الذين يهدّئون أجسادنا

news image

 

«التنظيم المشترك» يفسر كيف ينتقل الهدوء بين البشر، ولماذا لا تكون قدرتنا على ضبط مشاعرنا عملًا فرديًا دائمًا

كتب: عبدالله العميره

نعتقد عادةً أن على الإنسان أن يهدئ نفسه بنفسه.

أن يضبط قلقه، ويرتب أفكاره، ويخفض غضبه، ويستعيد اتزانه من دون أن يحتاج إلى أحد؛ كأن النضج يعني أن يصبح المرء مكتفيًا بجهازه العصبي، لا يتأثر بمن حوله.

لكن علم النفس يقدم فكرة أكثر إنسانية تسمى «التنظيم المشترك».

ومعناها ببساطة أن الإنسان لا ينظّم مشاعره منفردًا دائمًا؛ فأحيانًا يساعده إنسان آخر على الانتقال من التوتر إلى الهدوء، ومن الخوف إلى الطمأنينة، من خلال صوته وحضوره واستجابته وطريقته في الإصغاء.

قد تدخل لقاءً وأفكارك متسارعة، ثم تخرج منه أهدأ، مع أن المشكلة لم تُحل، ولم يقدم لك الطرف الآخر نصيحة خارقة.

ما حدث أن جسدك وجد أمامه إنسانًا لا يستعد للمعركة.

نبرة مستقرة، وملامح غير مذعورة، وصمت لا يعاقبك، وإنصات لا يستعجلك؛ فتبدأ استجابة التوتر في الانخفاض تدريجيًا.

وهذا ليس مجرد شعور شاعري؛ فدراسات «التخفيف الاجتماعي للتوتر» تشير إلى أن وجود شخص داعم يمكن أن يخفف نشاط أنظمة الاستجابة للضغط، ومنها النظام المرتبط بإفراز الكورتيزول. كما رصدت أبحاث التفاعل الإنساني أشكالًا من التزامن في الحركة والصوت وبعض المؤشرات الفسيولوجية بين الأشخاص أثناء التواصل.

نتعلم الهدوء من الآخرين

يبدأ التنظيم المشترك منذ الطفولة.

فالطفل لا يولد قادرًا على تفسير خوفه أو إيقاف بكائه بقرار عقلاني؛ بل يستعير هدوءه من ذراع تحمله، وصوت يطمئنه، ووجه يخبره أن العالم لم ينتهِ.

ومع تكرار هذه التجربة، يبدأ في بناء قدرته الخاصة على تنظيم انفعالاته.

أي إن ما نسميه لاحقًا «التحكم بالنفس» لم ينشأ كله من النفس؛ بل بُني جزء منه من الطمأنينة التي تلقيناها من الآخرين.

نكبر، لكن هذه الحاجة لا تختفي تمامًا.

نظل نحتاج أحيانًا إلى صوت لا يزيد الحريق، وإلى شخص لا يطلب منا أن نشرح ألمنا بإتقان حتى يصدق أننا نتألم.

فالإنسان المطمئن لا يمنحنا الحل دائمًا، لكنه يمنح أجسادنا فرصة كي تتوقف عن مقاومة الخطر، وعندها يصبح العقل أقدر على رؤية الحل.

القلق ينتقل أيضًا

غير أن التنظيم المشترك لا ينقل الهدوء وحده.

فالقلق معدٍ، والتوتر يجد طريقه بين البشر بسرعة؛ وقد تدخل مكانًا هادئًا فيملؤه شخص واحد بانفعاله، أو تعرض مشكلة صغيرة على إنسان مضطرب، فتعود إليك وقد تضاعف حجمها.

بعض الناس يساعدونك على تنظيم مشاعرك.

وبعضهم يجعلك تعمل طوال الوقت على تنظيم مشاعرهم؛ تزن كلماتك، وتتوقع ردود أفعالهم، وتطفئ غضبهم، وتحاول ألّا توقظ مخاوفهم.

ثم تعود من لقائهم متعبًا، لا لأنك تحدثت كثيرًا، بل لأن جهازك العصبي ظل يعمل طوال اللقاء حارسًا للطوارئ.

لهذا لا تُقاس العلاقات فقط بما يقوله الناس لنا، بل بما يحدث داخلنا بقربهم.

هل نتنفس بحرية، أم نراقب أنفاسنا؟

هل نستطيع أن نكون طبيعيين، أم نظل في حالة تأهب؟

وهل يمنح حضورهم أجسادنا راحة، أم يضيف إليها مهمة جديدة؟

حين نحب شخصًا سلبيًا

قد يدخل قلبك شخص تحبه بصدق، ثم تكتشف أن قربه لا يهدّئك، بل يضع جسدك في تأهب دائم.

ليس كل إنسان سلبي سيئًا؛ فقد تكون سلبيته أثرًا لخيبات قديمة، أو قلق لا يعرف كيف يديره، أو عقل تعلّم أن يتوقع الأسوأ حتى لا تفاجئه الحياة به.

لكن فهم أسباب سلوكه لا يعني أن تتحمل نتائجه إلى ما لا نهاية.

وهنا ينبغي أن تسأل نفسك بصدق:

هل توقف قلبي عند من يستحق، أم أنني منحت من لا يستحق ما لم يعرف كيف يحفظه؟

لا تتعجل الابتعاد عنه، ولا تتولَّ وحدك مهمة إنقاذه.

تحدث إليه، وضع حدودك، وراقب استجابته: هل يعترف بأثر سلوكه ويحاول التغيير، أم يجعل من حبك سببًا لمطالبتك بالمزيد من الاحتمال؟

فإذا أصبح القرب استنزافًا، والحوار طريقًا مغلقًا، والتغيير وعدًا لا يأتي، فقد تكون المسافة رحمة لا عقوبة.

الحب يفسّر بقاءنا بعض الوقت، لكنه لا يفرض علينا أن نبقى حتى نفقد أنفسنا.

ليس ضعفًا

حاجتنا إلى من يساعدنا على استعادة هدوئنا ليست ضعفًا.

الضعف أن نهرب من مواجهة واقع مؤلم، فنختلق الأعذار، ونقنع أنفسنا بأن علاقتنا هي الاستثناء، مع أن ما يؤلمنا فيها واضح.

فالاستقلال النفسي لا يعني ألّا نحتاج إلى أحد، بل ألّا نجعل شخصًا واحدًا مسؤولًا بالكامل عن اتزاننا، وألّا نمنحه القدرة على انتزاع هذا الاتزان منا كلما اضطرب.

نحن نحتاج إلى القدرة على تهدئة أنفسنا، لكننا نحتاج أيضًا إلى علاقات لا تجعل هذه المهمة أصعب.

وقد يكون من أجمل أشكال الحب ألّا تقول للإنسان: «اهدأ»، بل أن تكون معه بالطريقة التي تساعده فعلًا على الهدوء.

لا تعالجه، ولا تلغِ ألمه، ولا تقدم له درسًا في الصبر.

فقط لا تضف خوفك إلى خوفه، ولا غضبك إلى ارتباكه، ولا استعجالك إلى اللحظة التي يحاول فيها جمع نفسه.

بعض الناس لا يحلّون مشكلاتنا، لكن أجسادنا تتوقف قربهم عن الاستعداد للمعركة.

وهؤلاء لا يهدّئون يومًا عابرًا في حياتنا فحسب؛ بل قد يعلّمون أجسادنا، مع الوقت، كيف تعود إلى هدوئها حتى حين لا يكونون معنا.

فأجمل من يدخل حياتك ليس من يسرّع نبض قلبك دائمًا، بل من يساعده—حين يتعب—على العودة إلى إيقاعه الآمن.

__________
كيف تقرأ المقال؟

لا تقرأ كل نص وجداني بوصفه سيرة ذاتية؛ فدقة وصف الشعور لا تعني أن الكاتب يروي تجربته.

فالصحفي البارع سيكولوجي حاذق؛ يتحسّس ما في داخل القارئ، ثم يمنحه الكلمات التي لم يستطع قولها.
__________

الصورة: حين يجاور الاضطراب إيقاعًا ثابتًا، تبدأ عُقده في الانفكاك؛ فبعض الهدوء لا يُقال… بل ينتقل.