عيون BETH في عواصم القرار

news image

من يملك مفاتيح الاقتصاد؟

معادن الصين تربك الصناعة العسكرية الأميركية، والنفط يكتب قرارات الفائدة في لندن وطوكيو ونيودلهي، فيما تضع الصحافة العالمية السعودية بين أمن الطاقة وخطر الممرات

العدد الرابع | 27 يوليو 2026

العواصم | بث

لم تعد قوة الدولة تُقاس فقط بما تنتجه، بل بما تستطيع الحصول عليه عندما تتعطل الطرق، وتُفرض العقوبات، وتتحول المواد الأولية إلى أدوات نفوذ.

فالولايات المتحدة تمتلك أكبر موازنة عسكرية في العالم، لكنها لا تزال تحتاج إلى معادن تُنتج أو تُعالج في الصين.

وبريطانيا واليابان والهند تملك بنوكًا مركزية مستقلة، لكن قرار الفائدة داخل كل منها يتغير مع ارتفاع برميل النفط أو انخفاضه.

أما السعودية، فتملك المورد والقدرة على الإنتاج، غير أن الصحافة العالمية باتت تراقب سؤالًا آخر:

هل تستطيع إيصال الطاقة إلى الأسواق عندما يتعرض هرمز وباب المندب للاضطراب في وقت واحد؟

واشنطن | السلاح يحتاج إلى الصين

تقترب الولايات المتحدة من موعد تطبيق قيود تمنع قطاعات الدفاع والصناعة من شراء معادن استراتيجية من الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، ابتداءً من يناير 2027.

لكن الصناعة الأميركية لم تصل بعد إلى القدرة التي تسمح لها بتنفيذ القرار بالكامل.

فعلى الرغم من ضخ عشرات المليارات من الدولارات في نحو 150 مشروعًا للتعدين والمعالجة، أنتجت الولايات المتحدة خلال 2025 نحو 300 طن فقط من مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة، من أصل احتياجات بلغت قرابة 48 ألف طن.

وقد يصل الإنتاج الأميركي إلى نحو خمسة آلاف طن بنهاية 2026، لكنه يظل بعيدًا عن تغطية الطلب المحلي.

كما أن بعض المعادن المستخدمة في الطائرات والصواريخ والإلكترونيات، مثل التنغستن والتنتالوم، لا تزال تعاني فجوات كبيرة في التعدين والمعالجة داخل الولايات المتحدة.

وهذا قد يضطر إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تمديد بعض الاستثناءات، أو شراء كميات إضافية من الخارج، حتى مع إطلاق مشروع بقيمة 12 مليار دولار لبناء مخزون استراتيجي من المعادن. 

المفارقة واضحة:

واشنطن تريد صناعة سلاح لا يعتمد على الصين، لكنها تحتاج إلى الصين كي تواصل صناعة السلاح إلى أن يكتمل البديل.

والقرار السياسي يستطيع حظر الاستيراد في يوم واحد، أما بناء المناجم والمصافي والمصانع وسلاسل الموردين فيحتاج إلى أعوام.

موسكو | سلام بلا ورقة

قال الكرملين إنه لم يتلقَّ مقترحًا جديدًا وملموسًا لإنهاء الحرب في أوكرانيا، قبل اجتماع مرتقب في واشنطن بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وجاء التصريح ردًا على تقارير تحدثت عن أفكار تتعلق بوقف الضربات الجوية أو تجميد بعض العمليات تمهيدًا لمفاوضات أوسع.

لكن موسكو أبقت موقفها الرسمي مرتبطًا بشروطها المتعلقة بالأراضي التي تطالب بها، ووضع أوكرانيا العسكري، وعلاقتها المستقبلية بحلف شمال الأطلسي.  

لم تعد المشكلة في غياب الحديث عن السلام.

المشكلة أن كل طرف يتحدث عن سلام يبدأ من تثبيت ما حققه أو استعادة ما خسره.

ولهذا تكثر قنوات الوساطة، بينما تبقى الورقة التي يستطيع الطرفان توقيعها غائبة.

فالدبلوماسية لا تتعطل دائمًا بسبب نقص الوسطاء، بل لأن المسافة بين شروط المتحاربين أكبر من قدرة أي وسيط على ردمها.

لندن | النفط يحضر اجتماع الفائدة

يتجه بنك إنجلترا إلى تثبيت سعر الفائدة عند 3.75%، رغم القفزة التي دفعت أسعار النفط إلى تجاوز 100 دولار خلال التصعيد الأميركي الإيراني.

وقد تراجع التضخم البريطاني في يونيو إلى 2.6%، مسجلًا أدنى مستوى له خلال 15 شهرًا، لكن البنك لا يزال يراقب انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار النقل والغذاء والخدمات.

وأدى توقف الضربات الأميركية والإيرانية إلى هبوط حاد في النفط، فانخفض خام برنت بنحو 9%، وتراجعت معه توقعات رفع الفائدة البريطانية سريعًا.  

وهكذا أصبح البنك المركزي يترقب قرارًا لا يصدر في لندن:

هل تستمر الهدنة بين واشنطن وطهران؟

فإذا استقرت الطاقة، استطاع البنك التريث.

أما إذا عادت الحرب وارتفعت الأسعار، فقد يجد نفسه مضطرًا إلى رفع كلفة الاقتراض، حتى لو كان الاقتصاد البريطاني يحتاج إلى دعم النمو.

طوكيو | الشحن يرفع الأسعار

ارتفعت أسعار الخدمات التي تقدمها الشركات اليابانية لبعضها بنسبة 3.2% خلال يونيو، مدفوعة بزيادة تكاليف النقل بنسبة 5.3%.

وجاءت الزيادة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود واضطراب الشحن البحري والجوي بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

ويتوقع أن يثبت بنك اليابان سعر الفائدة عند 1%، لكنه قد يرسل إشارة إلى إمكان رفعها لاحقًا إذا استمرت الضغوط التضخمية وضعف الين.  

بالنسبة إلى اليابان، لا يبقى اضطراب الشرق الأوسط داخل نشرات السياسة الخارجية.

فالدولة التي تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة تستقبل أثر الحرب في أجور السفن، وفواتير المصانع، وأسعار المتاجر، ثم في اجتماع البنك المركزي.

كل ميل إضافي تقطعه الناقلة يتحول إلى تكلفة.

وكل تكلفة إضافية تتحول إلى تضخم.

نيودلهي | النمو يتقدم على التضخم

يتجه بنك الاحتياطي الهندي إلى إبقاء سعر الفائدة عند 5.25% خلال اجتماعه المقبل، وربما حتى نهاية العام.

وأظهر استطلاع شمل 72 اقتصاديًا أن 68 منهم يتوقعون تثبيت الفائدة، رغم ارتفاع التضخم إلى 4.38% خلال يونيو، متجاوزًا مستهدف البنك البالغ 4%.

ويعكس القرار المتوقع أولوية حماية النمو من آثار الحرب وارتفاع الطاقة؛ إذ تستورد الهند نحو 80% من احتياجاتها النفطية، ما يجعلها من أكثر الاقتصادات الكبرى تأثرًا باضطراب الإمدادات والأسعار. 

الهند أمام معادلة مختلفة عن اليابان وبريطانيا.

فرفع الفائدة قد يساند الروبية ويحد من التضخم، لكنه يضغط على الاستثمار والنمو والوظائف.

أما تثبيتها، فيمنح الاقتصاد مساحة للحركة، لكنه يتركه أكثر تعرضًا لصدمة نفطية جديدة.

ولهذا تراهن نيودلهي على أن تكون موجة ارتفاع الأسعار مؤقتة، وألّا تتحول الهدنة العسكرية القصيرة إلى جولة جديدة من الحرب.

الأسواق | ليلة واحدة تغير الحساب

أدى توقف الضربات بين الولايات المتحدة وإيران إلى هبوط النفط وصعود الأسهم والسندات في عدد من الأسواق العالمية.

وتراجع خام برنت إلى ما دون 90 دولارًا خلال التعاملات، بعدما تجاوز 100 دولار في الأسبوع السابق، وارتفعت أسهم شركات السفر والطيران، بينما تراجعت أسهم الطاقة.

كما انخفضت عوائد السندات مع تراجع احتمالات اضطرار البنوك المركزية إلى رفع الفائدة لمواجهة تضخم تقوده أسعار النفط.  

لكن هذا الارتياح يكشف هشاشة السوق أكثر مما يؤكد استقرارها.

فبضع ليالٍ من القصف رفعت النفط فوق 100 دولار، وليالٍ بلا قصف أعادته إلى ما دون 90 دولارًا.

لم تتغير المصانع أو كميات الاستهلاك بهذه السرعة.

الذي تغير هو احتمال وصول النفط إليها.

السعودية في الصحافة العالمية

النفط يستطيع الخروج.. ولكن

ركزت الصحافة الاقتصادية الدولية على قدرة السعودية على استمرار تصدير النفط رغم تعرض الممرات والمنشآت والسفن للتهديد.

وجاء أحد أكثر العناوين دلالة في الصحافة الهندية:

«النفط السعودي لا يزال قادرًا على الخروج.. لكن الأمر لن يكون رخيصًا أو سهلًا».

ويرى التقرير أن خط أنابيب الشرق–الغرب يمنح المملكة قدرة على تجاوز مضيق هرمز ونقل الخام إلى ينبع، لكن تهديد باب المندب يضع الصادرات أمام نقطة اختناق ثانية، ويجعل الحاجة أكبر إلى مسارات إضافية تتجه شمالًا نحو البحر المتوسط. 

أما «رويترز»، فركزت على عرض أرامكو كميات إضافية من الخام انطلاقًا من ميناء سيدي كرير المصري على البحر المتوسط، بعد نقلها عبر خط سوميد، في خطوة تمنح الصادرات المتجهة إلى أوروبا وأميركا الشمالية مرونة أكبر بعيدًا عن باب المندب.  

وهنا لا تتابع الصحافة العالمية كمية النفط التي تنتجها السعودية فقط، بل هندسة الطريق الذي يسلكه.

المملكة بين ممرين

قدمت التغطية الغربية الهجمات الحوثية على منشآت جازان وينبع والسفن السعودية باعتبارها تحولًا يمكن أن يقوض التهدئة المستمرة منذ 2022، ويفتح جبهة إضافية في الحرب الإقليمية.

وتنبع خطورة استهداف ينبع من أنها ليست ميناءً عاديًا، بل المنفذ الذي يسمح للنفط السعودي بتجاوز هرمز.

وبذلك أصبحت الاستراتيجية التي تحمي الصادرات من الخطر الشرقي معرضة لضغط من الجهة الغربية.  »

وتحول السؤال في الصحافة الدولية من:

هل لدى السعودية بديل عن مضيق هرمز؟

إلى:

هل يمكن حماية البديل إذا امتد التهديد إلى البحر الأحمر؟

الأسواق تراهن على القدرة السعودية

ارتفع المؤشر السعودي بنسبة محدودة مع تحسن آمال التهدئة، رغم استمرار أثر الهجمات على منشآت الطاقة واعتراض صواريخ قرب ينبع.

كما استفادت الأسواق الخليجية من تراجع النفط وانخفاض توقعات رفع الفائدة الأميركية، نظرًا إلى ارتباط عملات معظم دول الخليج بالدولار.  

وتكشف هذه التغطية أن السعودية حاضرة في السوق العالمية بصورتين متزامنتين:

دولة تتعرض منشآتها وممراتها للتهديد.

ودولة يراهن المستثمرون على قدرتها على استمرار الإنتاج والتصدير وامتصاص الصدمة.

ما الذي يهم السعودية؟

لا يكفي امتلاك احتياطات كبيرة أو طاقة إنتاجية مرتفعة إذا أصبحت طرق الوصول إلى المستهلك معرضة للخطر.

وتحتاج المرحلة المقبلة إلى توسيع مفهوم أمن الطاقة ليشمل:

  • زيادة قدرة خط الشرق–الغرب ومنشآت التخزين في ينبع.
  • رفع مرونة الربط مع خطوط وموانئ البحر المتوسط.
  • توزيع الناقلات والعقود بين مسارات متعددة.
  • حماية الموانئ والسفن وأنظمة الملاحة والاتصالات.
  • بناء مخزونات أقرب إلى الأسواق الكبرى في آسيا وأوروبا.
  • تطوير التأمين البحري وإدارة المخاطر بالتعاون مع الشركاء الدوليين.

وفي الوقت نفسه، تكشف أزمة المعادن الأميركية فرصة أخرى للمملكة.

فالثروة التعدينية السعودية، والاستثمارات الصناعية، والموقع بين ثلاث قارات، يمكن أن تضع المملكة داخل سلاسل المعادن والبطاريات والرقائق، لا بوصفها مصدرًا للطاقة التقليدية وحدها، بل منتجًا للمدخلات التي سيحتاج إليها الاقتصاد المقبل.

قراءة BETH | القوة تبدأ قبل المنتج

تبدو أخبار هذا العدد متباعدة:

معادن صينية داخل الصناعة الأميركية.

نفط شرق أوسطي داخل قرار بنك إنجلترا.

تكاليف شحن داخل التضخم الياباني.

أسعار طاقة داخل حسابات النمو الهندي.

وممران بحريان داخل قدرة السعودية على التصدير.

لكنها جميعًا تقول شيئًا واحدًا:

من يملك المنتج لا يملك السوق بالضرورة؛ فالقوة الحقيقية تبدأ من السيطرة على المدخلات والطريق.

لا يكفي أن تصنع الولايات المتحدة الصاروخ إذا لم تملك معادنه.

ولا يكفي أن تضع اليابان سياستها النقدية إذا كان الوقود المستورد يعيد كتابة أرقام التضخم.

ولا يكفي أن تنتج السعودية النفط إذا استطاعت الحرب تهديد طريقه من الشرق والغرب.

العالم لا يتراجع عن الترابط، لكنه يكتشف ثمن الاعتماد المفرط.

ولهذا أصبحت المهمة الكبرى أمام العواصم هي بناء اقتصاد يستطيع العمل حين ينقطع مورد، أو يُغلق مضيق، أو تتحول دولة موردة إلى خصم.

في العدد الرابع من «عيون BETH»، لا يبدو السؤال الأهم:

من يملك أكبر مصنع؟

بل:

من يملك المادة التي تشغله، والطاقة التي تحركه، والطريق الذي يصل به إلى العالم؟

لمتابعة تقارير بث السابقة

العدد الأول | 24 يوليو 2026

العدد الثاني | 25 يوليو 2026
العدد الثالث | 26 يوليو 2026