الحرب .. الجمهور والرأي العام

news image

كتب: عبدالله العميره

يعلم كثيرون أن الجمهور هو مجموعة واسعة من الأفراد الذين يتلقون رسالة، أو يشاهدون حدثًا، أو يتابعون محتوى معينًا.

أما الرأي العام فهو شيء مختلف.

فهو ليس مجرد المتابعة.

بل النتيجة التي تتركها المتابعة.

إنه الحصيلة النهائية للمواقف والأحكام والانطباعات التي تتشكل لدى الناس تجاه قضية أو حدث أو ظاهرة عامة.

وهنا يبرز سؤال مهم:

ماذا يحدث للجمهور عندما يتابع أزمة طويلة مثل المواجهة بين أمريكا وإيران؟

وماذا تترك مئات التصريحات المتناقضة، والتهديدات المتبادلة، وأخبار الاتفاقات التي تقترب ثم تبتعد، وحالة "الكر والفر" المستمرة؟

هل ينتهي كل شيء بمجرد انتهاء الأزمة؟

أم أن شيئًا ما يبقى داخل الذاكرة الجمعية؟

الجمهور لا ينسى كما نظن

كثير من الناس قد لا يتذكرون تفاصيل الأخبار بعد أشهر أو سنوات.

لكنهم غالبًا يتذكرون الانطباع النهائي.

فالإنسان ينسى الأرقام.

وينسى التواريخ.

وينسى أسماء كثير من المسؤولين.

لكنه يتذكر الشعور الذي تركه الحدث.

ولهذا فإن الأزمات الطويلة لا تترك معلومات فقط.

بل تترك خبرات وانطباعات تتراكم ببطء داخل الوعي الجمعي.

ومن هنا تتشكل الصورة الذهنية.

من المتابعة إلى الخبرة

ليس مطلوبًا من الجمهور أن يفهم كل التفاصيل العسكرية أو السياسية أو التقنية.

لكن كثافة المتابعة تصنع نوعًا من الخبرة العامة.

فالمشاهد الذي تابع الملف الإيراني سنوات طويلة قد لا يعرف كل خفاياه.

لكنه يبدأ في تكوين استنتاجات خاصة به:

من يماطل؟

من يناور؟

من يهدد أكثر مما يفعل؟

من يلتزم؟

ومن يغير مواقفه باستمرار؟

ومع الوقت تتحول هذه الانطباعات إلى أحكام عامة.

وقد تكون هذه الأحكام أقوى تأثيرًا من كثير من الوقائع نفسها.

ماذا فعل الإعلام؟

هنا يبرز سؤال أكثر حساسية:

هل نجح الإعلام في تفسير ما يجري؟

أم اكتفى بعرض ما يجري؟

هناك فرق كبير بين نقل الحدث وفهم الحدث.

فالصور تنقل المشهد.

لكنها لا تفسره.

والتصريحات تنقل المواقف.

لكنها لا تكشف الدوافع.

ولهذا فإن كثيرًا من وسائل الإعلام ما زالت تتحرك داخل الحدث.

بينما يحتاج الجمهور إلى من يساعده على رؤية ما وراء الحدث.

فالمشكلة ليست نقص المعلومات.

بل فائض المعلومات أحيانًا.

رأي يتشكل بصمت

في العالم العربي تحديدًا، تبدو شريحة واسعة من الجمهور أقرب إلى ما يمكن تسميته "الجمهور المتردد".

ليس لأنه غير مهتم.

بل لأنه يتلقى روايات كثيرة ومتعارضة في الوقت نفسه.

فيجد نفسه بين:

رواية رسمية.

ورواية معارضة.

ورواية إعلامية.

ورواية رقمية.

ورواية تنتجها الخوارزميات.

وفي ظل هذا التشبع، قد يتردد في تبني موقف واضح.

لكن هذا لا يعني أنه بلا رأي.

بل يعني أن رأيه يتشكل ببطء.

وأحيانًا بصمت.

هل يدور الإعلام في دائرة مغلقة؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:

هل ما زال الإعلام يصنع رأيًا عامًا؟

أم أنه أصبح يدور داخل دائرة متواصلة من الأخبار والحروب والترفيه والصخب اليومي؟

الحقيقة أن التأثير لم يختفِ.

لكنه تغيّر.

ففي الماضي كان الإعلام قادرًا على صناعة رأي عام موحد إلى حد كبير؛ لأن الرسالة كانت تنطلق غالبًا من مصادر محدودة ومتقاربة.

أما اليوم، فقد أصبح شريكًا في تشكيل آراء متعددة ومتنافسة؛ لأن الجمهور يتلقى رسائل من مصادر لا حصر لها، قد تتكامل أحيانًا، وقد تتعارض أو يفكك بعضها بعضًا أحيانًا أخرى.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي للإعلام الحديث:

ليس في تكرار الرسالة الواحدة، بل في القدرة على صناعة رسائل متنوعة ومتناسقة تقود في النهاية إلى فهم مشترك ورأي عام أكثر وعيًا.

ولهذا لم تعد المعركة الحقيقية على الخبر نفسه.

بل على تفسيره.

ولم تعد على الصورة.

بل على معناها.

فالجمهور لا يحتاج إلى مزيد من المعلومات بقدر ما يحتاج إلى من يساعده على رؤية ما وراء الحدث.

من يقود الوعي؟

المتابع الحصيف لا يكتفي بمتابعة الحدث، بل يحاول فهم من يدير الرواية وإلى أين تتجه.

ومع الوقت، يتشكل لديه موقف ورؤية، سلبًا أو إيجابًا، بقدر ما يملك من وعي وقدرة على القراءة.

ولهذا تبقى الحاجة إلى إعلام وطني خبير ومتطور، يقوده أصحاب الرأي والمعرفة، لا من يكتفون بالتبعية أو ترديد ما يُملى عليهم.

فالجمهور قد يختلف في مواقفه، لكنه يدرك في النهاية حقيقة بسيطة:

من لا رأي له، لا أثر له.

أما الخطر الأكبر، فهو أن يُدار من لا رأي له من الخارج، أو أن يتحول ـ من حيث لا يدري ـ إلى أداة تضر بوطنه على المدى القريب والبعيد.

الخلاصة

قد تنتهي الحرب.

وقد تُوقّع الاتفاقات.

وقد تتغير العناوين.

لكن الأثر الذي تتركه الأحداث في الجمهور لا يختفي بالسرعة نفسها.

فكل أزمة طويلة تترك وراءها رصيدًا من الانطباعات والخبرات والأحكام.

وهذا الرصيد هو المادة الخام التي يتشكل منها الرأي العام لاحقًا.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:

ماذا حدث بين أمريكا وإيران؟

بل:

ماذا تعلّم الجمهور من كل ما حدث؟

فالأحداث تصنع الأخبار.

أما الطريقة التي يفهم بها الناس تلك الأحداث...

فهي التي تصنع الرأي العام.

 

وربما يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية:

ماذا يفعل الإعلام عندما تنتهي الحروب؟

هل يعود إلى دوره الطبيعي؟

أم يبحث عن حرب جديدة؟

كيف تُكتب الرواية النهائية للحرب؟

ومن يحدد المنتصر في ذاكرة الناس؟

كيف تُعاد صناعة الصورة الذهنية للأطراف؟

ومن يعيد بناء الثقة؟

ومن يداوي الانقسام المجتمعي؟

هل ينتهي التحريض بانتهاء الحرب؟

وماذا يحدث للجمهور الذي عاش شهورًا أو سنوات تحت تأثير الخوف والتعبئة؟

وهل يتحول الإعلام إلى أداة للمصالحة وبناء المستقبل 

أم يستمر في إدارة الصراع بأشكال جديدة؟

تابعوا المقال القادم 

عندما تصمت المدافع .. من يقود الذاكرة؟