خامنئي يستدعي الخليج | مقال تحليلي
حين يطلب النظام الإيراني من دول الخليج أن تبحث عن «عدوها الحقيقي»، فهو لا يعرض مصالحة بقدر ما يحاول محو ذاكرة التهديد، وتغيير اسم الخطر في اللحظة التي أصبح فيها أشد حاجة إلى جيرانه
كتب: عبدالله العميره
لم تكن رسالة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى حكام دول الخليج دعوة عادية إلى الوحدة الإسلامية، كما قد يبدو من ظاهرها.
فالرسائل السياسية لا تُقرأ بمفرداتها فقط، بل بتوقيتها، وحاجة صاحبها، وما يقوله قبلها وبعدها، وما يتجنب الاعتراف به.
خامنئي دعا دول الخليج إلى أن تعرف «عدوها الحقيقي»، وتفهم مخططاته، وتواجهه، وطالب بوحدة المسلمين، والتعاون بينهم، والدفاع المشترك في مواجهة الأعداء.
لكن السؤال الذي تقفز فوقه الرسالة هو:
من الذي جعل دول الخليج تبحث أصلًا عن مظلات دفاعية، وتشتري منظومات اعتراض الصواريخ، وتحمي منشآتها النفطية، وتراقب مياهها وحدودها طوال العقود الماضية؟
ومن الذي بنى ميليشيات مسلحة في الدول العربية، وموّلها، ودرّبها، ومنحها الصواريخ والطائرات المسيّرة، ثم استخدمها أوراقًا في صراعه مع العالم؟
ومن الذي تعامل مع أمن الخليج بوصفه ورقة تفاوض، ومع مضيق هرمز بوصفه صمامًا يستطيع إغلاقه حين يضيق عليه الحصار؟
ليست المشكلة أن خامنئي يدعو إلى الوحدة.
فالوحدة قيمة لا يعترض عليها عاقل.
المشكلة أنه يطلب وحدةً لا تسبقها مراجعة، ودفاعًا مشتركًا لا يسبقه توقف عن التهديد، وثقةً لا يقدم لبنائها سوى خطاب جديد صادر عن السلوك القديم نفسه.
إيران لا تطلب من الخليج أن ينسى خلافًا سياسيًا؛ بل أن ينسى تجربة أمنية كاملة.
أمرٌ لا اعتذار
أول ما يلفت في الرسالة أنها لم تأتِ بصيغة اعتذار، ولا مبادرة مصالحة، ولا عرضٍ محدد لبناء الثقة.
لم يقل خامنئي إن إيران مستعدة لإيقاف دعم الجماعات المسلحة، أو احترام سيادة الدول، أو ضمان أمن الملاحة، أو الدخول في اتفاق واضح يمنع استخدام الصواريخ والمسيّرات ضد الجيران.
قال لهم، بمعنى الرسالة: أنتم لا تعرفون عدوكم الحقيقي.
وهذه الصياغة تكشف جانبًا مهمًا من طريقة تفكير النظام الإيراني؛ فهو لا يكتفي بتحديد أعدائه، بل يريد تحديد أعداء الآخرين أيضًا.
لا يسأل دول الخليج: ما مصادر الخطر التي ترونها؟
بل يخبرها أن قراءتها للخطر خاطئة، وأن عليها أن تستبدل بها القراءة الإيرانية.
هنا لا تتحدث طهران إلى دول مستقلة بوصفها شريكة في صياغة أمن المنطقة، بل تخاطبها من موقع من يعتقد أنه يملك تعريفًا أعلى للحقيقة، وأن الآخرين إما مخدوعون وإما واقعون تحت تأثير «مخطط» لم يفهموه.
إنها لغة أيديولوجية تمنح صاحبها احتكارًا للوعي:
نحن نعرف العدو.
ونحن نفهم المؤامرة.
ومن يختلف معنا لم يرَ الحقيقة بعد.
وهذا هو جوهر المشكلة في عقل النظام، لا في العبارة وحدها؛ فهو لا يرى أن مخاوف الخليج قد تكون ناتجة عن أفعاله، بل يفترض أنها نتيجة تضليل خارجي.
وبذلك تصبح إيران، في روايتها، بريئة من الخوف الذي صنعته، ويصبح المطلوب من ضحايا تهديدها أن يصححوا فهمهم، لا أن تصحح هي سلوكها.
ذاكرة يراد محوها
تطلب الرسالة من الخليج أن ينظر إلى المستقبل من دون أن يراجع الماضي.
لكن الدول لا تبني سياساتها بذاكرة يوم واحد.
منذ قيام النظام الإيراني الحالي سنة 1979، لم تتعامل طهران مع الخليج باعتباره جوارًا متكافئًا، بل بوصفه مجالًا مفتوحًا لتصدير الثورة، وتوسيع النفوذ، وبناء الجماعات الإرهابية الموازية للدولة.
في العراق، أسهمت في بناء قوى مسلحة يرتبط بعضها بها سياسيًا وعسكريًا أكثر من ارتباطه بقرار الدولة العراقية.
وفي لبنان، صنعت من حزب الله قوةً تتجاوز مؤسسات الدولة، وتملك قرار الحرب والسلم خارجها.
وفي اليمن، تحولت جماعة الحوثي من حركة محلية مسلحة إلى ذراع يمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة ويهدد المدن والمنشآت والملاحة.
وفي البحرين والكويت ودول أخرى، ارتبط اسم الحرس الثوري بشبكات وخلايا مسلحة، ومحاولات لتهريب السلاح واستخدامه في زعزعة الاستقرار.
وحين تعرضت منشآت الطاقة السعودية للهجمات، لم تكن دول الخليج أمام خلاف فكري أو مناظرة سياسية؛ بل أمام صواريخ ومسيّرات وكلفة اقتصادية وتهديد مباشر لأمن السكان والطاقة العالمية.
وخلال الحرب الحالية، ضربت طهران منشآت عسكرية وبنى تحتية في دول خليجية، وهددت طرق تصدير النفط، وربطت سلامة الملاحة في هرمز بما تحصل عليه من تنازلات.
ثم جاءت الرسالة لتقول لهذه الدول: ابحثوا عن عدوكم الحقيقي.
المثير للدهشة أن تأتي هذه الدعوة من نظامٍ كان من أشد الأنظمة إضرارًا بالمسلمين وبجيرانه؛ فقد عاث في أرض العرب فسادًا عبر ميليشياته وأذرعه المسلحة، ولم يتوقف عن تنفيذ عملياته التخريبية، وإرسال صواريخه وطائراته المسيّرة للتدمير والترويع، مستهدفًا دولًا أكبر من أوهام تمدده، وأقوى من قدرته على إخضاعها.
فكيف يتوقع مجتبى خامنئي أن تثق دول الخليج بنظامٍ تتجذر في عقيدته السياسية والأمنية ثقافة التخريب، ويطلب من جيرانه أن يطمئنوا إليه، فيما لا تزال أدوات تهديدهم في يده؟
إنه طرح يبدو ساذجًا إذا قُرئ بوصفه دعوة صادقة إلى الوحدة؛ إذ لا يمكن مطالبة الضحية بالثقة في مصدر الخطر من دون اعتراف أو مراجعة أو ضمانات. لكنه يصبح طرحًا سياسيًا حين يُقرأ بوصفه كاشفًا لطريقة تفكير النظام: أن يهدد جيرانه حين يكون قويًا، ثم يستدعيهم حين يضعف، وأن يطلب منهم نسيان ما فعله، من دون أن يتعهد بعدم تكراره.
كأن الصاروخ يفقد جنسيته بمجرد أن تتغير لغة مُطلقه.
وكأن الميليشيا تصبح جمعيةً خيرية حين تحتاج الدولة التي موّلتها إلى كسر عزلتها.
يمكن للسياسة أن تفتح صفحة جديدة، لكنها لا تستطيع تمزيق الصفحات السابقة ثم مطالبة الآخرين بإنكار أنهم قرؤوها.
لماذا الآن؟
التوقيت هو أكثر أجزاء الرسالة وضوحًا.
لقد جاءت في لحظة تتعرض فيها إيران لضغط متزامن من جهات عدة:
اقتصادها يختنق تحت الحصار والعقوبات.
تجارتها الخارجية تتراجع.
صادراتها النفطية تواجه قيودًا قاسية.
عملتها تفقد قيمتها.
أسعار الوقود والسلع تضغط على الداخل.
وشبكاتها المالية والتجارية الخارجية أصبحت مهددة بالعقوبات الثانوية الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، بدأت بعض دول المنطقة تقليص تعاملاتها مع إيران، وأصبحت مطالبة باختيار أوضح بين الوصول إلى النظام المالي العالمي والاستمرار في توفير منافذ للاقتصاد الإيراني.
وقبل أيام فقط من خطاب «الوحدة»، حذرت طهران دول الخليج من التعاون مع العقوبات الأمريكية، وهددت بأن التصعيد الاقتصادي ضدها قد يوقف صادرات النفط عبر الخليج ويستهدف طرقًا أخرى للطاقة.
هنا تظهر المفارقة كاملة:
يدٌ تهدد الخليج إذا تعاون مع العقوبات، ويدٌ أخرى تدعوه إلى الدفاع المشترك.
لكن اليدين تنتميان إلى الجسد السياسي نفسه.
ولهذا لا يمكن فصل رسالة خامنئي عن محاولة منع دول الخليج من المشاركة في خنق الاقتصاد الإيراني، أو تقديم تسهيلات عسكرية ولوجستية ومالية للضغط عليها.
إيران لا تتوقع، على الأرجح، أن يتحول الخليج فجأة إلى حليف استراتيجي لها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
ما تريده في الحد الأدنى أقل من التحالف، لكنه أكثر إلحاحًا:
تريد تحييد الخليج.
تريده ألا يكون منصة للضغط العسكري.
وألا يغلق منافذه المالية والتجارية أمامها.
وألا يشارك بفاعلية في العقوبات.
وألا يتقدم كثيرًا في بناء منظومة دفاعية إقليمية تستبعدها.
وألا يمنح الولايات المتحدة غطاءً إقليميًا لمواصلة الحصار.
فالرسالة لا تسعى بالضرورة إلى نقل الخليج إلى المعسكر الإيراني؛ يكفيها أن تمنعه من الاستقرار الكامل في المعسكر المقابل.
الوحدة بوصفها مخرجًا
اختار خامنئي مناسبة دينية، واستدعى مفردات الوحدة الإسلامية وفلسطين والدفاع المشترك؛ لأن اللغة الدينية تمنح رسالته غطاءً أخلاقيًا أوسع من غرضها السياسي المباشر.
لكن السؤال الذي يتجنبه هذا الخطاب هو: هل يجسّد سلوك النظام الإيراني روح الإسلام وأخلاق المسلم الحق؟ وأين سوابقه في خدمة العرب والمسلمين؟
فالإسلام لا يُمثَّل بالشعارات، بل بالعدل، وحفظ الدماء، واحترام الجوار، وصون الأوطان من الفتنة والخراب. أما النظام الذي مزّق المجتمعات بميليشياته، وأسهم في إضعاف الدول العربية، وهدد جيرانه بالصواريخ، فلا يكفيه أن يستدعي اسم الإسلام كلما احتاج إلى غطاءٍ أخلاقي لمأزقٍ سياسي.
فإذا قيل إن إيران تطلب من الخليج مساعدتها في مواجهة العقوبات، بدت دولة محاصرة تبحث عن منفذ.
أما إذا قيل إنها تدعو المسلمين إلى مواجهة «العدو الحقيقي»، تحولت حاجتها إلى قضية أمة، وأصبحت مساندة إيران واجبًا، والابتعاد عنها انقسامًا يخدم الأعداء.
وهنا يعمل الخطاب على نقل إيران من موقع المتهم بتهديد أمن المنطقة إلى موقع القائد الذي يعرّف للمنطقة خطرها.
إنها عملية تبديل للمقاعد:
إيران التي يحتاج سلوكها إلى تفسير، تصبح هي المفسّر.
وإيران التي يُطلب منها تقديم الضمانات، تصبح هي من يطالب الآخرين بتصحيح مواقفهم.
وإيران التي استخدمت الميليشيات لتمزيق الدول، تتحدث عن خطر الانقسام.
وإيران التي هددت طرق الطاقة، تعرض الدفاع المشترك.
ليست هذه مصالحة، بل محاولة لإعادة صياغة الرواية من دون تغيير الوقائع.
فلسطين في الرسالة
استدعى خامنئي القضية الفلسطينية وسأل، بمعنى كلامه، هل كان الفلسطينيون سيُتركون بهذا الضعف لو اتحد المسلمون؟
والسؤال مؤثر في ظاهره، لكنه يؤدي وظيفة سياسية وأيديولوجية واضحة، تنسجم مع مشروع الملالي والحرس الثوري وأوهام تمددهما: إحراج الحكومات الخليجية أمام شعوبها، وتصوير رفض المشروع الإيراني وكأنه تخلٍّ عن فلسطين.
لكن القضية الفلسطينية لا تمنح أي دولة حق الهيمنة على الدول الأخرى، ولا تجعل كل من يرفض سياسات طهران عدوًا لفلسطين.
والأهم أن إيران استخدمت فلسطين طويلًا لبناء شرعيتها الإقليمية، بينما وجّهت جانبًا كبيرًا من قدراتها وأذرعها إلى صراعات داخل الدول العربية، وأسهمت في إضعاف مؤسساتها واستنزاف مجتمعاتها، وحوّلت القضية الفلسطينية من حق وطني إلى أداة تخدم مشروع نفوذها الإقليمي.
ومنذ قيامه، لم يقدّم النظام الإيراني ما يقرّب الفلسطينيين من دولتهم، أو المنطقة من السلام؛ بل استخدم معاناتهم لإطالة الصراع، ومنح أذرعه شرعيةً لا تمنح الفلسطينيين أرضًا، ولا تحمي دمًا، ولا تبني دولة.
ولو كانت الوحدة التي يتحدث عنها خامنئي هدفًا حقيقيًا، لبدأت طهران بإعادة القرار إلى الدول التي انتزعته منها الميليشيات، لا بمطالبة الدول السليمة بأن تفتح أبوابها للنموذج نفسه.
عقل الملالي
تكشف الرسالة طريقة تفكير عميقة داخل نظام الملالي.
إنها طريقة تقوم على عدة ثوابت:
أولها أن الثورة الإيرانية ليست دولةً ضمن المنطقة فقط، بل مرجعية يحق لها تعريف مصالح المنطقة وأعدائها.
وثانيها أن الأمن لا يُبنى بين دول متساوية، بل تحت مظلة أيديولوجية تحدد طهران اتجاهها.
وثالثها أن ما تفعله إيران يُسمى مقاومة، وما يفعله خصومها يُسمى عدوانًا، حتى لو استخدم الطرفان الأدوات نفسها.
ورابعها أن الذاكرة السياسية للآخرين قصيرة، ويمكن لخطاب ديني أو دعوة إلى الأخوة أن تفصل بين الصاروخ ومصدره، وبين الميليشيا وممولها، وبين التهديد وصاحبه.
أما الافتراض الأخطر في تفكير نظام الملالي، فهو أن دول الخليج قد تتعاون مع إيران تحت وطأة الضغط، من دون أن تحصل في المقابل على أي تغيير في سلوكها.
وبعبارة أوضح، تطلب طهران أمنًا مجانيًا لنفسها، بينما تُبقي الآخرين يدفعون كلفة انعدام الأمن الذي صنعته.
إنها تريد من الخليج أن يحميها من عدوها، قبل أن تتوقف هي عن التصرّف كعدوٍّ للخليج.
هل يصدقه الخليج؟
من المستبعد أن تكون القيادة الإيرانية مقتنعة بأن رسالة واحدة ستقنع دول الخليج بتجاوز أربعين عامًا من التجربة المريرة.
لكن نجاح الرسائل السياسية لا يقاس دائمًا بقبولها الكامل.
قد يكون هدف الرسالة زرع الشك في التحالفات الخليجية، أو التأثير في الرأي العام، أو إحراج الحكومات، أو منح حلفاء إيران مادةً يقولون بها إن طهران مدّت يدها، لكن الطرف الآخر رفضها.
وهذا جزء من طريقة تفكير نظامٍ دأب على إظهار ما لا يُبطن؛ يمدّ يده أمام الجمهور، فيما يُبقي أدوات التهديد مخبأةً خلف ظهره.
وقد تكون تمهيدًا لمبادرة عبر وسيط، أو رسالة إلى واشنطن بأن إيران تملك قدرة على مخاطبة حلفائها من داخل المجال الإقليمي الأمريكي.
وقد تستهدف الداخل الإيراني أيضًا.
فخامنئي الذي لم يظهر علنًا منذ إصابته يحتاج إلى تأكيد حضوره وسلطته، والنظام الذي يدعو شعبه إلى التماسك يحتاج إلى إظهار أنه ليس معزولًا، وأن لديه مشروعًا إقليميًا يتجاوز أزمة الوقود والعقوبات.
لذلك تخاطب الرسالة أكثر من جمهور:
تقول للخليج: لا تنضموا إلى خنقنا.
وتقول للولايات المتحدة: حلفاؤكم ليسوا مضمونين إلى الأبد.
وتقول للإيرانيين: ما زلنا نقود مشروعًا أكبر من أزمتنا.
وتقول لأذرع طهران: القيادة لم تتراجع عن الرواية التي تمنحكم شرعيتكم.
وتقول للوسطاء: لدينا لغة يمكن البناء عليها إذا حصلنا على مقابل.
مظلّة تُبنى من دون إيران
تأتي رسالة خامنئي أيضًا بينما تمضي السعودية وتركيا وباكستان في تحويل اتفاق مكة الدفاعي من إعلان سياسي إلى بنية مؤسسية وعملياتية.
وهذا تطور يقلق طهران؛ لأنه يقدم نموذجًا إقليميًا للأمن لا تكون إيران مركزه، ولا تستطيع تعطيله من داخله، ويجمع قدرات عسكرية وصناعية وسياسية كبيرة.
إيران تحدثت طويلًا عن ضرورة خروج القوى الأجنبية وبناء أمن إقليمي بين دول المنطقة.
لكنها افترضت غالبًا أن أي نظام إقليمي جديد سيعترف لها بموقع مهيمن، أو يمنحها حق الاعتراض، أو يتعامل مع قوتها الصاروخية وأذرعها المسلحة بوصفها واقعًا يجب قبوله.
أما أن تبني دول المنطقة ترتيبًا دفاعيًا مستقلًا عنها، فهذا يكشف المأزق الذي صنعته طهران لنفسها:
لقد أرادت إضعاف خصومها متفرقين، فدفعتهم إلى البحث عن القوة مجتمعين.
وأرادت إخراج القوى الخارجية من الخليج، لكنها قدمت لجيرانها أسبابًا إضافية لاستدعائها.
وأرادت أن تكون قائد النظام الأمني الإقليمي، فأصبح سلوكها أحد أهم دوافع بناء نظام يردعها.
إيران تدعو إلى مظلة واحدة بعد أن أمطرت جيرانها بالصواريخ؛ لكنها تكتشف الآن أن الجيران بدأوا بناء مظلتهم من دونها.
كيف يمكن أن يرد الخليج؟
لا مصلحة لدول الخليج في رفض مبدأ الحوار مع إيران، ولا في تحويل العداء إلى قدر دائم؛ فالجغرافيا لا تتغير، واستقرار المنطقة أفضل للجميع من استنزافها.
لكن الحوار شيء، وتسليم تعريف الأمن لإيران شيء آخر.
يمكن للخليج أن يقول لطهران:
نعم، نريد أمنًا إقليميًا.
لكن الأمن يبدأ باحترام سيادة الدول، لا اختراقها.
ونريد دفاعًا مشتركًا.
لكن لا يمكن بناء دفاع مشترك مع دولة تسلّح جماعات خارج الجيوش الوطنية.
ونريد أن يبقى الخليج بعيدًا عن الحروب الدولية.
لكن ذلك يتطلب ألّا تستخدم إيران مياهه ومضائقه ومنشآته وسيلةً لرفع كلفة صراعها مع الآخرين.
ونريد علاقات طبيعية.
لكن العلاقات الطبيعية لا تُبنى بصاروخ في يد، ودعوة إلى الأخوة في اليد الأخرى.
ولكي تتحول رسالة خامنئي من مناورة إلى بداية مختلفة، تحتاج إيران إلى خطوات قابلة للقياس:
وقف تسليح الميليشيات.
احترام القرار السيادي للدول العربية.
ضمان أمن الملاحة وعدم استخدام هرمز للابتزاز.
وقف التهديد بالصواريخ والمسيّرات.
قبول آلية إقليمية واضحة لخفض التصعيد.
وتحويل العلاقة مع الخليج من مشروع نفوذ إلى علاقة دولة بدول.
من دون ذلك، ستظل الوحدة كلمة جميلة تُستخدم لتغطية سياسة قبيحة.
ما المتوقع؟
من المرجح ألا ترد دول الخليج على الرسالة بمواجهة لفظية مباشرة؛ فهي تدرك أن التصعيد الإعلامي يمنح طهران فرصة للهروب من أزمتها وتحويل النقاش من سلوكها إلى خطاب خصومها.
وقد تبقي أبواب الوساطة والتواصل مفتوحة، خصوصًا فيما يتعلق بهرمز، ووقف الحرب، وأمن الطاقة.
لكنها لن تعيد بناء أمنها على وعد إيراني مكتوب، ولن تتخلى عن شراكاتها الدفاعية، ولن تفصل الرسالة عن التهديدات التي سبقتها.
أما إيران، فقد تسلك مسارين متوازيين:
تواصل الحديث عن الأخوة والوحدة حين تحتاج إلى التهدئة، وتُبقي التهديد والضغط عبر الأذرع والمضيق حين تحتاج إلى رفع الكلفة.
فإذا حصلت على استجابة خليجية، قدمتها بوصفها اعترافًا بصحة رؤيتها.
وإذا لم تحصل عليها، اتهمت الخليج بأنه اختار «العدو الحقيقي» على «الأخوة الإسلامية».
وهذه إحدى خصائص الخطاب الأيديولوجي الإيراني: يصوغ السؤال بطريقة تجعله منتصرًا في كل إجابة.
لكن المعيار الخليجي لن يكون بلاغة الرسالة، بل ما يحدث بعدها.
هل تتوقف التهديدات؟
هل يتراجع دور الميليشيات؟
هل يُفتح هرمز بلا شروط ابتزازية؟
هل تقبل طهران أن تكون دولةً في المنطقة، لا وصيةً عليها؟
هنا فقط يمكن معرفة ما إذا كانت الرسالة بداية مراجعة، أم مجرد استراحة لغوية بين تهديدين.
من صاغ الرسالة؟
ليس مهمًا من أمسك القلم داخل مكتب المرشد، ولا اسم اللجنة التي راجعت العبارات قبل نشرها. فالسؤال ليس عمّن كتب الكلمات، بل عمّن أملاها.
الذي صاغ الرسالة فعليًا هو المأزق الإيراني.
كتبها الحصار حين ضيّق منافذ الاقتصاد، وأملتها العقوبات حين هددت ما بقي لطهران من تجارة، وحررها الخوف من انضمام الخليج إلى حملة عزلها، وأضاف إليها الحرس الثوري مفهوم «العدو الحقيقي»، ثم غلّفها مكتب المرشد بمفردات الإسلام وفلسطين والوحدة والدفاع المشترك.
لم تنشأ الرسالة من مراجعة جديدة للعلاقة مع الجيران، ولم تسبقها مؤشرات تدل على أن النظام قرر التخلي عن أذرعه أو تغيير سلوكه. لقد نشأت من إدراك أن إيران لا تستطيع مواجهة الضغط الأمريكي والحصار البحري والاختناق الاقتصادي والعزلة الإقليمية في وقت واحد، بينما تمضي دول الخليج في بناء قدرات وتحالفات دفاعية لا تكون طهران جزءًا منها.
ولهذا جاءت الكلمات موزعة بعناية:
«الوحدة الإسلامية» لمخاطبة الشعوب.
و«فلسطين» لإحراج الحكومات.
و«العدو الحقيقي» لتغيير اتجاه الخطر.
و«الدفاع المشترك» للحصول على أمن تحتاج إليه إيران، من دون أن تقدم في المقابل ضمانات لجيرانها.
لقد قدّمت مؤسسات النظام إلى الرسالة خلاصات أزماتها: الأمن قدّم المخاوف، والحرس الثوري حدّد العدو، والدبلوماسية خففت اللغة، ومكتب المرشد ألبس الحاجة السياسية ثوبًا دينيًا، ثم وُضع اسم خامنئي فوقها ليمنحها سلطة تتجاوز أي تصريح حكومي عابر.
وبذلك لا تعني الرسالة أن إيران اكتشفت قيمة الخليج، بل إنها اكتشفت كلفة وجود الخليج في الجبهة المقابلة.
ولا تكشف أن النظام غيّر نظرته إلى جيرانه، بل أنه أصبح في حاجة إلى تغيير نظرتهم إليه.
لم تكتب الرسالةَ رغبةٌ في الوحدة، بل خوفٌ من العزلة.
ولم يصغها الاطمئنان إلى الجوار، بل القلق من أن يتحد هذا الجوار ضد مصدر الخطر الذي هدده طويلًا.
أما التوقيع، فكان باسم مجتبى خامنئي.
لكن الكاتب الحقيقي كان مأزق إيران.