عندما تصمت المدافع .. من يقود الذاكرة؟

news image

إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

تتوقف الحروب عادة عندما يصمت السلاح.

لكنها لا تنتهي دائمًا عندما تتوقف المعارك.

ففي كثير من الأحيان، تبدأ حرب أخرى أكثر هدوءًا وأطول عمرًا.

حرب الرواية.

حرب الذاكرة.

حرب تفسير ما حدث.

ولهذا قد يكون السؤال الأهم بعد كل حرب:

من يقود الذاكرة؟

الحرب تنتهي مرتين

هناك لحظتان مختلفتان في حياة أي حرب.

الأولى:

عندما تتوقف المدافع.

والثانية:

عندما تستقر الرواية في أذهان الناس.

الأولى قد تحتاج إلى اتفاق أو هدنة أو استسلام.

أما الثانية فقد تحتاج إلى سنوات طويلة.

بل إن بعض الشعوب ما زالت تعيش آثار حروب انتهت عسكريًا منذ عقود، لكنها لم تنتهِ داخل الذاكرة.

ولهذا فإن نهاية المعركة لا تعني بالضرورة نهاية الصراع.

من يكتب الرواية الأخيرة؟

خلال الحرب تتعدد الروايات.

كل طرف يتحدث عن بطولاته.

ويقلل من خسائره.

ويبرز أخطاء خصومه.

لكن بعد توقف القتال يبدأ سؤال مختلف:

أي رواية ستبقى؟

فالتاريخ لا يحتفظ بكل شيء.

والذاكرة الجماعية لا تتذكر كل التفاصيل.

بل تحتفظ غالبًا بالخلاصة.

ومن ينجح في صياغة تلك الخلاصة، ينجح في التأثير على الأجيال القادمة.

الإعلام بعد الحرب

كثير من وسائل الإعلام تتقن تغطية الحروب.

لكن السؤال الأصعب:

هل تتقن ما بعد الحرب؟

فالتحريض سهل.

أما التهدئة فصعبة.

والتعبئة سريعة.

أما إعادة بناء الثقة فبطيئة.

ولهذا تتحول مسؤولية الإعلام بعد الحروب من نقل الصراع إلى تفسيره.

ومن إدارة الانفعال إلى إدارة الفهم.

ومن صناعة الاستقطاب إلى صناعة الإدراك.

ماذا يحدث للجمهور؟

خلال الحروب يعيش الناس تحت تأثير مستمر من:

الخوف.

والغضب.

والتعبئة.

والقلق.

وتكرار الرسائل.

لكن ماذا يحدث عندما تتوقف الحرب؟

هل تختفي كل هذه المشاعر فجأة؟

غالبًا لا.

فالإنسان لا يخرج من الحرب النفسية بنفس سرعة خروجه من الحرب العسكرية.

ولهذا تبقى الانطباعات والصور الذهنية والأحكام المسبقة فترة طويلة بعد توقف المعارك.

المنتصر في الذاكرة

قد ينتصر طرف عسكريًا.

ثم يخسر في الذاكرة.

وقد يخسر طرف في الميدان.

لكنه ينجح في بناء رواية تجعله حاضرًا في وجدان الناس لعقود.

ولهذا فإن بعض الحروب لا يُحسم أثرها الأخير في ساحات القتال.

بل في الكتب.

والأفلام.

والإعلام.

والمناهج.

والمنصات الرقمية.

من يقود الوعي بعد الحرب؟

هنا يظهر الدور الأخطر.

فبعد توقف القتال، تبدأ معركة تفسير ما جرى.

من المسؤول؟

من أخطأ؟

من ضحى؟

ومن استفاد؟

وهل كانت الحرب ضرورة؟

أم كان يمكن تجنبها؟

هذه الأسئلة لا تصنع الماضي فقط.

بل تصنع المستقبل أيضًا.

لأن الشعوب تبني قراراتها القادمة على فهمها لما حدث سابقًا.

عصر جديد من صناعة الذاكرة

في الماضي كانت الحكومات ووسائل الإعلام الكبرى تمتلك تأثيرًا شبه كامل على الرواية.

أما اليوم فقد تغير المشهد.

فوسائل التواصل الاجتماعي.

والذكاء الاصطناعي.

والمنصات الرقمية.

والأرشيف المفتوح.

جعلت السيطرة الكاملة على الرواية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

لكنها جعلت الصراع على الذاكرة أكثر تعقيدًا أيضًا.

تقدير BETH

قد تتوقف الحرب بقرار سياسي.

وقد تتوقف المدافع باتفاق.

لكن الذاكرة لا تتوقف بالتوقيع.

فما يبقى في عقول الناس قد يكون أهم مما كُتب في الاتفاقات.

ولهذا فإن السؤال الذي يواجه الإعلام بعد كل حرب ليس:

كيف غطينا الحرب؟

بل:

كيف سنشرحها بعد أن تنتهي؟

لأن الحروب لا تنتهي عندما تصمت المدافع فقط.

بل عندما يتوقف الصراع على تفسيرها.

وهنا يبقى السؤال المفتوح:

من يقود الذاكرة؟

ومن ينجح في قيادة الذاكرة.

قد ينجح في قيادة المستقبل أيضًا.

 

موضوع ذو صلة
الحرب .. الجمهور والرأي العام