الغيرة القاتلة

news image

حين يتحول الحب إلى حصار.. والمنافسة إلى مؤامرة

كتب عبدالله العميره

تروي إحدى النكات أن رجلًا كان يعود إلى منزله، فتبدأ زوجته بتفتيش معطفه بحثًا عن شعرة نسائية.

وجدت مرة شعرة سوداء، فاتهمته بامرأة .

ثم وجدت شعرة شقراء، ففتحت تحقيقًا جديدًا.

وفي يوم لم تجد على معطفه أي شعرة، فنظرت إليه غاضبة وقالت:

اعترف.. من المرأة الصلعاء التي احتضنتها اليوم؟

النكتة مضحكة، لكن ما خلفها ليس مضحكًا دائمًا.

فالغيرة حين تتجاوز حدودها لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن دليل يوافق الشك. وإذا لم تجد الدليل، صنعت غيابه دليلًا آخر.

عندها لا يعود الإنسان بريئًا حتى تثبت إدانته، بل يصبح مذنبًا مهما أثبت براءته.

الشعرة تدينه.

وغياب الشعرة يدينه.

والصمت اعتراف.

والدفاع مراوغة.

والابتسامة سر.

والعبوس محاولة لإخفائه.

وهكذا تتحول العلاقة من بيت للمودة إلى غرفة للتحقيق، ومن شراكة بين قلبين إلى محاكمة لا تنتهي.

هل الغيرة دليل حب؟

يقال كثيرًا:

من يحب يغار.

وهذا صحيح في حدوده الإنسانية؛ فمن الطبيعي أن يخشى الإنسان فقد من يحب، وأن يتألم إذا شعر بأن مكانته في قلبه أصبحت مهددة.

لكن ليس كل من يغار يحب، وليس كل غيرة دليلًا على عمق الحب.

قد تنشأ الغيرة من المحبة، لكنها قد تنشأ أيضًا من الخوف، أو ضعف الثقة بالنفس، أو تجربة سابقة، أو الشعور بالنقص، أو الرغبة في التملك والسيطرة.

الحب يقول:

أريدك سعيدًا معي.

أما الغيرة المريضة فتقول:

لن أسمح لك أن تكون سعيدًا بعيدًا عن سلطتي.

الحب يحافظ على المحبوب.

والتملك يحاصر المحبوب.

الحب يمنح الطمأنينة.

والشك يطالب الآخر كل يوم بإثبات براءته.

ولهذا لا تُقاس الغيرة بقوتها، بل بأثرها.

إذا دفعت الإنسان إلى حماية العلاقة واحترامها، فهي إحساس طبيعي.

أما إذا دفعته إلى التفتيش والمراقبة والعزل والإهانة والتهديد، فقد خرجت من الحب ودخلت في السيطرة.

الحب لا يلغي الحرية

قد يعتقد الغيور أنه كلما ضيّق المساحة حول من يحب، أصبح أكثر قدرة على الاحتفاظ به.

لكن الإنسان لا يبقى في العلاقة لأنه فقد أبواب الخروج، بل لأنه يجد فيها سببًا للبقاء.

فالحب الحقيقي لا يطلب من الآخر أن يتخلى عن ذاته ليبرهن على إخلاصه، ولا يجعله يشعر بالذنب لأنه يمتلك أصدقاء أو عملًا أو اهتمامات أو مساحة خاصة.

الحب لا يعني أن يعيش شخصان حياة واحدة بجسدين، بل أن تعيش حياتان متجاورتان، تتداخلان بالمودة والثقة، من دون أن تبتلع إحداهما الأخرى.

والعلاقة التي لا تستمر إلا بالمراقبة ليست علاقة آمنة؛ لأنها ستنهار في اللحظة التي تغيب فيها عين الرقيب.

أما العلاقة التي تقوم على الثقة، فتبقى حاضرة حتى في الغياب.

الغيرة بين الزوجين

تبدأ الغيرة الزوجية أحيانًا بسؤال صغير:

من اتصل بك؟

ثم تصبح:

لماذا اتصل؟

ثم:

لماذا أجبت؟

ثم:

لماذا تغير صوتك؟

ثم يتسع التحقيق ليشمل الهاتف والرسائل والمواعيد والملابس والنظرات والصمت وحتى الأحلام.

وحين تستقر الغيرة في البيت، يعيد أحد الزوجين تفسير كل شيء وفق مخاوفه.

التأخر خيانة محتملة.

والانشغال هروب.

والاهتمام بالمظهر رسالة إلى شخص مجهول.

واللطف مع الآخرين شبهة.

وقد يصل الأمر إلى مطالبة الطرف الآخر بقطع علاقاته الطبيعية، أو ترك عمله، أو تغيير سلوكه وشخصيته؛ ليس لأنه أخطأ، بل حتى يشعر الغيور بالاطمئنان.

لكن الغيرة لا تشبع طويلًا.

فكل تنازل يهدئها مؤقتًا، ثم يجعلها تطلب تنازلًا أكبر.

وكل باب يُغلق يفتح في عقلها بابًا آخر.

لأن المشكلة ليست دائمًا في سلوك المحبوب، بل في خوف الغيور نفسه.

ولهذا قد يعيش إنسان وفيّ مع شريك لا يطمئن أبدًا، مهما قدّم له من أدلة؛ لأن الشك لا يسكن الواقع وحده، بل يسكن صاحبه.

الغيرة بين الحبيبين

في بدايات الحب، تبدو الغيرة أحيانًا جميلة.

يفرح المحبوب حين يكتشف أنه مهم، وأن غيابه يُلاحظ، وأن وجود الآخرين حوله يوقظ شيئًا في قلب من يحب.

لكن هذه الغيرة اللطيفة قد تتحول سريعًا من سؤال عن المكانة إلى مطالبة بالملكية.

في البداية يقول:

أغار عليك.

ثم يصبح المعنى:

أغار من كل من يعرفك.

ثم:

أغار من عملك وأصدقائك واهتماماتك.

وأخيرًا:

أغار منك؛ لأن لك حياة لا أتحكم فيها.

وهنا لا يعود السؤال:

هل تحبني؟

بل:

هل تسمح لي بأن ألغي كل شيء لا يدور حولي؟

وقد يخطئ بعض العشاق حين يفسرون الغيرة العنيفة على أنها حب استثنائي، ويعدّون الصراخ والتتبع والتهديد دليلًا على أن الطرف الآخر لا يستطيع العيش من دونهم.

لكن من يحبك لا يجعلك تخاف منه.

ومن يخشى فقدك لا يدفعك إلى الهرب.

ومن يريدك شريكًا لا يعاملك بوصفك ملكية خاصة.

والسؤال الفاصل هو:

هل أغار لأنني أحبك، أم لأنني لا أحتمل أن تكون لك حياة لا أسيطر عليها؟

الغيرة والحسد والمنافسة

تختلط الغيرة بالحسد والمنافسة، مع أن بينها فروقًا مهمة.

الغيرة هي الخوف من أن يأخذ شخص آخر مكانك أو ما تعتقد أنه لك.

أما الحسد فهو الألم من امتلاك الآخر شيئًا تريده لنفسك، وقد يصل إلى تمني زواله عنه.

والمنافسة هي أن ترى تميز الآخر فتدفع نفسك إلى التطور والوصول.

الغيرة تقول:

أخشى أن يحل مكانِي.

والحسد يقول:

لا أريده أن يملك ما لا أملكه.

والمنافسة تقول:

سأعمل حتى أصبح أفضل.

وقد تبدأ المشاعر الثلاثة من المقارنة نفسها، لكن الإنسان يحدد المسار الذي ستسلكه.

إما أن يحول المقارنة إلى دافع.

وإما أن يحولها إلى كراهية.

وإما أن يحول خوفه إلى مؤامرة على الآخر.

أول غيرة وأول دم

في قصة ابني آدم، لم تبدأ الجريمة بسلاح، بل بمقارنة.

تُقبل قربان أحدهما ولم يُتقبل من الآخر، فلم يدفعه ذلك إلى مراجعة نفسه أو إصلاح عمله، بل إلى التفكير في إزالة من تفوق عليه.

وهنا ظهرت واحدة من أقدم حقائق النفس البشرية:

قد يفضّل الإنسان الضعيف إسقاط الناجح على الارتفاع إلى مستواه.

لم يكن وجود الآخر هو المشكلة، بل ما كشفه ذلك الوجود في نفس أخيه.

فالتميز يزعج أحيانًا، ليس لأنه يعتدي على أحد، بل لأنه يعمل كمرآة تكشف ما ينقص الآخرين.

وحين يعجز الغيور عن كسر المرآة داخله، يحاول كسر الإنسان الذي يحملها أمامه.

إخوة يوسف

لم يكره إخوة يوسف أخاهم لأنه أساء إليهم، بل لأنهم شعروا أنه يحتل مكانًا أكبر في قلب أبيهم.

قالوا إن يوسف وأخاه أحب إلى أبيهم منهم، فتحولت الغيرة من إحساس بالمقارنة إلى حكم، ثم إلى مؤامرة، ثم إلى إلقاء طفل في غيابة الجب.

كان هدفهم أن يخلو لهم وجه أبيهم.

لكنهم لم يسألوا أنفسهم:

هل إزالة يوسف ستجعلهم أكثر استحقاقًا للحب؟

وهذه واحدة من مفارقات الغيرة القاتلة؛ فهي تظن أن إبعاد المنافس يمنحها مكانه، لكنها لا تدرك أن المكانة لا تُنتزع دائمًا بإزالة صاحبها.

فقد يختفي الإنسان، ويبقى أثره أكبر.

وقد يغيب الجسد، لكن القلب يظل مشغولًا بالغائب.

وهكذا لم يُخرجوا يوسف من قلب أبيه، بل جعلوا غيابه يسكن ذلك القلب أعوامًا.

عطيل.. حين قتل الوهم الحقيقة

في مسرحية شكسبير، لم يحتج «ياغو» إلى تقديم حقيقة كاملة لعطيل؛ كان يكفي أن يزرع شكًا صغيرًا، ثم يترك الغيرة تسقيه.

أصبح عطيل يرى كل شيء من خلال الرواية التي استقرت في داخله.

الكلمة دليل.

والمنديل برهان.

والبراءة تمثيل.

ولم تعد ديدمونة قادرة على الدفاع عن نفسها؛ لأن الغيور حين يقرر مسبقًا أنه خُدع، يفسر كل محاولة للبراءة بوصفها امتدادًا للخداع.

قتل عطيل من أحب، لا لأنه عرف الحقيقة، بل لأنه وثق بغيرته أكثر مما وثق بمحبوبته.

وحين عرف الحقيقة، كان قد فعل ما لا يمكن إصلاحه.

ولذلك بقيت قصة عطيل واحدة من أشهر صور الغيرة في الأدب؛ لأنها لا تحكي عن خيانة حدثت، بل عن خيانة صنعها الشك ثم عاقب بريئًا عليها.

الغيرة في التاريخ

لم تكن الغيرة حبيسة البيوت والحكايات، بل دخلت القصور ومجالس الحكم وساحات السلطة.

كثير من الصراعات التي بدت سياسية في ظاهرها، كانت تحمل في داخلها خوفًا من المكانة: أخ يخشى أخاه، وولي عهد يخشى منافسًا، ووزير يخشى مستشارًا أكثر حضورًا، وقائد يخشى ضابطًا يلتف الناس حوله.

وفي القصور، اختلطت الغيرة العاطفية بالخوف من الوراثة والنفوذ؛ فتحولت الشائعة إلى تهمة، والتهمة إلى إقصاء، والإقصاء أحيانًا إلى سجن أو قتل.

لكن الغيرة في التاريخ لم تكن دائمًا غيرة رجل على امرأة أو امرأة على رجل.

كانت في كثير من الأحيان غيرة من القرب من صاحب القرار، أو من المحبة الشعبية، أو من العلم والبلاغة والكفاءة.

ولذلك لا يمكن فهم بعض الصراعات التاريخية بالنظر إلى المصالح وحدها؛ فقد تخسر دولة عقلًا عظيمًا لأن شخصًا نافذًا لم يحتمل وجود من هو ألمع منه.

وحين تدخل الغيرة إلى الحكم، لا تعاقب الموهوب وحده؛ بل تعاقب المجتمع الذي كان يمكن أن يستفيد منه.

الغيرة في العمل

تدخل الغيرة إلى بيئة العمل بثياب أكثر أناقة.

لا تصرخ.

ولا تفتش الهواتف.

ولا تسأل عن شعرة على المعطف.

لكنها تحجب المعلومة، وتقلل من الإنجاز، وتنسب الفكرة إلى غير صاحبها، وتفسر التفوق بالحظ أو العلاقات أو المجاملة.

الغيور مهنيًا لا يقول:

أخشى أن تنجح.

بل يقول:

ما فعله ليس مهمًا.

ولا يقول:

أخاف أن تتفوق عليّ.

بل يقول:

ليس لديه ما يكفي من الخبرة.

وقد يراقب زميله بحثًا عن خطأ صغير، لا من أجل إصلاحه، بل ليستخدمه في إلغاء سلسلة طويلة من النجاحات.

وهنا يصبح النجاح تهمة.

كلما أبدع الموظف، زادت الشكوك حوله.

وكلما اقترب من الإنجاز، ظهرت محاولات تعطيله.

وكلما أثنى عليه الآخرون، شعر الغيور بأن شيئًا قد انتُزع منه.

مع أن الإشادة بزميل لا تعني انتقاصًا من زميل آخر، فإن النفوس الصغيرة تتعامل مع التقدير كأنه كمية محدودة؛ إذا حصل عليها شخص، نقص نصيب البقية.

كيف يقتل الغيور المؤسسة؟

لا يقتل الغيور زميله غالبًا، لكنه قد يقتل فرصته وصورته وثقة الآخرين به.

وقد يقتل فكرة عظيمة قبل أن تولد؛ لأن صاحبها ليس من دائرته.

وقد يبعد كفاءة؛ لأنها تكشف محدوديته.

وقد يعيّن الأقل قدرة حتى يبقى هو الأكثر ظهورًا.

وهكذا تتشكل حول بعض المسؤولين دائرة ضيقة لا تضم الأفضل، بل الأكثر أمانًا على مكانتهم.

فالكفء يطرح أسئلة.

والمبدع يقدم بدائل.

والخبير يكتشف الأخطاء.

أما الضعيف فيصفق، ويوافق، ويعيد إلى المسؤول صدى صوته.

وهنا لا تعود الغيرة عيبًا شخصيًا، بل تصبح خطرًا مؤسسيًا؛ لأنها تستبدل الكفاءة بالولاء للشخص، والمصلحة العامة بحماية المكانة، والعمل الجماعي بصناعة بطل واحد تُنسب إليه جهود الجميع.

المؤسسة التي تحكمها الغيرة لا تفقد موظفًا فقط؛ بل تفقد الأفكار التي كان سيقدمها، والكوادر التي كان سيدربها، والفرص التي كان سيصنعها.

الغيرة من العمل

قد يغار الزوج أو الزوجة من العمل حين يشعر أن الوظيفة أصبحت شريكًا ثالثًا يستحوذ على الوقت والاهتمام والمشاعر.

فالعمل لا يملك وجهًا، لكنه قد يأخذ ساعات الحوار والإجازات والحضور الذهني.

وقد يعود الإنسان إلى منزله بجسده، بينما يبقى عقله في مكتبه.

وحين يتكرر الغياب، لا يعود الطرف الآخر غيورًا من زميل أو زميلة، بل من المكانة التي يحتلها العمل في قلب شريكه.

وقد يكون اعتراضه في حقيقته سؤالًا لا يستطيع التعبير عنه:

هل ما زلت مهمًا في حياتك؟

وهنا ينبغي ألا تُقابل الغيرة بالاستهزاء، بل بالفهم والتوازن؛ فالنجاح الذي يبني المسيرة المهنية ويهدم البيت لا يستطيع أن يصف نفسه بالنجاح الكامل.

فالأسرة لا تطلب دائمًا وقتًا طويلًا، لكنها تحتاج إلى حضور حقيقي في الوقت المتاح؛ عين تسمع، وعقل لا ينظر إلى الهاتف، وقلب لا يعامل البيت بوصفه محطة استراحة بين يومي عمل.

الغيرة على العمل

أما الغيرة على العمل فهي شعور مختلف.

إنها أن تحرص على سمعته وجودته وأمانته، وألا تقبل أن يُشوّه أو يُستغل أو يُنسب إلى غير أهله.

أن تغار على عملك يعني أن تتألم للخطأ قبل أن يكتشفه الآخرون.

وأن تحمي المال والوقت والثقة.

وأن تنسب الإنجاز إلى صاحبه.

وأن تفتح المجال للكفاءات.

وأن ترفض المجاملة التي تضر بالمؤسسة.

وأن تترك العمل بعدك أقوى مما كان قبلك.

لكن حتى الغيرة على العمل قد تنحرف إذا تحولت إلى احتكار.

فمن يحب عمله يبني له صفًا ثانيًا، أما من يحب سلطته فيه فيضيّق الدائرة حوله.

ومن يغار على المؤسسة يفرح بمن يرفع مستواها، أما من يغار من العاملين فيها فيخشى كل موهبة قد تكشف محدوديته.

ومن يخلص للعمل ينسب النجاح إلى الفريق، أما من يتخذه وسيلة لتعظيم ذاته فيجمع إنجازات الآخرين ويضع اسمه فوقها.

والفارق بين المخلص والمستحوذ يظهر حين يأتي شخص أكثر قدرة منه.

المخلص يقول:

هذا مكسب للعمل.

أما المستحوذ فيقول في داخله:

هذا خطر عليّ.

متى تصبح الغيرة مرضًا؟

لا تصبح الغيرة قاتلة لأنها ظهرت، بل لأنها استقرت ونمت من دون مراجعة.

وتصبح خطرة حين تتحول إلى:

مراقبة مستمرة.

اتهامات بلا دليل.

عزل عن الأهل والأصدقاء.

إهانة أو تهديد.

تفتيش للخصوصيات.

منع من العمل أو التعلم.

تشويه للزملاء.

إخفاء للمعلومات.

تعطيل للمتميزين.

أو استخدام السلطة لمعاقبة من لا يملك ذنبًا سوى أنه نجح.

والاعتراف بالغيرة لا ينتقص من الإنسان، بل يمنحه فرصة لفهمها.

فقد يكون الغيور محتاجًا إلى استعادة ثقته بنفسه، أو معالجة تجربة قديمة، أو تعلم الحوار، أو إدراك أن المحبة لا يمكن ضمانها بالقوة.

أما إنكار الغيرة وإلباسها ثوب الحب أو الحرص أو حماية المؤسسة، فيجعلها أكثر قدرة على التخريب.

ليست كل غيرة قاتلة

هناك غيرة إنسانية تنبه المحبين إلى قيمة العلاقة، وتدفعهم إلى حمايتها من الإهمال.

وهناك غيرة مهنية تدفع الإنسان إلى تطوير نفسه حين يرى نجاح الآخرين.

وهناك غيرة على العمل تحمي الجودة والأمانة والمال العام وحقوق الناس.

لكن الفارق يظهر في النتيجة.

الغيرة النبيلة تصلح صاحبها.

والغيرة المريضة تعاقب الآخرين.

الغيرة النبيلة تسأل:

كيف أصبح أفضل؟

أما الغيرة القاتلة فتسأل:

كيف أجعله أقل؟

الغيرة النبيلة تحمي ما تحب.

والغيرة المريضة تؤذي من تحب.

والغيرة على العمل تبني الإنجاز.

أما الغيرة من أهله فتهدمه.

الخاتمة

لا يستطيع الإنسان أن يمنع قلبه من الشعور بالغيرة، لكنه يستطيع أن يمنع الغيرة من قيادة أفعاله.

فالغيرة لحظة خوف.

أما الظلم فقرار.

والشك خاطر.

أما الاتهام فاختيار.

والمقارنة شعور طبيعي.

أما المؤامرة على الناجح فسقوط أخلاقي.

الحب لا يحتاج إلى سجن حتى يبقى.

والوفاء لا يحتاج إلى رقيب حتى يستمر.

والعمل الناجح لا يخشى الموهوبين، بل يبحث عنهم ويمنحهم المساحة ويحتفظ بإنجازاتهم داخل المؤسسة.

فمن أحب إنسانًا منحه الأمان، لا الخوف.

ومن أحب عملًا حماه من الخطأ، لا من المتميزين.

ومن أحب وطنه فرح بكل كفاءة تضيف إليه، ولم يرَ في نجاح الآخرين انتقاصًا من نجاحه.

الغيرة على العمل تحمي الإنجاز، أما الغيرة من العاملين فتقتله.

ومن أحب عمله صنع من يواصل بناءه، أما من أحب نفسه في العمل، فقد خاف ممن يستطيع البناء بعده.

_____
 

موضوعات ذات صلة :

العشق

العشق الذي خلّده الفراق

الطاقة المعاكسة

أغنى ثروة في العالم .. لا يراها أحد

المزيد  :   مقالات وتقارير متوعة