الأوكسيتوسين

news image

حين تلتقي كيمياء الجسد بأسرار الطمأنينة

كتب: عبدالله العميره

هناك أشخاص نشعر بالطمأنينة قربهم قبل أن نجد سببًا واضحًا لها.

لا يقولون كلامًا استثنائيًا، ولا يقدمون وعودًا كبيرة، لكن شيئًا في داخلنا يهدأ حين يحضرون.

يتباطأ القلق.

تنخفض حراسة الروح.

وتتوقف الأسئلة التي كانت تركض في الرأس بحثًا عن إجابة.

لا نفكر حينها: هذا إنسان جدير بالثقة.

بل نشعر بذلك أولًا، ثم يأتي العقل لاحقًا ليبحث عن تفسير.

فهل يعرف الجسد أحيانًا ما لم يفهمه العقل بعد؟

وهل الطمأنينة التي نشعر بها قرب بعض الأشخاص فكرة نفسية فقط، أم أن للجسد كيمياءه الخاصة في التعبير عنها؟

رسول كيميائي

حين نشعر بالأمان، قد تتغير طريقة التنفس، ويهدأ النبض، وتتراجع حالة التأهب، وتتحرك داخل الدماغ والجسد منظومة معقدة من الإشارات العصبية والمواد الكيميائية.

ومن بينها يظهر اسم قد يبدو بعيدًا عن لغتنا اليومية:

الأوكسيتوسين.

وهو مركّب كيميائي صغير ينتجه الدماغ في منطقة تسمى «تحت المهاد»، ثم يُطلق جزء منه عبر الغدة النخامية الخلفية إلى الجسم، بينما يعمل جزء آخر داخل الدماغ ضمن شبكات عصبية متعددة.

عُرف الأوكسيتوسين أولًا بدوره في الولادة وإدرار الحليب، ثم كشفت الدراسات عن مشاركته في التعلق بين الأم وطفلها، والانتباه إلى الإشارات الاجتماعية، والاستجابة للمس الآمن، وبناء بعض صور الثقة والقرب بين البشر.

ومن هنا جاءت تسميته الشائعة: «هرمون الحب».

لكن هذه التسمية، على جمالها، تختصر حكاية أكثر تعقيدًا.

فالأوكسيتوسين لا يصنع الحب من العدم، ولا يحول كل قرب إلى طمأنينة، ولا يجعل الإنسان محبًا أو وفيًا بمجرد ارتفاع مستواه.

إنه أحد الرسل الكيميائيين الذين يستخدمهم الجسد لترجمة ما يحدث بيننا: لمسةً، أو عناقًا، أو صوتًا مألوفًا، أو حضورَ شخصٍ تعلمنا من مواقفه أننا نستطيع أن نخفض حراستنا قربه.

وقد يعزز التقارب والثقة في علاقة آمنة، لكنه قد يجعل الإنسان أيضًا أشد انتباهًا إلى إشارات الخطر وأكثر شكًّا في علاقة مضطربة؛ فتأثيره يتغير باختلاف الشخص والموقف والتجربة السابقة.

إنه لا يزرع الحب، بقدر ما يرفع صوت العلاقة الموجودة أصلًا.

من يبدأ أولًا؟

هل نشعر بالأمان لأن أجسادنا أطلقت الأوكسيتوسين، أم تطلقه أجسادنا لأنها شعرت بالأمان؟

الإجابة الأقرب إلى العلم أن الأمر يحدث في الاتجاهين؛ فالمشاعر توقظ الكيمياء، والكيمياء تعيد تشكيل المشاعر.

لمسة حانية من شخص نثق به قد تساعد على تهدئة استجابة التوتر. لكن اللمسة نفسها، إذا جاءت من شخص نخشاه، قد تفعل العكس تمامًا.

العناق لا يحمل أثره في الذراعين فقط، بل في معنى الذراعين عندنا.

والصوت لا يطمئننا بنبرته وحدها، بل بذاكرة صاحبه في داخلنا.

والقرب لا يصبح أمانًا بمجرد اختصار المسافة، بل حين يعرف الجسد أن من اقترب لن يؤذيه.

فالجسد لا يقرأ اللمسة فقط.

إنه يقرأ صاحبها.

وربما لهذا تمنحنا يد شعورًا بالسلام، بينما تجعلنا يد أخرى أكثر توترًا، مع أن الحركة واحدة.

الفرق ليس في الأصابع.

الفرق في القصة التي تحملها.

أشخاص يشبهون الأمان

لماذا يمنحنا بعض الأشخاص شعورًا بالأمان لا تمنحه الكلمات؟

لأن الأمان لا يُبنى بالكلام وحده، بل بمواقف صغيرة تتكرر حتى يحفظها الجسد:

من حضر حين احتجناه.

من لم يستخدم ضعفنا ضدنا.

من لم يعاقبنا بالصمت كلما اختلفنا معه.

ومن كانت كلماته متصلة بأفعاله، فلا نضطر إلى مراقبة المسافة بينهما كل يوم.

مع الوقت، يتعلم الجهاز العصبي أن هذا الشخص لا يحتاج إلى حراسة دائمة.

فتخف اليقظة، ويهدأ التأهب، ويصبح الصمت معه أقل قلقًا، والحديث أقل حذرًا، والضعف أقل خجلًا.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للطمأنينة: أن نستطيع البقاء قرب شخص من دون أن نبقى في حالة دفاع عن أنفسنا.

الأشخاص الذين يطمئن إليهم الجسد ليسوا بالضرورة الأكثر جمالًا أو بلاغة أو حضورًا.

إنهم الأكثر اتساقًا.

فالإنسان قد ينسى الكلمات الجميلة، لكنه لا ينسى كيف كان جسده يتوتر أو يهدأ عند سماع صوت صاحبها.

العناق ليس حركة

العناق، في ظاهره، ذراعان تلتقيان حول جسد.

لكنه في معناه الحقيقي سؤال صامت:

هل أنا آمن هنا؟

إذا كانت الإجابة نعم، لا يبقى العناق مجرد حركة؛ بل يصبح رسالة يقرأها الجلد والجهاز العصبي والذاكرة معًا.

قد يخف التوتر، ويتباطأ النبض، ويتراجع شعور الوحدة للحظات.

ليس لأن الأوكسيتوسين سكب الحب فجأة في الدم، بل لأن الجسد تلقى إشارة تقول له:

تستطيع الآن أن تخفف حراستك قليلًا.

لهذا لا تتساوى الأحضان.

هناك عناق ننتظر انتهاءه.

وعناق نتمنى لو أن الزمن يتباطأ داخله.

الأول يضم الجسد فقط.

والثاني يصل إلى المكان الذي كان خائفًا فيه.

كيمياء الغياب

إذا كان حضور بعض الأشخاص يطمئننا، فلماذا يربكنا غيابهم؟

لأن التعلق لا يسكن الذاكرة وحدها، بل يدخل في عادات الجسد أيضًا.

نعتاد صوتًا في وقت معين، ورسالة في بداية اليوم، وحضورًا يخفف توترًا لم نكن نعرف أنه موجود.

ثم يغيب هذا كله، فلا يفقد العقل شخصًا فقط؛ بل يفقد الجسد نمطًا تعلّم أن ينظم نفسه من خلاله.

قد يصبح المكان أكثر صمتًا، والنوم أقل انتظامًا، والانتباه أكثر بحثًا عن إشارة مألوفة.

ولا يمكن تفسير الاشتياق والفقد بهرمون واحد؛ فهما يتداخلان مع الذاكرة، وشبكات المكافأة والتوتر، وتجارب الإنسان السابقة.

لكن الأوكسيتوسين يظل خيطًا في هذه الحكاية، لا بوصفه سبب الحنين كله، بل أحد العناصر التي ربطت الشعور بالجسد.

لذلك قد نفتقد شخصًا في أجسادنا قبل أن نعترف بافتقاده في كلماتنا.

الإنسان أعقد

قد يبدو مغريًا أن نتخيل جرعة تمنح الإنسان الثقة والحب والطمأنينة.

لكن نتائج الأبحاث على الأوكسيتوسين ليست واحدة، وتأثيراته تختلف باختلاف الشخصية والتجارب السابقة وطبيعة العلاقة والسياق الاجتماعي.

الكيمياء لا تستطيع أن تحول الخيانة إلى أمان، ولا أن تجعل العلاقة المضطربة صحية، ولا أن تعوض غياب الاحترام والصدق والاتساق.

الثقة ليست جرعة.

إنها تاريخ.

والطمأنينة ليست ارتفاعًا عابرًا في مستوى هرمون.

إنها خبرة تتراكم حتى يصدقها الجسد.

يمكن للعناق أن يهدئنا لحظة، لكن الذي يبني الأمان هو ما يحدث بعد أن تنتهي الذراعان من العناق:

هل تبقى الكلمة؟

هل يُحفظ السر؟

هل يتحول الخلاف إلى فهم، أم إلى عقاب؟

الكيمياء قد تفتح الباب، لكن السلوك هو الذي يقرر من يستحق البقاء داخله.

يلفت القرآن النظر إلى صلة القلب بالتعقل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾. واليوم نعرف أن القلب ليس مضخةً صامتة؛ بل عضوٌ ذو شبكة عصبية داخلية، يدخل مع الدماغ في حوار مستمر يؤثر في النبض واستجابات التوتر والانفعال. لا يقول العلم إن القلب يفكر كدماغ آخر، لكنه يؤكد أن ما نشعر به ليس حدثًا يقع في الرأس وحده؛ فالجسد كله يشارك في تشكيل التجربة الإنسانية.

الحب بين القلب والعقل: مَن يصدر الأمر ومَن ينفذ؟ لعل الحقيقة أن كليهما يرسل ويستقبل، بينما يترجم الجسد حوارهما شعورًا وكيمياءً.

أسرار الطمأنينة

الأوكسيتوسين لا يفسر الحب كله.

ولا يستطيع أي هرمون أن يشرح لماذا نختار شخصًا من بين ملايين البشر، ولماذا يصبح صوته مكانًا، وحضوره راحة، وغيابه فراغًا لا يشبهه فراغ آخر.

لكنه يذكرنا بأن المشاعر ليست أفكارًا عابرة تسكن الرأس فقط؛ إنها أحداث تقع في الجسد أيضًا.

وأن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا بالكلمات وحدها، بل يدخلون نبضنا، وتنفسنا، وهدوءنا، وطريقة استقبالنا للعالم.

ليس كل من نحبهم يطمئن إليهم الجسد، وليس كل من يطمئن إليهم الجسد نعرف كيف نصف شعورنا نحوهم.

لكن أجمل العلاقات هي تلك التي لا يضطر فيها القلب إلى إقناع الجسد بأنه آمن؛ لأن الجسد يكون قد عرف ذلك أولًا.

هناك أشخاص لا يمنحوننا الطمأنينة بالكلام… بل يجعلون أجسادنا تتذكر أنها خُلقت لتطمئن.