الساعة تعرف اسمها
بعد يوم مزدحم بالحروب والأرقام والتصريحات، نحتاج أحيانًا إلى رقم لا يحصي الخسائر، وإلى ساعة لا تقيس مواعيد البيانات، وإلى صورة تعيدنا من صخب العالم إلى هدوء الإنسان.
نتأمل هنا صورة امرأة تخفي بعض ملامحها خلف رداء شفاف، لكن يدها اليسرى تكشف حرفًا ورقمًا على معصمها؛ فهل كان الحرف بداية اسم، والرقم موعدًا لم ينسه القلب، أم سرًّا اكتفى الزمن بمعرفته؟
كتب: عبدالله العميره
لم تكن تنظر إلى أحد.
كان وجهها مائلًا قليلًا، وعيناها في مكان لا تصل إليه الصورة، بينما أمسكت بيدها اليسرى طرف الرداء، كأنها تريد أن تحجب بعض ملامحها، أو تمنع الريح من كشف شيء لم تأذن له بالظهور.
لكن يدها فعلت عكس ما أراده الرداء.
فعلى معصمها ساعة أنيقة، لم تكن عقاربها أول ما يلفت النظر؛ إذ حمل قرصها حرفًا ورقمًا: A19.
لم نعرف إن كان الحرف أول اسمها، أم أول اسم مَن تحب، أم ذكرى شخص غائب. ولم نعرف إن كان الرقم تاريخ لقاء، أو يوم ميلاد، أو وعدًا قديمًا لا يزال ينتظر أن يتحقق، أو كان الحرف والرقم معًا رمزًا لاسم لا يعرفه سواها..
وربما لم يكن أيًّا من ذلك.
قد يكون الحرف اختصارًا لأمل تأخر، والرقم علامة على يوم لا يعرف معناه إلا قلبها. فبعض الأشياء التي نرتديها لا نختارها لجمالها فقط، بل لأنها تحمل معنى لا نريد قوله كل يوم.
قد يرى الناس ساعة، ونرى نحن موعدًا.
يرون حرفًا، ونرى وجهًا.
ويرون رقمًا، فنرى يومًا بقي حيًّا، وإن مضت أعوامه.
ويرون قطعة ذهبية حول المعصم، بينما نسمع نحن صوتًا قديمًا يقول شيئًا لم ينسه القلب.
لم يحجب الرداء المرأة تمامًا؛ سمح للضوء بالمرور، وترك ملامحها قريبة بما يكفي لنشعر بحضورها، وبعيدة بما يكفي لتظل ملكًا لها.
وهذا أجمل ما في الستر حين يكون اختيارًا: لا يمحو الإنسان، بل يمنحه حق تحديد ما يظهر منه، ومتى، ولمن.
هناك أشياء نخفيها لأنها عزيزة، لا لأنها معيبة؛ وأسماء لا ننطق بها أمام الناس، لأن تكرارها على الألسنة قد ينتزع منها خصوصيتها؛ وذكريات نغطيها برداء خفيف، لا لننساها، بل لنحميها من فضول العابرين.
لقد أخفى الرداء الوجه قليلًا، لكن الساعة أوحت بأن في الحكاية شخصًا آخر.
أو هكذا خُيّل إلينا.
ما أوسع الحرف حين لا تليه بقية الكلمة، وما أكثر ما يستطيع رقم صغير أن يخفيه.
لو كُتب الاسم كاملًا، وعُرف معنى الرقم، لانتهى السؤال؛ كنا سنعرف الحكاية ونمضي. لكن الحرف الواحد يشبه بابًا مواربًا؛ لا يسمح لنا بالدخول، ولا يتركنا نرحل.
وقد يكون سر جمال الحرف أنه بداية: أول الاسم، وأول الاحتمالات، وأول خطوة نحو كلمة لم تُكتب بعد.
أما الرقم، فربما كان يومًا بدأ فيه كل شيء، أو انتهى، أو ظل معلقًا بين البداية والنهاية.
وربما كان الاسم واضحًا في قلبها، والتاريخ محفوظًا في ذاكرتها، لكن ليس من حق العالم أن يعرفهما. يكفي أن يعرف اثنان معنى الحرف والرقم، بينما يراهما الآخرون مجرد تصميم جميل.
نرتدي الساعة لنعرف كم مضى من اليوم، لكن بعض الساعات تخبرنا بشيء آخر:
كم مضى على اللقاء؟
كم بقي للعودة؟
وكم مرة نظرنا إلى العقارب، لا لأن لدينا موعدًا، بل لأننا كنا ننتظر رسالة؟
الوقت واحد في الساعات، لكنه ليس واحدًا في القلوب.
دقيقة الانتظار أطول من ساعة اللقاء، وسنة القرب أقصر من ليلة فراق، والموعد الذي نرجوه لا تقيسه العقارب بالدقة نفسها التي تقيس بها اجتماعًا أو رحلة.
ولعلها، كلما نظرت إلى معصمها، لا تسأل: كم الساعة؟
بل تسأل: هل حان الوقت؟
ولا نعرف وقت ماذا.
وقت أن يعود شخص؟ أن تُقال كلمة؟ أن يبدأ شيء جديد؟ أم أن ينتهي الانتظار؟
باليد نفسها تمسك طرف الرداء، فتجتمع في حركة واحدة ثلاثة أشياء: وجه تحتفظ ببعضه لنفسها، ورمز يكاد يكشفها، وساعة تذكّرها بأن كل شيء يمضي.
كأنها تحاول أن تمسك الرداء والزمن معًا.
لكن الريح تستطيع تحريك الأول، ولا أحد يستطيع إيقاف الثاني.
وحده المعنى يبقى ثابتًا.
أحيانًا لا تشبه الصورة شخصًا نعرفه في ملامحه، لكنها تشبهه في شيء أدق: ميل الوجه، أو طريقة الإمساك بطرف الثوب، أو الصمت المحيط بالنظرة، أو حرف صغير يوقظ اسمًا كاملًا، أو رقم يعيد إلى الذاكرة يومًا ظننا أنه مضى.
عندها لا نرى المرأة الموجودة في الصورة وحدها، بل نرى شخصًا آخر جاء من ذاكرتنا ووقف مكانها.
وهذه إحدى عجائب الصور: أنها لا تعرض ما فيها فقط، بل تستدعي ما فينا.
قد يتأملها ألف شخص، فيرى كل واحد امرأة مختلفة. أحدهم يرى حبيبة، وآخر وجهًا غاب، وثالثًا حلمًا لم يلتقِ به بعد.
أما صاحب الذكرى، فلا يحتاج إلى التشابه الكامل؛ تكفيه إشارة صغيرة حتى يعود كل شيء.
وليس كل معنى بحاجة إلى تفسير، ولا كل سر عبئًا، ولا كل صمت عجزًا.
من حق الإنسان أن يحتفظ في حياته بمكان لا يدخله الآخرون، وبرموز خاصة لا تشرحها القواميس ولا تستوعبها الأسئلة.
فالمحبة ليست أن نكشف أسرار من نحب، بل أن نكون المكان الذي تأمن فيه أسرارهم؛ أن نعرف الاسم ولا نعلنه، ونفهم الرمز من دون أن نطالب بإكمال الحكاية.
لا نعرف مَن كانت المرأة، ولا إلى أين اتجهت نظرتها، ولا مَن يختبئ خلف الحرف، ولا ماذا حدث في اليوم الذي يحمله الرقم.
لعل هذا ما تضيفه حكاية صغيرة في ختام ليلة صاخبة: تمنحنا دقيقة نستعيد فيها ما كاد ضجيج العالم يطمره فينا؛ فالعالم لا يصبح جديرًا بالنجاة بما نعرفه عنه فقط، بل بما يبقى في أرواحنا من قدرة على الحب والتذكر وانتظار الجميل.
ربما مضى صاحب الاسم، وربما ما زال قريبًا، وربما لم تبدأ الحكاية بعد.
لكن الساعة بقيت على معصمها، والحرف والرقم بقيا على قرصها، واليد بقيت ممسكة بالرداء؛ كأن بعض الأسماء لا تحتاج إلى أن تُقال كي تظل حاضرة، وبعض الأيام لا يغادرنا معناها حتى بعدما تغادرها عقارب الزمن.
لم تكن الساعة تشير إلى الوقت؛ كانت تشير إليه.