الغليبة شينة .. ولو في لعب الكعابة
كتب: عبدالله العميره
كان الآباء والأجداد يرددون مثلًا شعبيًا بسيطًا، لكنه عميق:
"الغليبة شينة .. ولو في لعب الكعابة".
والكعابة لعبة شعبية قديمة تعتمد على الحصى أو العظام الصغيرة، لا حرب فيها ولا مصير، مجرد لعبة للتسلية.
ومع ذلك، كان الكبار يرون أن الاعتياد على الخسارة، حتى في أبسط الألعاب، أمر قبيح.
ليس لأن الهزيمة محرمة.
بل لأن الاستسلام لها، والتعايش معها، وتبريرها، هو ما يفسد النفوس.
فكرة القدم، مثل الحياة والحروب، فيها فوز وخسارة.
ولا يوجد منتخب في العالم ينتصر دائمًا.
لكن المشكلة لا تبدأ بالخسارة.
بل حين تصبح الخسارة عادة.
وحين يتحول الفشل إلى أمر طبيعي.
وحين يعتاد المشجع الألم حتى يصبح جلده كالوًا، وعقله متبلدًا من كثرة الأعذار.
هنا تصبح المشكلة أكبر من مباراة.
وأكبر من مدرب.
وأكبر من نتيجة.
ليست المشكلة في الخسارة
المنتخب السعودي لا يخسر لأن الكرة تعاند.
ولا لأن المنافسين من كوكب آخر.
بل لأن هناك خللًا أعمق.
فالنجاح لا يُبنى بالصرف وحده.
ولا بالأسماء.
ولا بالشعارات.
بل بالاختيار الصحيح.
والمحاسبة.
والعدالة.
والجرأة على الاعتراف بالأخطاء.
فإذا كانت سنوات طويلة، وميزانيات ضخمة، وتجارب متعددة، لا تنتج نتائج تتناسب مع الإمكانات، فالسؤال الطبيعي ليس:
لماذا خسرنا أمام إسبانيا؟
بل:
لماذا لم نتعلم؟
لا توجد قبيلة كروية
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح بعقلية القبيلة.
ولا يمكن لمنتخب يمثل وطنًا كاملًا أن يتحول عمليًا إلى امتداد لنادٍ واحد، أو مدرسة واحدة، أو دائرة مغلقة.
فالمنتخب ليس ملكًا لأحد.
وليس جائزة.
وليس مساحة للمجاملات.
إنه مشروع وطن.
وحين تضيق دائرة الاختيار، تضيق معها فرص النجاح.
وحين تختلط القناعة بالتعصب، تصبح الهزيمة نتيجة طبيعية.
المشكلة ليست في اللاعبين وحدهم
فاللاعب يخطئ.
والمدرب يخطئ.
لكن الأخطر من ذلك كله، أن يختفي الحساب.
وأن يتحول الفشل المتكرر إلى مشهد عادي.
ففي الدول التي تحترم نفسها، لا يُحاسَب الناس على الخسارة وحدها.
بل على تكرار الأسباب نفسها.
وعلى غياب التطوير.
وعلى الاستمرار في إنتاج النتائج ذاتها.
ما الحل؟
ليس الحل في الغضب.
ولا في جلد اللاعبين.
ولا في تغيير مدرب كل بضعة أشهر.
الحل يبدأ من:
- مراجعة شاملة للمشروع الفني.
- توسيع قاعدة الاختيار بعيدًا عن أي انغلاق.
- بناء معايير واضحة لا تعرف الألوان ولا الأسماء.
- إعادة الاعتبار للكفاءة والمنافسة.
- ربط الإنجازات بالمحاسبة، لا بالشعارات.
- التعامل مع المنتخب باعتباره مشروعًا وطنيًا، لا امتدادًا لأي طرف.
كلمة أخيرة
الخسارة ليست عيبًا.
لكن الاعتياد عليها عيب.
والفشل ليس جريمة.
لكن تحويله إلى أمر طبيعي جريمة بحق الجماهير.
وكان أجدادنا أبسط منا، لكن حكمتهم كانت أعمق.
حين قالوا:
"الغليبة شينة .. ولو في لعب الكعابة".
فإذا كان القائمون على الكرة يريدون أن تتحول جلود الناس إلى كالو، وعقولهم إلى حالة من التبلد والتسليم، فإنهم يحققون نجاحًا باهرًا.
أما إذا كانوا يريدون منتخبًا يليق بما تملكه المملكة من إمكانات وطموحات، فإن البداية ليست في البحث عن أعذار جديدة.
بل في امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن بعض المشاريع لا تحتاج إلى تبرير...
بل إلى مراجعة.
وأن الجماهير قد تصبر طويلًا.
لكنها لا تحترم من يطلب منها أن تعتاد الهزيمة.