عيون BETH في عواصم القرار
العالم يعيد بناء مساراته
من حليف يطالب بوتين بتجميد الحرب، إلى الصين التي تنقل أموالها نحو الطاقة الخضراء، وأوروبا والهند اللتين ترفعان شعار الإنتاج المحلي، بينما تبحث السعودية عن ممرات أكثر أمانًا لصادراتها
العدد الثالث | 26 يوليو 2026
العواصم | بث
لا تنتظر الدول الكبرى انتهاء الأزمات كي تعود إلى خططها القديمة.
إنها تعيد بناء طرق التجارة والطاقة والاستثمار وهي داخل الأزمة.
في موسكو، وصل القلق من استمرار حرب أوكرانيا إلى حليف قريب.
وفي بكين، تسرّع الحرب في الشرق الأوسط انتقال التمويل الصيني إلى الطاقة الخضراء.
وفي بروكسل ونيودلهي، تتحول حماية الصناعة المحلية إلى سياسة اقتصادية جديدة.
أما بالنسبة إلى السعودية، فلم يعد التحدي في امتلاك الطاقة أو القدرة على تصديرها، بل في ضمان وصولها إلى العالم عندما تضطرب الممرات في الشرق والغرب معًا.
موسكو | الحليف يطلب التجميد
دعا الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، خلال وجوده إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مدينة أومسك، إلى تجميد الحرب في أوكرانيا والعودة إلى المفاوضات وفق صيغة جديدة تستند إلى محادثات إسطنبول.
وتكتسب الدعوة أهميتها من أنها لم تصدر عن دولة غربية أو خصم لروسيا، بل عن رئيس دولة ترتبط بموسكو بعلاقات أمنية واقتصادية وجغرافية واسعة.
ويرى توكاييف أن استمرار الحرب يقتل مزيدًا من الشباب، ويضغط على الدول المجاورة، ويعطل التجارة وصادرات الطاقة، من دون ظهور مسار واضح للحسم.
أما موسكو، فلم تُظهر استعدادًا لقبول التجميد، وما زالت تربط وقف القتال بانسحاب أوكرانيا من المناطق التي تطالب بها وتخليها عن التوجه نحو حلف شمال الأطلسي.
ما حدث في أومسك يتجاوز اقتراحًا دبلوماسيًا.
إنه مؤشر على أن كلفة الحرب لم تعد تقلق خصوم روسيا وحدهم، بل بدأت تدفع حلفاءها إلى المطالبة بمخرج يحمي مصالحهم قبل أن تتحول الحرب الطويلة إلى عبء على المجال الاقتصادي المحيط بموسكو.
بكين | الأموال تتجه للأخضر
سجل تمويل مشروعات الطاقة الخضراء ضمن مبادرة «الحزام والطريق» الصينية مستوى قياسيًا بلغ 20.1 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، متجاوزًا إجمالي التمويل المسجل طوال عام 2025.
وبلغت القيمة الإجمالية لمشروعات المبادرة 126.3 مليار دولار، موزعة بين الاستثمارات وأعمال الإنشاء، مع توسع واضح في الطاقة النظيفة والتقنية والتعدين والصناعة.
كما ارتفعت مساهمة الشركات الخاصة في مشروعات المبادرة إلى 48%، مقارنة بنحو 13% في 2022، ما يكشف انتقالًا تدريجيًا من التمويل الحكومي المرتبط بالنفوذ السياسي إلى استثمارات تبحث بصورة أكبر عن العائد التجاري.
وجاء التسارع في وقت أدت فيه الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة الطلب على مصادر طاقة أقل تعرضًا لاضطرابات الممرات البحرية.
الصين لا تتخلى عن النفط، لكنها تستخدم أزمة النفط لتوسيع سيطرتها على البديل.
فكل اضطراب في هرمز أو باب المندب لا يرفع أسعار الطاقة التقليدية فقط، بل يجعل تقنيات الطاقة الشمسية والبطاريات والشبكات الكهربائية الصينية أكثر جاذبية للدول المستوردة.
بروكسل | الانقسام يخدم الصين
تواجه أوروبا صعوبة في بناء موقف موحد تجاه الصين، رغم اتساع العجز التجاري وارتفاع المخاوف من تراجع الصناعة الأوروبية أمام تدفق المنتجات الصينية.
وتحاول بكين التعامل مع الاتحاد الأوروبي بوصفه كتلة واحدة حين يخدم ذلك مصالحها، ثم تتجه إلى الدول منفردة عندما تظهر الخلافات داخل الاتحاد.
فهي توسع علاقاتها مع الدول الأكثر استعدادًا للتعاون، وتستخدم السوق والاستثمار وسلاسل التوريد للتأثير في مواقف الحكومات الأوروبية، بينما تختلف باريس وروما وبرلين ومدريد حول درجة التشدد المطلوبة.
وبلغ الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي نحو 360 مليار يورو خلال 2025، فيما استمر في الارتفاع خلال النصف الأول من 2026.
الخلاف لم يعد حول السلع الرخيصة وحدها.
إنه صراع على مستقبل السيارات الكهربائية والبطاريات والرقائق والمعدات الصناعية والمواد الحيوية.
وكلما تأخرت أوروبا في توحيد سياستها، استطاعت الصين تحويل الانقسام السياسي داخل الاتحاد إلى منفذ تجاري.
نيودلهي | الهند تستبدل الواردات
جددت الهند مساعيها لتقليل الاعتماد على الخارج، وحددت واردات تقترب قيمتها من 51 مليار دولار يمكن استبدالها بمنتجات مصنعة محليًا.
وتشمل الخطة قطاعات مثل المنسوجات والطاقة المتجددة والإلكترونيات وأشباه الموصلات والهواتف المحمولة، ضمن سياسة تستهدف خلق الوظائف وتقليل العجز التجاري وحماية سلاسل الإمداد من الاضطرابات الدولية.
وخصصت نيودلهي نحو 13.3 مليار دولار لتطوير صناعة أشباه الموصلات، إضافة إلى حوافز بمليارات الدولارات لتصنيع الهواتف محليًا.
لكن التصنيع لا يزال يمثل نحو 13% فقط من الاقتصاد الهندي، فيما تستمر تحديات البيروقراطية وقوانين العمل والأراضي وضعف بعض البنى الصناعية.
الهند لا تريد الانفصال عن الاقتصاد العالمي.
إنها تريد أن تدخل إليه بقدرة إنتاجية أكبر، وألا تبقى سوقًا ضخمة للسلع التي يصنعها الآخرون.
وهذا يعني أن الوصول إلى السوق الهندية مستقبلًا قد يتطلب إنشاء المصانع والشراكات داخل الهند، لا الاكتفاء بالتصدير إليها.
سيول | التاريخ يصبح أصلًا
أُدرجت شواطئ إنزال النورماندي، المرتبطة بالحرب العالمية الثانية، ضمن قائمة التراث العالمي، إلى جانب قرية سيدي بوسعيد التونسية، خلال اجتماعات لجنة التراث العالمي في كوريا الجنوبية.
ولا يقتصر الاعتراف بالمواقع التراثية على قيمتها التاريخية أو الجمالية، بل يعيد تقديمها بوصفها أصولًا ثقافية واقتصادية قادرة على جذب الزوار والاستثمار وتطوير المدن المحيطة بها.
فالمكان الذي يُحفظ جيدًا لا يبقى شاهدًا على الماضي فقط، بل يتحول إلى جزء من اقتصاد الحاضر وهوية المستقبل. –
وتحمل هذه القرارات رسالة للدول التي تستثمر في السياحة والثقافة:
التراث لا ينافس التنمية الحديثة، بل يمكن أن يصبح أحد محركاتها إذا تحول من موقع يُزار إلى تجربة متكاملة تُروى للعالم.
ما يهم السعودية
تبدو هذه الأخبار موزعة بين روسيا والصين وأوروبا والهند وكوريا، لكنها تلتقي عند تحول واحد:
الدول تعيد تقليل اعتمادها على طريق واحد، أو سوق واحدة، أو مورد واحد.
الطاقة | الممران تحت الضغط
منحت خطوط الأنابيب السعودية الممتدة من الشرق إلى الغرب المملكة قدرة استراتيجية على تجاوز مضيق هرمز ونقل النفط إلى ميناء ينبع.
لكن انتقال التهديد إلى البحر الأحمر وباب المندب يعني أن تجاوز مضيق مضطرب قد ينقل الناقلات إلى مضيق آخر معرض للخطر.
وتدرس السعودية إضافة ما يصل إلى مليوني برميل يوميًا إلى قدرة خط أنابيب الشرق–الغرب، بما يعزز مرونة نقل النفط بعيدًا عن هرمز.
غير أن المرحلة المقبلة تتطلب ما هو أبعد من زيادة قدرة الأنبوب:
توسيع طاقة الموانئ والتخزين.
تنويع اتجاهات التصدير.
حماية السفن والممرات.
وبناء مسارات بديلة لا تعتمد على نقطة اختناق واحدة.
المملكة تمتلك ميزة جغرافية نادرة بإطلالتها على الخليج والبحر الأحمر، لكن قيمة هذه الميزة ترتبط بقدرتها على إبقاء الساحلين مفتوحين في وقت واحد.
الاستثمار | الصين شريك ومنافس
توسع الصين في الطاقة الخضراء يفتح فرصًا أمام السعودية لجذب التقنية والتمويل والشركات العاملة في الطاقة الشمسية والبطاريات والهيدروجين وسلاسل المعادن.
لكنه يعني أيضًا أن المنافسة العالمية ستزداد.
فالصين لا تمول المشروعات فقط، بل تنقل معها شركاتها ومعداتها ومعاييرها التقنية، ما قد يجعل الدول المستقبلة أكثر ارتباطًا بمنظومتها الصناعية.
بالنسبة إلى المملكة، الأفضل ألا تكون سوقًا للتقنية الخضراء المستوردة فقط، بل قاعدة لتصنيعها وتطويرها وتصديرها إلى المنطقة وأفريقيا.
التجارة | رأس المال لا يكفي
توجه أوروبا والهند نحو حماية الصناعة المحلية يحمل رسالة مباشرة للمستثمر السعودي:
النفاذ إلى الأسواق الكبرى لن يعتمد مستقبلًا على رأس المال وحده.
سيحتاج إلى محتوى محلي، وشراكات صناعية، وتوظيف، ونقل معرفة، وسلاسل توريد تتوافق مع المعايير البيئية والاجتماعية والأمنية لكل سوق.
وهذا يعزز أهمية انتقال الاستثمارات السعودية الخارجية من شراء الأصول فقط إلى بناء حضور صناعي داخل الأسواق المستهدفة.
الدبلوماسية | المخرج يصنع النفوذ
دعوة كازاخستان إلى تجميد الحرب الأوكرانية تكشف اتساع الحاجة إلى وسطاء قادرين على التواصل مع الأطراف المتعارضة.
وهنا تملك السعودية مساحة مهمة، بفضل علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا وأوروبا والصين، وسجلها في استضافة المحادثات وتبادل الأسرى.
فكلما طال النزاع وازدادت كلفته على الطاقة والغذاء والتجارة، ارتفعت قيمة الدولة التي تستطيع فتح قناة لا يستطيع الآخرون فتحها.
قراءة BETH | قوة البدائل
العالم لا يتجه إلى الاكتفاء الذاتي الكامل، لأن ذلك غير ممكن ولا اقتصادي.
لكنه يتجه إلى بناء بدائل تحميه عندما يتعطل المسار الأساسي.
الصين تبني بديلًا أخضر للطاقة المرتفعة الكلفة.
الهند تبني بديلًا محليًا للواردات.
أوروبا تبحث عن بديل للهيمنة الصينية.
وكازاخستان تبحث عن بديل لاستمرار الحرب.
أما السعودية، فتحتاج إلى تحويل موقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وامتلاكها ساحلين وموارد مالية وطاقة كبيرة، إلى شبكة بدائل لا إلى طريق واحد.
فالمرونة المقبلة لن تقاس بحجم ما تملكه الدولة فقط، بل بعدد الطرق التي تستطيع استخدامها عندما يُغلق أحدها.
وفي عالم تتعطل فيه الممرات، وتتغير فيه الرسوم، وتُحمى فيه الصناعات المحلية، لن تكون الدولة الأقوى هي التي تملك المورد وحده.
بل التي تستطيع إنتاجه، ونقله، وتمويله، وتأمينه، وإيصاله إلى السوق عبر أكثر من طريق.