح تمر كأنها دقائق. وقد ينتهي يوم كامل من دون أن يترك أثرًا، بينما تبقى لحظة قصيرة في الذاكرة سنوات.
الساعة تقيس الزمن خارجنا، لكنها لا تعرف شيئًا عن سرعته في داخلنا.
ووسط هذا الزمن المتغير، قد يدخل شخص هادئ إلى المكان، فيتغير شيء لا نراه.
لا يقدم حلًا، ولا يقول عبارة استثنائية، لكن نبرة صوته، وملامح وجهه، وطريقة إصغائه تخفف توتر من حوله. فالدماغ يراقب الآخرين باستمرار، وقد تنتقل المشاعر بين البشر قبل أن تنتقل الكلمات.
بعض الأشخاص لا يغيّرون ما حدث؛ لكن وجودهم يغيّر الطريقة التي نشعر بها تجاهه.
والأغرب أن الذاكرة نفسها ليست سجلًا ثابتًا.
كلما استعدنا موقفًا قديمًا، أعاد العقل بناءه، وقد تدخل إليه مشاعرنا الحالية وما عرفناه بعد وقوعه. ولهذا قد نتذكر الحكاية نفسها بعد سنوات بصورة مختلفة؛ لا لأن الماضي تغير، بل لأننا لم نعد الأشخاص الذين عاشوه أول مرة.
ربما لا نستطيع العودة إلى ما حدث، لكننا نستطيع أن نراه من نافذة لم تكن موجودة حينها.
في كل لحظة، تحاول بعض الذكريات أن تأخذنا بعيدًا. وقد يكون جميلًا أن نعود إليها، لا لنبقى فيها، بل لنفهم ما منحته لنا، ثم نعيش ما بعد هذه اللحظة، لا ما قبلها وحده.
فما مضى ذكريات وتجارب؛ وحين نحسن تسخيرها، تتحول من زمن نستعيده إلى طاقة متجددة تدفعنا نحو مزيد من الحياة والإبداع.
ثم تأتي الدهشة لتفتح النافذة الأوسع.
سماء ممتدة، أو بحر بلا نهاية، أو عمل فني يوقف الكلام للحظة. تشير بعض الدراسات إلى أن الشعور بالدهشة يخفف انشغال الإنسان بذاته، وقد يمنحه إحساسًا باتساع الوقت والاتصال بشيء أكبر منه.
ربما لهذا نرفع أعيننا إلى السماء حين تضيق بنا الأرض.
لا نبحث دائمًا عن إجابة، بل عن مساحة تعيد الأشياء إلى أحجامها الحقيقية.
هكذا تتحرك حياتنا الداخلية بوسائل لا ننتبه إليها: رائحة تعيد زمنًا، ونهاية ناقصة ترفض الغياب، وشعور يبطئ الساعة، وشخص ينقل هدوءه، وذاكرة تعيد كتابة معناها، وسماء واسعة تخفف ضيق المكان.
وكل ذلك قد يحدث في دقائق قليلة، بينما نظن أننا نجلس بهدوء ولا يحدث شيء.
وربما، في أثناء قراءة هذه الكلمات، عادت إلى الذاكرة رائحة عطر، أو شخص، أو لحظة لم تخطر في البال قبل قليل.
إنه شعور جميل، ما دام لا يجعلنا رهائن للحزن. نأخذ منه ما يضيء حاضرنا، ونحوّل ما أعاده إلينا إلى طاقة تدفعنا نحو مزيد من الحياة والإبداع.
فالذكرى لا تعود دائمًا لتأخذنا إلى الماضي؛ أحيانًا تعود لتمنح المستقبل شيئًا جديدًا، فتوقظ فينا آمالًا جديدة، وأحلامًا تستحق أن نسعى إلى تحقيقها.
في مقدمة المقال:
بدأت بـ:
ست نوافذ صغيرة يمكن أن تُفتح يوميًا على الذاكرة والمشاعر والوقت؛ لتكشف كيف تستطيع لحظة عابرة أن تغيّر ما في داخلنا
لماذا الرقم 6؟
قد يسأل أحد: لماذا اخترت ست نوافذ؟
سؤال منطقي.
لم أختر الرقم 6 عبثًا؛ إذ يروق لي ما يحمله في رمزية الأرقام من معاني الاكتمال والاتزان والانسجام والمسؤولية. وفي بعض التأويلات الشائعة للأحلام، يرتبط بانتهاء المتاعب واستقرار الأحوال، بينما يستدعي في دلالته الدينية معنى الخلق المحكم في ستة أيام.
كما أحب الرقم 19؛ لما ارتبط به، في رمزية الأرقام، من قوة الإرادة، والاعتماد على النفس، والقدرة على تجاوز الصعاب.
ولا يعني ذلك اعتقادًا بقدرة الأرقام على توجيه الحياة أو كشف الغيب؛ إنما هي رؤية شخصية تستعير من الأشياء معاني تبعث على التفاؤل، مهما اشتدت الصعاب.
وكما أحب بعض دلالات الأرقام، أعشق رائحة عطر بعينه، والزهور، والمطر الخفيف، والأجواء اللطيفة، وكل ما يلامس المشاعر من دون استئذان.
ولعل هذا كله مزيج من تجارب الحياة، واستعداد فطري أظن أن لكل إنسان نصيبًا منه.
فنحن لا نختلف كثيرًا في حاجتنا إلى الجمال والتفاؤل؛ بل في النافذة الصغيرة التي يدخلان منها إلينا.