الإنتصار.. وهزيمة الفرح
من وحي فوز باريس سان جيرمان.. لماذا تكشف كرة القدم ما يختبئ داخل الإنسان؟
ملف تحليلي
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B
إشراف: عبدالله العميره
بعد تتويج باريس سان جيرمان بلقب أوروبا، خرجت احتفالات واسعة في عدة مواقع، إلا أن بعض المشاهد تحولت من مظاهر الفرح إلى أعمال فوضى وعبث وتخريب واشتباكات؛ لتعيد طرح سؤال يتكرر في أكثر من مجتمع حول العالم:
لماذا تتحول لحظات الانتصار أحيانًا إلى سلوك جماعي خارج عن السيطرة؟
وهل المشكلة في الرياضة نفسها؟
أم أن الرياضة تكشف فقط ما كان مختبئًا أصلًا؟
ليست كرة القدم
الخطأ الأول أن ننظر إلى هذه المشاهد باعتبارها أزمة رياضية.
فالظاهرة لا ترتبط بكرة القدم وحدها.
بل تتكرر أحيانًا بعد:
المباريات.
والانتخابات.
والحفلات.
وأحيانًا حتى في المناسبات الوطنية.
وهذا يعني أن السبب أعمق من النتيجة الظاهرة.
لكن كرة القدم تبدو أكثر وضوحًا وتأثيرًا؛ لأنها تجمع الانتماء والعاطفة والحشد والإعلام في لحظة واحدة، فتجعل ما هو كامن داخل المجتمع أكثر ظهورًا.
الفرح الذي يحمل شيئًا آخر
أحد التفسيرات النفسية والاجتماعية أن بعض التجمعات الجماهيرية لا تُخرج الفرح فقط.
بل تُخرج ما كان متراكمًا أصلًا:
ضغط.
إحباط.
توتر.
رغبة في الانفلات.
بحث عن إثبات الذات.
شعور بالانتماء الجماعي.
وفي هذه اللحظة قد يتحول الفوز من مناسبة رياضية إلى إذن نفسي مؤقت لكسر الحدود، وتفريغ مشاعر تراكمت بفعل التعصب، والخطاب المعبّئ، وضعف الوعي.
والحل ليس في تقييد الفرح، بل في بناء الوعي؛ لأن الوعي لا يمنع الاحتفال، بل يمنع تحوله إلى فوضى.
فالوعي هو السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة التعصب، ويبدأ احتواؤه الحقيقي من التربية، والإعلام المسؤول، وتطبيق الأنظمة بحزم وعدالة.
ومن المهم احتواء الخطابات والبرامج التي تبني التعصب تحت غطاء الإثارة؛ لأن الإعلام حين يتخلى عن مسؤوليته ويستثمر في الانفعال، فإنه لا يصنع التفاعل.. بل يصنع الفوضى.
الحشد.. حين يتراجع الفرد
في علم النفس الاجتماعي توجد ملاحظة قديمة ومتكررة:
الفرد وحده قد يتصرف بهدوء.
لكن داخل الحشود تتغير الحسابات.
تنخفض المسؤولية الفردية.
وترتفع العدوى السلوكية.
ويصبح السؤال:
إذا فعلها الجميع..
فلماذا لا أفعل؟
وهنا تبدأ الفوضى أحيانًا من تصرف صغير يتحول إلى موجة جماعية.
أوروبا والحضارة.. هل هناك تناقض؟
قد يتساءل البعض:
كيف يحدث هذا في مجتمعات متقدمة يُفترض أنها أكثر وعيًا؟
لكن التقدم الاقتصادي والتقني لا يمنع تلقائيًا الانفجار السلوكي.
فالحضارة ليست طرقًا وقطارات وتقنية فقط.
بل قدرة المجتمع على إدارة مشاعره، والتمييز بين الحرية والفوضى، وبين التعبير والانفلات.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى هذه المشاهد باعتبارها سقوطًا حضاريًا.
بل باعتبارها إشارة تتعلق بمستوى الوعي الذهني والسلوكي داخل المجتمع؛ وهي إشارة تستحق الفهم أكثر من الاكتفاء بالإدانة.
عندما يتسلم الإعلام المتعصب المشهد
هنا تظهر زاوية أخرى.
الإعلام الرياضي حين يتحول من:
تحليل..
إلى تعبئة.
ومن تنافس..
إلى استعداء.
ومن انتماء..
إلى هوية مغلقة.
فإنه لا يصنع جمهورًا يحتفل.
بل جمهورًا يشعر أنه انتصر على طرف آخر.
وهنا تتغير طبيعة المشهد.
ويصبح الفوز مناسبة لتفريغ المشاعر لا للاحتفال.
الإعلام.. والوقود الخفي للتعصب
السؤال هنا ليس بسيطًا كما يبدو:
هل البرامج الرياضية الأوروبية متعصبة؟
الإجابة ليست مباشرة.
فكثير من البرامج الرياضية في أوروبا لا تمارس التعصب بالطريقة التقليدية أو الصريحة التي تظهر أحيانًا في بيئات أخرى.
لكن بعضها قد يصنع نوعًا آخر أكثر هدوءًا واحترافية.
وهنا يجب التفريق بين:
الإعلام الرياضي الحماسي.
الإعلام الرياضي المتعصب.
الإعلام الرياضي الذي يصنع الإثارة تجاريًا.
فبعض البرامج لا تقول للمشاهد:
اكره الفريق الآخر.
لكنها قد تصنع بيئة تقود إلى النتيجة نفسها عبر:
تضخيم الجدل.
صناعة الاستقطاب.
التركيز على الاستفزاز.
المبالغة في الشخصنة.
اختيار الأصوات الأكثر صدامًا.
وصناعة ما يمكن وصفه بـ«العدو الرياضي».
لأن ذلك يرفع:
المشاهدة.
والتفاعل.
والإعلانات.
والانتشار.
لكن بالمقابل، تمتلك أوروبا أيضًا تقاليد قوية في:
محاربة العنصرية.
وضبط خطاب الكراهية.
وفرض عقوبات على الملاعب.
وتنظيم البث والسلوك الجماهيري.
ولهذا يظهر المشهد أحيانًا متناقضًا:
إعلام يرفع حرارة الإثارة.
ومؤسسات تحاول لاحقًا ضبط النتائج.
لكن السؤال الأعمق ليس:
هل الإعلام الرياضي يصنع التعصب؟
بل:
هل تتحول الإثارة التجارية أحيانًا إلى وقود للتعصب دون أن يشعر صانعها؟
وفي بعض الحالات، قد تكون الإجابة:
نعم.
لأن بعض الإعلام الرياضي يقع في خطأ قديم:
يظن أنه يبيع المتعة..
بينما يبيع الانفعال.
من يصنع المشجع المتعصب؟
غالبًا لا يوجد سبب واحد.
بل شبكة متداخلة تشمل:
التربية.
الوعي.
التعليم.
الإعلام.
الخطاب الرياضي.
الضغوط الاجتماعية.
ومنصات التواصل التي تكافئ الضجيج أكثر من الاتزان.
وربما لهذا تتشابه ردود الفعل الجماهيرية في مدن مختلفة من العالم رغم اختلاف:
الثقافة.
والاقتصاد.
والتعليم.
والسياسة.
لأن ما يتحرك أحيانًا ليس الحضارة..
بل الإنسان.
وكرة القدم تختصر في لحظة واحدة:
الهوية.
والانتماء.
والانتصار.
والخسارة.
وإثبات الذات.
والتنفيس.
والإعلام.
الخلاصة
المشكلة ليست أن يفرح الناس.
بل أن يتحول الفرح إلى ترخيص للفوضى.
فالرياضة لا تصنع الإنسان بقدر ما تكشفه.
وقد يبني التقدم ملاعب أكثر حداثة..
لكن الوعي وحده هو من يحدد:
هل تبقى مكانًا للفرح؟
أم تتحول إلى ساحة تُخرج أسوأ ما في الجمهور؟
لحظة وعي
بعض الفرق تستحق الخسارة؛ لأن فوزها يعني خسارة للفرح.