المساكنة الملعون

news image

المرض يوقظ الحياة

الصحافية اللبنانية منى سكرية تقرأ «المساكنة الملعونة» للطبيبة والروائية السورية سوسن جميل حسن؛ يوميات كتبتها في مواجهة السرطان، فتحول المرض فيها إلى أسئلة عن الموت والكتابة والأبناء والصداقة والجمال والأمل

بيروت : بث

تقرأ الصحافية اللبنانية منى سكرية في كتاب «المساكنة الملعونة: يوميات الشوق إلى الحياة» تجربة الطبيبة والروائية السورية سوسن جميل حسن منذ اكتشاف ورم في المخيخ، وما فتحه المرض أمامها من أسئلة عن الموت والكتابة والحب والصداقة والجمال والأمل.

ولا تقف اليوميات عند حدود السيرة المرضية؛ بل تتحول إلى شهادة إنسانية ومعرفية عن مقاومة الخوف، وحماية العقل من الانطفاء، واستعادة معنى الحياة حين تصبح مهددة.

كتبت: منى سكرية | صحافية لبنانية

سيرة مَن نقرأ في «المساكنة الملعونة»؟ سيرة خلايا خبيثة تسلّلت إلى قحف دماغ الطبيبة والروائية السورية سوسن جميل حسن، أم سيرة الكاتبة نفسها في مواجهة هذا المرض الخبيث؟

أسئلة تتوارد وتتوالى عند قراءة النص، ومشاعر شتى تستوقف أفكارنا تأثرًا بما استولده المرض الطارئ في نظرتها، ونظرتنا، إلى الحياة ومعناها؛ إلى الكتابة والحب والصداقة والأمل والتفاؤل. أما «سيّد» القائمة فهو الموت.

يتراوح نص الكتاب بين السيري والفلسفي والعلمي والعملي، لكن أهم ما يحمله هو تجربة ذات رسالة أخلاقية وإنسانية نبيلة لمن سيعانون أمراض السرطان، ولأسرهم، في كيفية التعامل النفسي مع المرض، واستحضار أدوات المواجهة لعبور يوميات انقضاضه المتوحش على جسد المريض وتوازنه النفسي.

صدر الكتاب في 265 صفحة عن «منشورات الربيع» في مصر، وحمل عنوانًا فرعيًا هو: «يوميات الشوق إلى الحياة».

تقول الطبيبة والروائية والرسامة والأم والأخت والابنة لوالدين راحلين أكرماها بتربية عالية القيم الإنسانية، ووالدها الشاعر الراحل جميل حسن:

«كانت تلك اللحظة في 27 آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي. لم أمت ليلتها، لكن شيئًا في داخلي تغير. إنه الحلم، بل الوعد، وكيف تكون الحياة من دون وعد؟ أم أن الموت هو الوعد الحقيقي؟! عرفت هذا مباشرة بعد أن أظهر التصوير الطبقي المحوري لرأسي أن هناك ورمًا في المخيخ».

كانت تلك بداية مرحلة جديدة في حياتها؛ بدأت في بهو الإسعاف في مستشفى «شاريتيه» في برلين، حيث راحت، كما تقول، تنزلق في متاهة مظلمة. وخلال ساعة واحدة أصبحت تشبه «جريدة عتيقة مجعلكة».

عندها بدأت أسئلتها: كيف يتغير الإنسان بين لحظة وأخرى؟ ولماذا؟

استدرج المرض المفاجئ سوسن الإنسانة إلى حقله، فأتاح لها الوقوف أمام مرآة سنوات عمرها وتجاربها، والتأني في تهجئة حروف الموت. لكنها، منذ البداية، استبطنت نية تسجيل يومياتها لحظة بلحظة.

وطغى الحس الروائي فيها؛ لأنها لم تُرِد أن تمنح دماغها فترة استرخاء، خوفًا من تراجع أدائه. وهذا ما لمسناه في مقالاتها المواكبة للأحداث، المكتوبة بلغة تتعالى على الانقسامات والتحريض، وبأسلوب تمايزت به في ميدان الثقافة والمعرفة.

لم تستطع إكمال رواية كانت قد وضعت هيكلها وخطوطها بسبب المرض المفاجئ، لكنها، على طريقة شهرزاد، صنعت بأصابعها فوق مفاتيح الحاسوب عناصر مواجهة شهريار المستبد.

وبعد اللحظة التي أرّخت بها حياتها إلى ما قبل السرطان وما بعده، احتمت بلغتها الأم، وسألت نفسها: لماذا أكتب؟

فكانت «المساكنة الملعونة» حبرًا ودموعًا على صفحات إصدار جديد، زاخر بنزيف روحها وآلامها، وبإرادة تدربت طويلًا على المواجهة والتحمل.

إنها كتابة تألقت فيها بذور الروائية، بأسلوب متفجر عاطفة وحبًا وإبداعًا. فقبل دخولها في «الوسن المباغت»، بعد حقنها بالمخدر لإجراء العملية الجراحية، احتفظت ذاكرتها البصرية بنظرات ولديها ميسون ومحمد، اللذين يتكرر اسماهما في صفحات الكتاب ومحطاته، شاهدين على أبهى صور البر بالأم.

وتلك واحدة من رسائل سوسن في محنتها: حضور الأبناء والأهل ليس تفصيلًا عاطفيًا حول المريض، بل قوة تسنده في مواجهته.

بعد الجراحة، لم تصدق أنها عادت إلى الحياة من جديد، وكتبت:

«يا لهذه الحياة الجبارة، إنها لا تستسلم. ففي طرفة عين نسيت كل هواجسي، واستمرأت إحساس الجوع، ونسيت ما أنا فيه. غاب شبح الموت عني بمجرد انتظاري عربة الطعام».

وللكاتبة مع الطعام دروس في فنونه؛ فهي تتقن الطبخ والحلويات، وتستحضر ثقافة الطعام لدى الشعوب، ومطابخ بلاد الشام وتركيا، وما شاهدته في متحف المأكولات في برلين، المدينة التي تعيش فيها بعيدًا عن اللاذقية و«سورياها» الحبيبة.

لكن الطعام في ثقافتها وتكوينها الذوقي يتجاوز الحاجة الجسدية؛ فهو يحمل أبعادًا اجتماعية تستعيد العلاقات الأسرية والصداقات والولائم المفعمة بالمحبة وحسن الضيافة، وتقودها إلى سؤال السعادة.

هل تستطيع تعريفها؟

تقول:

«إنها مفهوم إشكالي ومعقد، ويكاد يكون بلا تعريف، هكذا يتراءى لي. إنه سؤال مضمر في زاوية عميقة من النفس، يظهر إلى الضوء بشكل موارب ومضلل، خصوصًا عند التعثر في الحياة أو استحالة تحقيق كثير من الرغبات».

لم تصل إلى فهم نهائي للسعادة، لكنها تواست بأن الفلاسفة أنفسهم لم يتوصلوا إلى تعريف محدد لها، واختلفت نظرياتهم حولها.

تستحضر أرسطو، الذي رأى أن الخير البشري يكمن في نشاط الروح بما يتفق مع الفضيلة؛ وكونفوشيوس، الذي قال إن الناس يعتقدون أن السعادة موجودة في قمة الجبل، بينما تكمن في طريقة تسلقه؛ كما تستدعي لاو تسو وكانط وشوبنهاور ونيتشه، الذي يرى أن الحياة لا تميل إلى السعادة، بل هي طاقة تدفع كل كائن حي إلى توسيع قوته.

ومن السعادة الملتبسة تفسيرًا، تنتقل إلى سؤال الأمل والتفاؤل لدى المرضى في مثل حالتها:

«عندما غادرت المستشفى لم أكن أفكر في شيء أكثر من أن أبقى واقفة على قدميّ. كان لدي أمل في الغد، ولكن على ماذا يقوم هذا الأمل؟ في الواقع لم أكن أدري، لكنني أؤمن أنني ما دمت بصحة بدنية وعقلية، أستطيع إنجاز شيء ما في الحياة».

وتضيف أن محبتها لابنتها ميسون وابنها محمد، وشغفها بالحلم بمستقبلهما، جعلا الأمل ينمو في داخلها ويحميها من السقوط في اليأس.

ثم تسأل: أيهما أجدى في حالتها؛ الأمل أم التفاؤل؟

فالتفاؤل، كما يُوصف، حالة ذهنية إيجابية تنتمي إلى علم النفس الإيجابي، وتعمل درعًا في مواجهة صعوبات الحياة، وتعزز الرضا عنها والرؤية الإيجابية للمستقبل.

لكن أي مستقبل ينتظر من يشعر بأن وحشًا يقبع في أحشائه ورأسه، ولا يتوقف عن التحرش الشرس به؟

وهل يستطيع أن يلتقط لحظة الأمل ويتشبث بها، ليتفاءل بمستقبله القريب؟

تبث سوسن رسالة أخرى إلى الأهل عن تأثير الأبناء والأحبة الإيجابي في المريض. وتتأمل المكان متسائلة: «ما الأمكنة من دوننا؟»

وعن الصداقة وتأثيرها في روح المريض وحياته، تستعيد صداقات المدرسة والطفولة، وتسأل: أين تكمن الصداقة؟

وتجيب:

«إنها مفهوم غامض؛ فهي شعور أقل حدة من الحب وأعمق من المودة. ربما الصديق هو الأنا الآخر، هو أنا آخر».

وسط الضعف والهشاشة، تغرق في دوامة أسئلة الحياة والموت، وتقول إن أكثر ما تحتاج إليه هو العزلة؛ تلك العزلة التي دفعتها إلى سؤال الجمال.

وكيف لمريضة تشعر بأن الموت اقترب منها أن تتحدث عن فلسفة الجمال؟

تقول إن الفكرة شغلتها وملأت فراغ وقتها الممتد، وهي رهينة غرفة في جناح الأورام. كانت، بعد انتهاء تسريب الجرعة في أوردتها على مدى أكثر من ست ساعات، تمضي وقتها مستلقية على السرير، أو تتجول في البهو، وأحيانًا خارج الجناح، حيث الشوارع المتقاطعة والحدائق والأزهار والعصافير وضجيج حياة عامرة حول المستشفى.

هناك داهمتها فكرة الجمال: جمال المكان والحياة التي تواصل حركتها خارج غرفة المرض.

ولا تنسى أن تقدم إلى مرضى السرطان شيئًا من خبرتها العملية؛ فتقول إنها لم تستعمل الأقراص التي أعطيت لها لعلاج الغثيان والقيء، بل عملت على إسكات الشعور بتمرين نفسي على ضبطه من جهة، وبالأكل وتنويعه من جهة أخرى، لتستعيد بعض وزنها وتحافظ على نسبة مقبولة من خضاب الدم وتحمي نفسها من فقر الدم.

وتقول إنها نجحت في ذلك التحدي.

لكن هذه التجربة الشخصية لا ينبغي أن تُفهم وصفة علاجية عامة؛ فلكل مريض حالته، وما ترويه سوسن هو جزء من تجربتها الخاصة في المواجهة والتحمل.

ولعل قدرتها على التحدي امتداد لشخصيتها منذ الصغر؛ فقد كانت تحرز المرتبة الأولى في كل صف دراسي، ليس في مدرستها الثانوية فقط، بل على مستوى ثانويات المحافظة، وكانت تنافس في الكرة الطائرة، وتمتلك موهبة التفصيل والخياطة وفق أحدث صيحات الأزياء.

وكانت تهرع إلى المكتبة في أوائل كل شهر لشراء العدد الجديد من مجلة «بوردا»، التي جابت الآفاق ولاقت رواجًا واسعًا.

جعلتها موهبة التفصيل والأزياء أنيقة المظهر وحريصة عليه، ثم داهمها الحب وهي في سنتها الجامعية الأولى، وتزوجت الشاب الذي أغدق عليها كرمه.

ومن قلب المحنة تعود إلى سؤال الحب:

«من قلب معاناتي وآلامي وقلقي وانتظار موتي، أحب الناس كثيرًا، وأحب شجيرات الزيتون في حديقتي باللاذقية، وأحب بيروت القريبة جدًا من قلبي، مثلما هي قريبة من سوريا، بلادي الروحية».

وكانت لزيارتها الأخيرة إلى بيروت، في نوفمبر 2025، بعدما وافق طبيبها على سفرها، وطأة حميمة وعائلية. هناك التقت إخوتها، واستنزفت الرحلة دموع ابنتها ميسون.

ودفعها اللقاء إلى سؤال الحنين: ما هو الحنين؟

تستحضر نظريات ودراسات حديثة خلصت إلى أن الحنين، حين لا يكون طاغيًا، يمثل رافدًا إيجابيًا للنفس؛ إذ يمنح الحياة معنى في مواجهة الموت المحتوم، ويؤدي وظيفة وجودية.

ومن تجربتها تنصح:

«كنت مقتنعة في داخلي بأن الغضب لن يساعدني في تجاوز محنتي. أما الحزن، فأنا حزينة، لكنني أكبحه كلما تمادى على روحي أكثر».

هكذا يتحول «المساكنة الملعونة» من يوميات مرض إلى دفاع طويل عن الحياة؛ فلا تنكر سوسن جميل حسن الخوف، ولا تدّعي بطولة خالية من الضعف، ولا تقدم التفاؤل وصفة سهلة.

إنها تكتب من داخل الألم، وتراقب جسدها وروحها، وتستعين بالأبناء والأصدقاء والذاكرة والطعام والفلسفة والجمال والحنين، كي تعيد بناء علاقتها بالعالم.

ونحن ننصح بقراءة هذا النص الممتع، الذي يزين غلافه بورتريه لسوسن يعود إلى أيام الجامعة؛ تبدو فيه غجرية في برية الحياة، بنظرات ملؤها الأساطير اليونانية.

لكن الأهم من صورة الغلاف هو ما تقوله الصفحات: أن المريض لا يصبح مرضه، وأن اقتراب الموت لا يلغي الحياة، بل قد يجعل تفاصيلها الصغيرة أكثر وضوحًا وقيمة.

في «المساكنة الملعونة»، لا تنتصر الكاتبة على السرطان بإعلان نتيجة المعركة، بل بإصرارها على أن تبقى صاحبة الكلمة فيها.

تكتب كي لا يحتل المرض جسدها وحكايتها معًا، وكي يظل الشوق إلى الحياة أقوى من المساكنة المفروضة مع الموت.
____

لـ بث من مؤسسة الفكر العربي