كالما

news image

كتب: عبدالله العميره

هناك كلمات قصيرة، لكنها حين تُقال تشعر أنها لا تمر على الأذن فقط، بل تهبط إلى القلب.

كالما.

تعني الهدوء، والسكون، والسكينة.

لكن الهدوء ليس أن تختفي المشكلات، أو تأتي الحياة كما نريد.

لو كان يحتاج إلى كل ذلك، لما هدأ أحد.

كالما أن تحافظ على هدوئك، حين يعلو الضجيج من حولك.

وأن تقول للآخرين أحيانًا، من دون غضب:

هدوء .. هدوء.

فليس كل ضجيج يستحق أن نزيده ضجيجًا، ولا كل استفزاز يحتاج إلى مواجهة؛ وأحيانًا يكون الهدوء نفسه أقوى رد.

واشتهر كريستيانو رونالدو بإشارة اليد التي يدعو بها إلى الهدوء، حتى أصبحت «كالما» حركة مألوفة لدى جماهير النصر السعودي مع قائد فريقها؛ كفّان تتحركان إلى الأسفل، وكأنهما تقولان:

على مهلكم .. اهدؤوا.

وللكلمة مفارقة لغوية طريفة؛ ففي الإسبانية والبرتغالية تدور calma حول الهدوء والسكينة، بينما تظهر كلمة قريبة منها في الموروث الفنلندي بمعنى مختلف تمامًا يرتبط بالموت.

لكن معناها الذي طاف بالعالم أبسط وأجمل:

اهدأ.

فليس كل ما يحدث يستحق ردًا، ولا كل كلمة جوابًا، ولا كل تأخر تفسيرًا، ولا كل معركة انتصارًا.

نحن نتعب أحيانًا، ليس مما يحدث لنا، بل من المساحة التي نعطيها له داخلنا.

والهدوء لا يعني ألا تغضب أو تقلق أو تحزن؛ بل أن تعرف أن:

ليس كل شعور يحتاج إلى قرار.

فبعض القرارات تَعِدُنا في لحظتها بطريق أجمل، لأننا لا نرى الطريق كاملًا. ثم يأتي الهدوء ليكشف ما غاب عنا، ويمنحنا فرصة أن نسأل:

هل ما ينتظرنا هناك أسعد مما نتركه وراءنا؟

ولا ينتقص منا أن نعيد النظر؛ فقد تكون الشجاعة أحيانًا في أن نختار من جديد.

قد تغضب ولا تتكلم.

وتقلق ولا تهدم ما بنيته.

وتشتاق ولا تركض.

وتسمع ما يزعجك، ثم تتركه يمر.

تلك المسافة بين ما يحدث لك وما تفعله بعده، اسمها أحيانًا:

كالما.

ولعل أجمل الناس من يمنحوننا هذا الشعور؛ لا يحلون مشكلاتنا كلها، لكن حضورهم يجعلها أخف.

لا يقولون لك: اهدأ.

هم يجعلونك تهدأ.

وفي آخر اليوم، اترك شيئًا للغد، وشيئًا للوقت، وشيئًا لله.

فليس مطلوبًا منك أن تدير الكون، ولا أن تعرف كيف ستنتهي كل الحكايات.

انظر قليلًا إلى الأفق.

فحتى البحر الذي تراه هادئًا الآن…

مرّت به موجة.

كالما.