عيوبنا الرائعة

news image

لسنا رائعين لأننا بلا عيوب، بل لأن فينا نقصًا عرفناه فهذّبناه، وضعفًا لم نسمح له أن يؤذي غيرنا، وتفاصيل صغيرة أحبّها فينا من رأونا بعيون جميلة

 

كتب: عبدالله العميره

من لا عيوب فيه؟

سؤال لا يحتاج إلى إجابة؛ فنحن لا نأتي إلى الحياة مكتملين، ولا نعبرها من دون أن تترك فينا شيئًا من الخوف، والتردد، والعناد، والحساسية، والانفعال.

ولعل أكثر عيوبنا وضوحًا هي تلك التي لا نراها.

نعيش معها طويلًا حتى نظنها جزءًا طبيعيًا من الأشياء، بينما يراها الآخرون في كلماتنا، وردود أفعالنا، وفي المسافة التي نتركها أحيانًا بيننا وبين من نحب.

ولهذا قيل:

«رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي».

وسُمّي كشف العيب هدية؛ لأن من يريك ما خفي عنك يمنحك فرصة لأن تصبح أفضل.

لكن ليس كل من تحدث عن عيوبنا ناصحًا.

فبعض الناس يكشف العيب ليستر ما هو أكبر منه، وبعضهم يرفعه أمام الآخرين كي يصغر صاحبه، لا كي يصلح.

والفارق بين النصيحة والتشهير ليس في العبارة وحدها، بل في النية والطريقة والمكان.

النصيحة تأتيك سرًا، وتضع يدها برفق على موضع الخلل، ثم تترك لك بابًا تعبر منه إلى الإصلاح.

أما التشهير فينادي الناس إلى عيبك، ويختزلك فيه، ثم يقف بعيدًا يتأمل ما أحدثه من ألم.

من ينصحك يريدك أجمل.

ومن يفضحك يريد أن يبدو أجمل منك.

ومع ذلك، لا يعني النظر إلى العيوب بعيون جميلة إنكارها، ولا تحويل الخطأ إلى صواب، ولا احتمال الأذى باسم الحب.

العين الجميلة لا تكون عمياء؛ لكنها ترى الإنسان أكبر من عيبه.

ترى خلف الغضب خوفًا لم يُحسن التعبير عن نفسه، وخلف التردد قلبًا يخشى الخطأ، وخلف الحساسية روحًا تستقبل الأشياء بعمق يفوق قدرتها على الاحتمال.

هي لا تبرر العيب، لكنها تحاول فهمه قبل أن تحكم على صاحبه.

ولذلك قيل:

وعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ
ولكنَّ عينَ السخطِ تُبدي المساويا

وتُروى عن قيس بن الملوح حكاية تختصر ذلك كله؛ إذ قيل له: كيف تعشق ليلى وليست جميلة؟

فقال:

«خذوا عينيَّ وانظروا بها».

فالجمال لا يسكن الملامح وحدها، بل يسكن أيضًا العين التي تنظر، والقلب الذي يعرف ما لا يراه العابرون.

وربما لا يكون صحيحًا أن المحبين لا يرون عيوب من يحبون؛ إنهم يرونها، لكنهم لا يرون الإنسان من خلالها وحدها. فالعابر يلمح العيب منفردًا، بينما يرى المحب الحكاية كلها.

الحب الصادق لا يعمي العين عن العيوب، بل يمنع العيوب من أن تعميها عن الجمال.

وبعض ما نسميه عيوبًا ليس شرًا خالصًا، بل صفات فقدت ميزانها.

فالحساسية حين تنضج تصبح تعاطفًا، والعناد إذا تهذب يصبح ثباتًا، والخوف حين يُفهم يصبح حذرًا، وكثرة التفكير إذا انضبطت تصبح بصيرة.

لسنا دائمًا بحاجة إلى اقتلاع الصفة من جذورها؛ فقد نحتاج فقط إلى تهذيبها، وضبط مقدارها، وتغيير الوجهة التي تسير نحوها.

لكن ليست كل العيوب رائعة.

فالكذب لا يصبح ذكاءً، والقسوة ليست قوة، والخيانة لا تتحول إلى حرية لمجرد أننا اخترنا لها اسمًا ألطف.

ما يؤذي الآخرين ويهدم الثقة يحتاج إلى اعتراف وإصلاح، لا إلى كلمات جميلة تحميه من المواجهة.

أما تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تؤذي أحدًا؛ ضحكة غير مرتبة، أو ارتباك صادق، أو قلب تفضحه رقته كلما حاول أن يبدو قويًا، فقد تكون هي ما يجعلنا قريبين وحقيقيين.

وربما لو اختفت، أصبحنا أكثر كمالًا في أعين الناس، لكننا سنكون أقل حضورًا في قلب من يعرفنا.

فالإنسان لا يصبح رائعًا حين تختفي عيوبه كلها؛ فهذا كمال لا يحدث.

يصبح رائعًا حين يعرفها فلا يتكبر، ويسمع من ينبهه إليها فلا ينتقم، ويصلح ما يستطيع، ويمنع ما بقي منها من إيذاء الآخرين.

فالروعة ليست أن نكون بلا عيوب، بل ألّا نترك عيوبنا بلا تهذيب.