عيون BETH في عواصم القرار

news image

من يملك زر التشغيل؟

واشنطن تغلق سوقها أمام الروبوتات الصينية، وبكين تهدد احتكار معدات الرقائق، والنفط يعيد كتابة قرارات الفائدة، بينما تنتقل السعودية من اعتراض المسيّرات إلى ضرب مصادر إطلاقها

العدد السادس | 29 يوليو 2026

العواصم | بث

لم تعد الدول الكبرى تكتفي بحماية حدودها ومصانعها.

إنها تحاول حماية الأنظمة التي تجعل الدولة الحديثة قادرة على العمل:

الرقائق التي تشغّل أجهزتها.

والروبوتات التي تدخل مصانعها ومنشآتها.

والطاقة التي تحرك اقتصادها.

والموانئ والمضائق التي تصلها بالعالم.

في واشنطن، أصبح الروبوت الأجنبي مسألة أمن قومي.

وفي بكين، لم تعد صناعة الرقائق مشروعًا اقتصاديًا فقط، بل محاولة لكسر قدرة الغرب على تعطيل التقنية الصينية.

أما أوروبا، فتكتشف أن امتلاك المصانع لا يكفي إذا بقيت الطاقة مرتفعة الكلفة.

وفي الشرق الأوسط، أثبتت الهجمات الأخيرة أن النفط لا يحتاج إلى بئر ومنشأة وناقلة فحسب، بل إلى دولة تستطيع الدفاع عن كل حلقة في الطريق.

وهكذا يصبح السؤال الذي يجمع عواصم اليوم:

من يملك زر تشغيل الاقتصاد، ومن يستطيع إبقاءه يعمل عندما يبدأ الصراع؟

واشنطن | الروبوت يصبح تهديدًا

قررت هيئة الاتصالات الفيدرالية الأميركية منع استيراد الروبوتات البشرية ورباعية الأرجل ومحولات الطاقة الأجنبية، في خطوة تستهدف بصورة رئيسة الشركات الصينية.

وبررت واشنطن القرار بمخاوف الأمن السيبراني، وجمع البيانات، وإمكان استخدام الأجهزة المتصلة بالشبكات داخل المنشآت الحساسة والبنية التحتية.

وتسيطر الصين، وفق تقديرات أوردتها التغطية الأميركية، على نحو 85% من سوق الروبوتات البشرية، بينما لا تزال الشركات الأميركية تحاول تقليص الفجوة في الإنتاج والكلفة وسرعة الانتشار. 

ولا تكمن خطورة الروبوت المستورد في هيكله المعدني فقط.

فهو جهاز مزود بالكاميرات والمستشعرات والخرائط والاتصال السحابي، وقد يعمل داخل مصنع أو مستودع أو محطة كهرباء أو منشأة عسكرية.

وبذلك تحولت المسألة من سؤال تجاري:

من يصنع الروبوت الأرخص؟

إلى سؤال أمني:

من يستطيع رؤية المكان الذي يعمل فيه، وجمع بياناته، وتحديث برمجياته، وربما تعطيله؟

لكن الحظر لا يصنع صناعة أميركية بديلة تلقائيًا.

فمنع المنتج الصيني قد يحمي السوق مؤقتًا، لكنه قد يرفع الأسعار ويبطئ استخدام الروبوتات ما لم تستطع الشركات الأميركية إنتاج بدائل تنافس في الكلفة والكفاءة.

الاحتياطي الفيدرالي | النفط يدخل الاجتماع

تنتظر الأسواق قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي وسط ارتفاع جديد في النفط، وتراجع محدود للدولار عن أعلى مستوى له منذ شهر.

وتقدر الأسواق احتمال رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بنحو 30%، بعدما أعاد التصعيد في الشرق الأوسط مخاوف انتقال كلفة الطاقة إلى النقل والإنتاج والأسعار.

وبلغ خام برنت نحو 87 دولارًا للبرميل بعد ارتفاع تجاوز 3%، متأثرًا بالضربات السعودية الأميركية داخل العراق، والهجمات الإيرانية، وعودة التوتر في مضيق هرمز.  

ويواجه البنك معادلة دقيقة:

رفع الفائدة قد يحد من التضخم ويدعم الدولار.

لكنه يزيد كلفة الاقتراض ويضغط على الاستثمار والأسواق والدول المرتبطة عملاتها بالعملة الأميركية.

أما تثبيتها، فيمنح الاقتصاد وقتًا إضافيًا، لكنه يحمل مخاطرة استمرار ارتفاع الطاقة وتحوله إلى موجة تضخم أوسع.

وهكذا يحضر مضيق هرمز داخل قاعة قرار في واشنطن، رغم أن أعضاء البنك لا يملكون سفينة واحدة تستطيع فتحه.

بكين | الصين تقترب من قلب الرقاقة

أربكت تقارير عن بدء شركة صينية مدعومة من الدولة إنتاج معدات محلية للطباعة الضوئية العميقة بالأشعة فوق البنفسجية أسهم شركات صناعة الرقائق العالمية.

وتراجعت أسهم شركة «ASML» الهولندية، التي تهيمن على سوق معدات الطباعة المستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات، وفقدت عشرات المليارات من قيمتها السوقية.

ولا تزال التقنية الصينية بحاجة إلى إثبات الكفاءة والدقة والموثوقية في الإنتاج الواسع، فيما تحتفظ «ASML» بتفوق تقني وصناعي كبير. لكن السوق لم ينتظر اكتمال المنافس الصيني؛ فقد بدأ بتسعير احتمال ظهوره.  

تكمن أهمية الخبر في أن الصين لا تحاول تصنيع الرقاقة فقط.

إنها تحاول امتلاك الآلة التي تصنع الرقاقة.

فالاعتماد على معدات غربية خاضعة لقيود التصدير يسمح للولايات المتحدة وحلفائها بإبطاء الصناعة الصينية حتى لو امتلكت بكين المال والمصانع والمهندسين.

أما إنتاج الآلة محليًا، فينقل الصين من مقاومة العقوبات إلى تقليص قدرة العقوبات على العمل.

قد لا تكون المعدات الصينية قد بلغت المستوى الهولندي بعد، لكن مجرد اقترابها يغير حسابات الشركات والمستثمرين والحكومات.

آسيا | الخوف يسبق المنافس

تعمقت خسائر أسهم التقنية في آسيا، رغم إعلان شركات كبرى نتائج مالية قوية.

وانخفضت أسهم شركات الذاكرة الكورية، وتراجعت الأسواق اليابانية، مع تصاعد المخاوف من ثلاثة عوامل متزامنة:

تقدم الصين في صناعة الرقائق ومعداتها.

ارتفاع كلفة تمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي.

والشك في قدرة مراكز البيانات على تحقيق عوائد تبرر الإنفاق الضخم عليها.  

وهذه لحظة مهمة في مسار طفرة الذكاء الاصطناعي.

فخلال المرحلة الأولى، كان الإعلان عن زيادة الإنفاق كافيًا لرفع قيمة الشركات.

أما الآن، فقد بدأ المستثمر يسأل:

متى تتحول المليارات المنفقة على الرقائق والخوادم والطاقة إلى دخل وأرباح؟

وهل يؤدي دخول الصين بقوة إلى زيادة المعروض وخفض الأسعار، بعدما بُنيت التقييمات على استمرار النقص وارتفاع الطلب؟

الصين لم تُسقط منافسيها تقنيًا، لكنها نجحت في إدخال احتمال المنافسة إلى حساباتهم.

وفي الأسواق، قد يبدأ أثر المستقبل قبل وصوله.

موسكو وكييف | الحرب تصل إلى المستودع

استهدفت مسيّرات أوكرانية منشآت صناعية ولوجستية في منطقة ريازان الروسية، وأدت الهجمات إلى إجلاء أحد مستودعات شركة «وايلدبريز»، أكبر شركة للتجارة الإلكترونية في روسيا.

وقالت الشركة إن سبعة من مستودعاتها تضررت في هجمات متتابعة، ما خفض قدرتها التخزينية بنحو 10% وأثر في أعمال المتاجر الصغيرة المعتمدة على منصتها.

وفي المقابل، أعلنت روسيا استهداف سفن قالت إنها تنقل إمدادات عسكرية قرب ميناء أوديسا، مع استمرار الهجمات المتبادلة على النقل البحري في البحر الأسود وبحر آزوف. 

ووصف وزير الدفاع الأوكراني بالإنابة استراتيجية بلاده بأنها «غير متكافئة»؛ لأن كييف لا تستطيع مجاراة روسيا في الموارد والعدد، ولذلك تستهدف النفط والمستودعات واللوجستيات لإبطاء قدرة الجيش والاقتصاد على الاستمرار. 

وهذا يعني أن الحرب لم تعد تُقاس بالأرض التي يسيطر عليها الجيش وحدها.

فالضربة التي تصيب مستودعًا تجاريًا قد تعطل آلاف البائعين.

والهجوم على ميناء قد يرفع كلفة الغذاء والتأمين في دول لا تشارك في الحرب.

لقد أصبحت اللوجستيات جبهة، والمخزن هدفًا، والمنصة التجارية جزءًا من القدرة الوطنية على الصمود.

نيودلهي | الميناء يحمي الاقتصاد

سجلت شركة «أداني للموانئ»، أكبر مشغل خاص للموانئ في الهند، ارتفاعًا تجاوز 9% في صافي أرباحها الفصلية، مع نمو الإيرادات التشغيلية بنسبة 19% وزيادة أحجام الشحن.

وجاء أكثر من 83% من الشحنات من السوق المحلية، ما منح الشركة قدرًا من الحماية أمام اضطراب المسارات الدولية وارتفاع كلفة النقل.  

لكن العملة الهندية ما تزال تحت ضغط عاملين يأتيان من الخارج:

أسعار النفط.

وقرار الفائدة الأميركية.

وتستورد الهند نحو 80% من احتياجاتها النفطية؛ ولذلك يرفع صعود الخام الطلب على الدولار ويضغط على الروبية ويزيد كلفة الواردات.

واستعادت العملة جزءًا محدودًا من قيمتها بدعم من مبيعات الدولار التي نفذتها بنوك حكومية وأجنبية، لكن استمرار الحرب قد يعيد الضغط سريعًا.  

وتكشف الهند أن الميناء القوي يستطيع دعم التجارة، لكنه لا يستطيع وحده حماية الاقتصاد إذا جاء الوقود عبر مضيق مضطرب وبعملة ترتفع كلفتها.

أوروبا | الطاقة أمن اقتصادي

نجحت أوروبا منذ أزمة الغاز الروسي في تنويع مصادرها، وتوسيع منشآت الغاز الطبيعي المسال، وخفض اعتمادها على مورد واحد.

لكن المشكلة انتقلت من توافر الطاقة إلى سعرها.

فحتى عندما تصل الشحنات، ما تزال كلفة الكهرباء والغاز أعلى من مستويات ما قبل الأزمة، ما يضغط على الصناعات الأوروبية ويهدد قدرتها على منافسة الولايات المتحدة والصين.

وتشير قراءة أوروبية حديثة إلى أن القدرة على تحمل كلفة الطاقة أصبحت الخطر الأكبر على الأمن الاقتصادي، وأن الدول التي تجمع بين الطاقة النووية والمتجددة وشبكات الكهرباء القوية أكثر قدرة على حماية مصانعها من الصدمات.  

كما يضيف الذكاء الاصطناعي عبئًا جديدًا.

فمراكز البيانات ومصانع الرقائق تحتاج إلى كهرباء مستقرة ورخيصة ونظيفة، وإذا لم تستطع أوروبا توفيرها، فقد تملك المهندسين والقوانين والأسواق، لكنها تخسر المصانع التي تشغّل الاقتصاد المقبل.

السعودية في الصحافة العالمية

الضربة تغيّر المعادلة

ركزت التغطية الدولية على انتقال المملكة من اعتراض المسيّرات إلى ضرب المواقع المرتبطة بإطلاقها داخل العراق، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية.

وقدمت الضربات بوصفها تطورًا مهمًا؛ لأنها تنقل المواجهة من الدفاع فوق الأراضي السعودية إلى استهداف مصدر العدوان قبل تكراره. 

والفرق جوهري:

اعتراض المسيّرة يحمي الهدف.

أما ضرب منصة إطلاقها، فيحاول تغيير حسابات الجهة التي ترسلها.

لكن نجاح هذا المسار يعتمد على الدقة، وربط الهدف مباشرة بالهجمات، وتجنب تحويل الرد على الميليشيات إلى مواجهة مع الدولة العراقية أو المجتمع العراقي.

وتشير الصياغة السعودية إلى أن العملية استهدفت مصادر عدوان محددة، لا الأراضي العراقية بوصفها ساحة حرب مفتوحة ( تغطية بث ).

النفط يعود إلى الارتفاع

ارتفع خام برنت إلى أكثر من 87 دولارًا بعد الضربات والهجمات الإيرانية، فيما حافظت المخاوف المتعلقة بهرمز والبحر الأحمر على علاوة المخاطر داخل السعر.

وتراقب الصحافة الاقتصادية السعودية من زاويتين:

قدرتها على حماية منشآتها.

وقدرتها على إبقاء النفط متجهًا إلى الأسواق رغم تهديد الطريقين الشرقي والغربي.

وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط عبرت مضيق هرمز خلال 2025، وأن السعودية والإمارات تملكان أهم المسارات البديلة، بطاقة تتراوح بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يوميًا.  

لكن البديل لا يلغي الخطر.

فخط الشرق–الغرب يوصل النفط إلى ينبع لتجاوز هرمز، غير أن تهديد البحر الأحمر يضع المسار البديل نفسه تحت ضغط أمني.

ولهذا لم يعد أمن الطاقة السعودي متعلقًا بحماية الحقول فقط، بل بحماية شبكة كاملة تبدأ من المنشأة، وتمر بالأنبوب والميناء والناقلة، وتنتهي عند السوق.

فرصة التقنية ومخاطرها

يحمل الحظر الأميركي للروبوتات الصينية، والتقدم الصيني في معدات الرقائق، رسالة مباشرة للاستثمارات السعودية في الذكاء الاصطناعي والصناعة المتقدمة.

فالمملكة تستطيع أن تكون سوقًا وقاعدة تصنيع بين الشرق والغرب، لكن المنافسة الجديدة تتطلب معرفة مصدر التقنية، ومن يملك بياناتها وتحديثاتها وقطع غيارها، وما إذا كانت القيود السياسية تستطيع تعطيلها لاحقًا.

ولا يكفي استيراد الروبوت أو الرقاقة.

القيمة الاستراتيجية تبدأ عندما تمتلك المملكة:

قدرة التشغيل والصيانة.

والبيانات والبرمجيات.

وجزءًا من التصنيع وسلسلة الموردين.

وبدائل تمنع دولة واحدة من إيقاف التقنية بقرار سياسي.

قراءة BETH | زر التشغيل

تبدو أخبار هذا العدد متفرقة:

روبوت صيني تمنعه واشنطن.

وآلة رقائق صينية تقلق هولندا.

ونفط شرق أوسطي يدخل قرار الفائدة الأميركية.

ومستودع روسي يتحول إلى هدف عسكري.

وميناء هندي يحاول حماية التجارة.

وطاقة مرتفعة الكلفة تهدد المصنع الأوروبي.

لكنها جميعًا تتحدث عن الشيء نفسه:

الدولة الحديثة لا تعمل بما تملكه فقط، بل بما تستطيع إبقاءه متصلًا وآمنًا وقابلًا للاستمرار.

لا يكفي أن تملك الولايات المتحدة شركات الروبوتات إذا كانت الصين تنتج العدد الأكبر.

ولا يكفي أن تصنع الصين الرقائق إذا بقيت الآلة التي تصنعها خاضعة للحظر.

ولا يكفي أن تملك أوروبا المصانع إذا لم تستطع توفير طاقة تنافسية لها.

ولا يكفي أن تنتج السعودية النفط إذا بقيت منصة مسيّرة أو مضيق مضطرب قادرين على تهديد طريقه.

لهذا تنتقل القوة العالمية من امتلاك المنتج إلى امتلاك المنظومة:

المادة.

والآلة.

والبرمجيات.

والطاقة.

والطريق.

والقدرة على الدفاع عنها.

في العدد السادس من «عيون BETH»، لا يبدو السؤال الأهم:

من ينتج أكثر؟

بل:

من يملك زر التشغيل، ومن يستطيع منع الآخرين من إطفائه؟