حين يصبح اليوم أخفّ
ليس أجمل الناس من يملأ وقتنا بالكلام، بل من يمنح الحياة شيئًا من رقّته لمجرد أنه موجود فيها.
كتب: عبدالله العميره
تتشابه بعض الأيام حتى نظن أنها ستمضي من دون أن تترك فينا أثرًا.
تمضي الساعات بين الأعمال والأخبار والتفاصيل الصغيرة، ونواصل يومنا كما اعتدنا، من دون أن ننتظر شيئًا مختلفًا.
ثم يحضر شخص بعينه.
قد يقول كلمة عادية، أو يشاركنا صمتًا قصيرًا، أو يطمئن علينا بطريقة تجعل السؤال نفسه يحمل شيئًا من الحنان.
وفجأة، يصبح اليوم أخفّ.
لا لأن الحياة تغيرت، بل لأن حضورًا جميلًا مرّ بها، ومنح الروح قدرًا من الهدوء لم تكن تعرف أنها تحتاج إليه.
هناك أشخاص يمتلكون هذه القدرة من دون أن يعرفوا.
لا يغيرون تفاصيل الحياة، لكنهم يغيرون إحساسنا بها. تبقى الأيام على إيقاعها المعتاد، غير أن القلب يصبح أكثر صفاءً حين يشعر أن في هذا العالم من يفهم صمته، ويقرأ ما وراء كلماته، ويستقبله كما هو.
وربما كانت هذه أرقى صور القرب:
أن يجد الإنسان من لا يطالبه بالتفسير الطويل، ولا ينتظر منه أن يرتب مشاعره قبل أن يتحدث، ولا يحتاج أمامه إلى انتقاء كلماته بعناية.
يكفي أن يكون كما هو.
فبعض الأيام لا تحتاج إلى حديث طويل، بل إلى حضور هادئ يترك للنفس وقتها، ويمنح الصمت معناه، ويجعل اللحظة أكثر ألفة.
ونحن لا نبحث دائمًا عمن يملك الإجابات.
أحيانًا يكفينا من يعيد إلى اليوم بساطته، وإلى الأشياء الصغيرة جمالها الذي غاب قليلًا وسط الانشغال.
من نسمع صوته، فتتراجع الأسئلة إلى مكان بعيد.
ومن نغادره وقد بقيت الحياة كما هي، لكن نظرتنا إليها أصبحت أكثر لطفًا.
ولعل الحب في أجمل صوره ليس اندفاعًا كبيرًا، ولا كلمات مدهشة؛ بل ذلك الأمان الهادئ الذي يسمح للإنسان بأن يكون على طبيعته، ويشعره بأن حضوره ملحوظ، وصمته مفهوم، ومكانه محفوظ من دون أن يطلب ذلك.
وقد لا يعرف الذين يجعلون أيامنا أخفّ مقدار ما يضيفونه إليها.
ربما قالوا جملة نسوها، فاحتفظنا نحن بها طويلًا، أو تركوا في القلب ابتسامة ظلت حاضرة بقية اليوم.
لهذا، لا ينبغي أن نتعامل مع وجودهم باعتباره أمرًا عاديًا؛ فالأشخاص الذين يمنحون الوقت معنى أجمل لا يتكررون كثيرًا.
وفي نهاية المساء، قد لا نتذكر كل ما أنجزناه، ولا الأحاديث الكثيرة التي دارت حولنا.
لكننا نتذكر ذلك الشخص الذي جعل الوقت ألطف، والابتسامة أقرب، واليوم أخفّ.
فأجمل من نلتقيهم ليسوا الذين يغيّرون العالم كله، بل الذين يجعلون العالم في قلوبنا أكثر جمالًا.