العربية تصدر العدد 600
عدد سبتمبر يفتح ملف الأزياء الشعبية بوصفها ذاكرة للجسد والهوية والانتماء، ويضم قراءات في الثقافة والتراث والفنون والتحولات الرقمية، مصحوبًا بكتاب يتتبع أسماء الحبيبات في الشعر العربي
الرياض | بث
أصدرت «المجلة العربية» عددها الـ600 لشهر سبتمبر 2026، متخذة من الأزياء الشعبية ملفًا رئيسًا، تقرأ من خلاله علاقة اللباس بالهوية والذاكرة والانتماء، وما تختزنه الأقمشة والألوان والتطريزات من تاريخ اجتماعي وثقافي للمجتمعات العربية.
ويحمل الملف عنوان «الأزياء الشعبية.. ذاكرة الجسد وفلسفة الانتماء»، ويشارك فيه كتّاب ومراسلون من السعودية ومصر والسودان وتونس والأردن والمغرب وليبيا، متناولين جغرافيا الملابس، ودلالات النقوش والرموز، وتأثير البيئة والهجرات والتجارة في تشكيل الأزياء العربية.
ولا يقف الملف عند توثيق الموروث، بل يناقش مستقبله، وكيف يمكن نقل الزي الشعبي من قطعة محفوظة في المتحف إلى مصدر إلهام واستثمار ثقافي وصناعي، من دون تجميده أو تجريده من أصالته.
ويتضمن العدد موضوعات عن المتحف التعليمي، وصناعة الأجيال في التراث الإسلامي، والنسيان في العصر الرقمي، وتسليع الإنسان عبر مواقع التواصل، وفن الاستمتاع بالفن، إلى جانب دراسات أدبية وسينمائية وتشكيلية، ونصوص إبداعية وقصص وقصائد.
كما يضم حوارين مع الكاتبة الكورية الجنوبية إنعام كهج جي، التي تتحدث عن علاقتها بالصحافة وتأثرها بخالها، والروائي المصري أيمن رجب حول توظيف الأحداث التاريخية في التخييل، إضافة إلى قراءة في تجربة يوسف جوهر، أحد رواد كتابة السيناريو في السينما المصرية.
وأرفقت المجلة بالعدد كتابًا للكاتب والشاعر السعودي محمد الجلواح بعنوان «اسم الحبيبة في الشعر العربي بين الكشف والإخفاء»، يتتبع حضور أسماء المحبوبات في القصائد العربية منذ العصر الجاهلي حتى الشعر المعاصر.
ويمثل بلوغ «المجلة العربية» العدد 600 محطة في مسيرة مجلة ثقافية سعودية استمرت في تقديم الملفات الأدبية والفكرية، وإرفاق كل عدد بكتاب يتيح للقارئ الانتقال من المادة الدورية إلى القراءة المتخصصة.
الحبيبة بين اسمين
محمد الجلواح يتتبع أكثر من مئة شاعر منذ الجاهلية حتى العصر الحديث، ليرصد متى أعلن الشاعر اسم محبوبته، ومتى أخفاه، وكيف لجأ إلى الكنية والوصف والرمز حين أراد أن يقول الحب ولا يقول الاسم
صدر كتاب «اسم الحبيبة في الشعر العربي بين الكشف والإخفاء» للكاتب والشاعر السعودي محمد الجلواح في 108 صفحات، ضمن سلسلة «كتاب المجلة العربية»، مرافقًا للعدد الـ600.
وينطلق الكتاب من تفصيل يبدو صغيرًا في القصيدة العربية: اسم المرأة التي يخاطبها الشاعر. لكنه يحوله إلى مدخل لقراءة العلاقة بين الحب والشعر والمجتمع والذاكرة، وطريقة انتقال المرأة من شخص حقيقي في حياة الشاعر إلى اسم أدبي قد يبقى قرونًا بعد رحيل صاحبيه.
فالقصيدة قد تصرح باسم ليلى أو سلمى أو هند أو سعاد، وقد تخفي الاسم كله، أو تستبدله بكنية ووصف وحرف ورمز. وقد يعلن الشاعر اسمًا في قصيدة، ثم يختبئ خلف التلميح في أخرى.
وهنا يطرح الكتاب سؤاله المركزي:
لماذا يخلّد شاعر اسم محبوبته، بينما يكتب آخر أجمل قصائد الحب من دون أن يسمح لنا بمعرفة مَن كانت؟
ليس تحقيقًا في الحب
يوضح الجلواح منذ المقدمة أن غايته ليست التحقيق في هوية النساء، ولا إثبات ما إذا كانت الأسماء الواردة حقيقية أم مستعارة، ولا الفصل في حقيقة العلاقة بين الشاعر والمرأة المذكورة.
فقد تكون «ليلى» امرأة بعينها، وقد تكون اسمًا شعريًا مستعارًا. وقد يستخدم الشاعر اسمًا شائعًا ليحمي محبوبته الحقيقية، أو ليبني رمزًا أنثويًا يخدم القصيدة.
ولهذا يترك المؤلف مهمة التحقق التاريخي للباحثين والمحققين، ويقصر عمله على رصد الاسم كما ظهر في النص، والطريقة التي اختارها الشاعر للكشف أو الإخفاء.
كما يحصر دراسته في شعر الرجال عن النساء، ولا يتناول أسماء المحبوبين في شعر الشاعرات. ويوسع معنى الحبيبة ليشمل المحبوبة والمعشوقة والزوجة والخليلة والصديقة والجارية، وغيرها من النساء اللاتي دخلن التجربة العاطفية للشاعر.
أربع طرائق
يخلص المؤلف إلى أن الشعراء العرب يمكن توزيعهم، من حيث تعاملهم مع اسم الحبيبة، على أربع فئات:
الكشف الصريح
شعراء أعلنوا الاسم بوضوح، وكرروه في أكثر من بيت وقصيدة، وربما جعلوه عنوانًا للنص، وجاهروا بحب صاحبته.
ويمتد هذا المسار من شعراء ما قبل الإسلام وصدر الإسلام إلى العصور الأموية والعباسية والحديثة. ومن أمثلته حضور ليلى وسلمى وهند وسعاد وفاطمة ولبنى ومها وغيرها في دواوين الشعراء.
ويستعرض الكتاب أسماء كثيرة، من بينها ليلى الأخيلية في شعر توبة بن الحميّر، وليلى وهند وسلمى في شعر الأخطل الصغير، ودعد وهند وأروى ولبنى في شعر البحتري، إلى جانب عشرات الأسماء التي انتقلت من الحياة الخاصة إلى الذاكرة الأدبية.
لكن المؤلف يذكّر بأن التصريح بالاسم لا يثبت بالضرورة أنه الاسم الحقيقي؛ فقد يكون الإعلان نفسه نوعًا من الإخفاء.
الإخفاء الكامل
في المقابل، يعرض الكتاب شعراء كتبوا الحب ولم يذكروا اسم المرأة مطلقًا، أو تجنبوا التصريح به رغم معرفة الدارسين بهويتها من مصادر أخرى.
ومن أبرز الأمثلة ابن زيدون؛ فقد كتب قصيدته الشهيرة في ولّادة بنت المستكفي، لكنه لم يذكر اسمها داخلها، واكتفى بالمخاطبة والإشارة، قائلًا:
أضحى التنائي بديلًا من تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا
ويضع الكتاب ضمن هذه الفئة شعراء من عصور مختلفة، منهم حافظ إبراهيم، وخليل مطران، وميخائيل نعيمة، والمتنبي الذي امتلأ شعره بتجربة الحب ووصف المحبوبة من دون أن يمنحها اسمًا صريحًا.
ويكشف هذا المسار أن غياب الاسم لا يعني غياب المرأة؛ فقد تكون حاضرة في كل بيت، لكن الشاعر يفصل بين إعلان الحب وكشف صاحبته.
التلميح والكنية والرمز
تلجأ فئة ثالثة إلى منطقة وسطى: لا تذكر الاسم، لكنها لا تترك الحبيبة مجهولة تمامًا.
يستخدم الشاعر حرفًا واحدًا، أو كنية، أو صفة، أو اسمًا رمزيًا، أو يناديها بـ«يا حسناء» و«يا وردة» و«رفيقة الدرب» و«ربّة الخال»، أو يمنحها اسمًا أدبيًا لا يكشف هويتها الواقعية.
ويبرز إبراهيم ناجي مثالًا غنيًا؛ فهو يكشف بعض الأسماء مثل أمينة وسونيا، ويلجأ في مواضع أخرى إلى حرف «س»، أو يطلق على محبوبته اسم «نفرتيتي الجديدة»، جامعًا بين الشخص والرمز والصورة التاريخية.
ولا يكون الرمز أضعف من الاسم دائمًا؛ فقد يمنح المحبوبة حضورًا أوسع، وينقلها من امرأة يعرفها الشاعر إلى صورة يستطيع كل قارئ أن يجد فيها محبوبته.
المزاوجة بينهما
الفئة الرابعة هي الأكثر تعقيدًا؛ إذ يجمع الشاعر بين الكشف والإخفاء داخل تجربته الواحدة.
قد يذكر اسمًا صريحًا، ثم يستخدم الوصف في قصيدة أخرى، أو يضع اسم المرأة عنوانًا للنص ولا يورده داخله، أو يكشف اسمًا ويستبدل آخر بحرف أو رمز.
وهذه الفئة تكشف أن الاختيار ليس موقفًا ثابتًا دائمًا؛ بل قرار يتغير بحسب المرأة والمرحلة والبيئة والقصيدة ومقدار ما يريد الشاعر أن يقوله أو يحميه.
خمسة فصول
يقسم الجلواح الكتاب إلى خمسة فصول:
- كشف اسم الحبيبة.
- إخفاء اسم الحبيبة.
- التلميح والكنى والوصف والإشارة والترميز.
- المزاوجة بين الكشف والإخفاء.
- الشعراء السعوديون المعاصرون.
ولا يسير الكتاب بوصفه تاريخًا للحب في الشعر، بل يقدم شواهد مختارة، مع تعريفات موجزة بالشعراء ومطالع قصائدهم والمصادر التي وردت فيها الأبيات.
ويضم شواهد لأكثر من مئة شاعر، بما يجعله أقرب إلى معجم أدبي موضوعي مختصر يجمع مادة كانت موزعة في الدواوين وكتب التراجم والدراسات.
الشعراء السعوديون
يخصص المؤلف فصلًا للشعراء السعوديين المعاصرين، يرصد فيه استمرار الأساليب الأربعة داخل القصيدة السعودية.
ويحضر الأمير خالد الفيصل نموذجًا للمزاوجة بين الإخفاء والكشف؛ فهو يلمح إلى اسم المحبوبة في بعض نصوصه، ويذكر اسم زوجته الأميرة العنود في إهداءات وأبيات أخرى.
كما يتوقف الكتاب عند غازي القصيبي، الذي يذكر «كريستينا» في إحدى قصائده، مع بقاء احتمال أن يكون الاسم قناعًا أدبيًا لا كشفًا عن هوية حقيقية، وعند شعراء آخرين يصرحون بأسماء مثل حسناء ومريم ومها وإيمان، أو يكتفون بالنداء والصفة والحرف.
وتنبع أهمية هذا الفصل من أنه لا يعامل الظاهرة بوصفها تقليدًا قديمًا انتهى، بل يثبت استمرارها داخل المجتمع الحديث، وإن أصبحت حساسية كشف الاسم أكبر لدى كثير من الشعراء المعاصرين.
الاسم والذاكرة
تكمن الفكرة الأجمل في الكتاب في أن ذكر الاسم ليس تفصيلًا لغويًا بريئًا.
فالشاعر الذي يكتب اسم محبوبته قد يريد البرهنة على صدق حبه، أو تخليد المرأة والاحتفاظ بها داخل القصيدة، أو تحويل العلاقة الخاصة إلى إعلان أدبي.
أما الذي يخفي الاسم فقد يفعل ذلك حمايةً لها، أو مراعاةً للمجتمع، أو خوفًا من الوشاة، أو رغبةً في تعميم التجربة حتى تصبح الحبيبة قابلة لأن تكون امرأة كل قارئ.
وبين الطرفين، يصبح الرمز وسيلة ذكية للقول والكتمان معًا: يعرف الشاعر مَن يقصد، وقد تعرف هي أنه يقصدها، بينما يبقى القارئ أمام باب موارب.
قيمة الكتاب
لا يقدم محمد الجلواح دراسة نقدية نظرية في صورة المرأة أو فلسفة الحب، ولا يدعي الوصول إلى الحقائق الخفية وراء كل اسم. قوته في الرصد والجمع والتصنيف، وفي وضع عدد كبير من الشواهد داخل سؤال واحد لم يكن عادةً محورًا مستقلًا للقراءة.
وهو كتاب يصلح مرجعًا أوليًا سريعًا للباحث، ورحلة ممتعة للقارئ؛ إذ يجعله يعيد قراءة القصائد المألوفة بعين مختلفة، ويسأل عند كل اسم: هل كشف الشاعر محبوبته حقًا، أم استخدم الاسم لكي يخفيها؟
فالمرأة قد تغيب عن كتب التاريخ، لكن اسمها يبقى في بيت شعر. وقد تختفي هي ويبقى اسمها، أو يختفي الاسم كله وتبقى العاطفة أوضح من كل الأسماء.
وفي الشعر العربي، لم يكن اسم الحبيبة مجرد تعريف بها؛ بل كان قرارًا بين الوفاء والستر، وبين تخليد الحب وحماية سره.