كيف يصوغ الإعلام روايته؟

news image

خبر واحد يدخل ثلاث غرف تحرير؛ فيخرج من الأولى رواية تستند إلى الواقع، ومن الثانية واقعًا محرّفًا، ومن الثالثة رواية صنعتها الأجندة قبل وقوع الحدث.. فكيف يكتشف القارئ الفرق؟

 

كتب: عبدالله العميره

عند الساعة الثامنة وسبع عشرة دقيقة صباحًا، وصل المقطع نفسه إلى ثلاث غرف تحرير في ثلاث عواصم مختلفة.

اثنتان وأربعون ثانية صوّرها هاتف محمول في ساحة مزدحمة.

تبدأ الصورة بأشخاص يرفعون أصواتهم، ثم يتحرك الصف الأمامي فجأة، ويتقدم أفراد من الشرطة، ويسقط رجل على الأرض. وفي الثواني الأخيرة يظهر جسم يطير من طرف الحشد، قبل أن يحجب الدخان جزءًا من المشهد وينقطع التصوير.

لم يكن المقطع واضحًا بما يكفي ليخبر المشاهد بكل شيء.

لم يُظهر كيف بدأ التجمع، ولا من دفع أولًا، ولا طبيعة الجسم المقذوف، ولا ما حدث للرجل بعد سقوطه.

كان ما وصل إلى غرف التحرير جزءًا من الواقعة، لا الواقعة كلها.

لكن قبل اكتمال المعلومات، كانت العناوين قد بدأت تتشكل.

الغرفة الأولى

شاهد المحرر المقطع مرة، ثم أعاده من دون صوت.

لم يبحث عن أكثر لحظة إثارة، بل عن التفاصيل التي يمكن التحقق منها: واجهة المبنى، واتجاه الظلال، ولوحة صغيرة في طرف الساحة، واللحظة التي بدأ عندها الاضطراب.

سأل:

من صوّر المقطع؟

متى التقطه؟

هل هذه نسخته الأصلية؟

وماذا حدث قبل بدايته وبعد نهايته؟

اتصل بالمصور، وطلب الملف الكامل، ثم قارن الموقع بصور سابقة للساحة. وتواصل مع الشرطة ومنظمي التجمع ومسعف كان قريبًا من الرجل الذي سقط.

ظهرت روايات مختلفة، لكنها اتفقت على وقوع تدافع وإصابة أشخاص، ولم تتفق على الطرف الذي بدأ المواجهة.

بعد ساعة، خرج الخبر بعنوان:

تدافع في ساحة المدينة.. والتحقيق يحدد سبب المواجهة

لم يكن العنوان مثيرًا، ولم يمنح القارئ إجابة لا تملكها غرفة التحرير.

كانت هذه رواية من الواقع؛ لا تدّعي أنها الواقع كله، لكنها لا تضيف إليه ما لم يثبت.

فالعمل الصحفي لا ينقل الحدث آليًا؛ بل يختار من تفاصيله ويرتبها ويضعها في سياق. لكن الاختيار هنا ظل في خدمة الحقيقة، ولم تتحول الحقيقة إلى خادم للاختيار.

الغرفة الثانية

في الغرفة الأخرى، توقف المحرر عند لحظة سقوط الرجل.

أعادها ثلاث مرات، ثم قال:

هذه هي الصورة.

حُذفت الثواني السابقة، وكُبّرت اللقطة حتى اختفى معظم محيط الساحة. ولم يعد القارئ يرى سوى رجل يسقط، وصفّ من الشرطة، ودخان يتصاعد خلفهما.

لم تُختلق الصورة، ولم يُضف إليها شخص لم يكن موجودًا.

كل ما حدث أن جزءًا من الحقيقة أخذ مكان الحقيقة كلها.

خرج العنوان:

الفوضى تجتاح المدينة

لم تكن المدينة قد غمرتها الفوضى، بل وقع اضطراب في جزء من ساحة واحدة. لكن «الساحة» أصغر من أن تغري بالنقر، و«التدافع» أقل إثارة من الاجتياح.

كانت هذه رواية محرّفة.

فالتحريف لا يحتاج دائمًا إلى كذبة؛ قد يكفي أن تُحذف البداية، ويُضخّم الجزء، ويُترك العنوان يقول ما لا يستطيع متن الخبر إثباته.

وهكذا تصبح اللحظة يومًا كاملًا، والزاوية الضيقة مدينة، والاحتمال حقيقة، والصوت الأعلى ممثلًا للجميع.

الغرفة الثالثة

أما الغرفة الثالثة، فلم تكن تنتظر وصول الخبر لتحدد موقفها.

كانت النتيجة جاهزة، ولم يبقَ سوى العثور على صورة تخدمها.

لم يسأل رئيس التحرير: ماذا حدث؟

بل سأل:

أي جزء يثبت ما نقوله منذ البداية؟

اختيرت لقطة الجسم المقذوف، وحُذفت لحظة سقوط الرجل، واستُدعيت صورة قديمة من مواجهة سابقة؛ لأنها أكثر ازدحامًا ودخانًا، من دون إظهار واضح لتاريخها.

خرج العنوان:

المخربون ينفذون خطتهم

لم يذكر الخبر ماهية الخطة، ولا من اكتشفها، ولا متى وُضعت. لكنه استخدم كلمات تمنح القارئ شعورًا بأن كل شيء معروف، وأن الحكم صدر قبل فتح التحقيق.

كانت هذه رواية الأجندة.

لم تبدأ من الحدث لتفهمه، بل بدأت من النتيجة ثم بحثت في الحدث عما يصلح دليلًا لها.

وهي أخطر من الخطأ العابر؛ فالخطأ يمكن اكتشافه وتصحيحه، أما الأجندة فتعيد ترتيب معلوماتها بعد كل تصحيح حتى تصل إلى النتيجة نفسها.

ثلاث روايات أمام قارئ

عند التاسعة وتسع دقائق، وصلت الأخبار الثلاثة إلى هاتف قارئ واحد.

الأول يقول إن تحقيقًا يجري لمعرفة سبب المواجهة.

والثاني يعلن أن الفوضى اجتاحت المدينة.

والثالث يؤكد أن مخربين نفذوا خطة.

ثلاث روايات عن اثنتين وأربعين ثانية.

نظر القارئ إلى العناوين طويلًا، ثم سأل:

كيف يمكن لحدث واحد أن يكون غامضًا في صحيفة، وكارثة في أخرى، ومؤامرة مكتملة في الثالثة؟

لم يختر الرواية التي توافق موقفه، بل فتح الأخبار الثلاثة، وبدأ يعود من العنوان إلى الخبر، ومن الخبر إلى الصورة، ومن الصورة إلى المقطع الأصلي.

لاحظ أن الرواية الأولى تذكر وقت الحدث ومكانه، وتفصل بين ما أكدته المصادر وما بقي قيد التحقيق، وتنسب كل قول إلى صاحبه.

وفي الثانية، وجد عنوانًا أكبر من المعلومات الموجودة في متن الخبر، ومقطعًا قصيرًا يتكرر من الزاوية نفسها، وألفاظًا واسعة مثل «المدينة» و«الفوضى»، مع أن الحدث محدود جغرافيًا وزمنيًا.

أما الثالثة، فكانت تعرف النيات والخطط، لكنها لا توضح كيف عرفتها. وكانت مفرداتها تشبه خطابًا سياسيًا منشورًا قبل وقوع الحادثة.

ثم عثر القارئ على المقطع الكامل.

شاهد الثواني التي حُذفت من رواية، واللحظات التي أُهملت في أخرى، وأدرك أن أخطر ما في بعض الأخبار ليس ما تعرضه، بل ما تقرر أن تمنع القارئ من رؤيته.

الصورة لا تكذب وحدها

عاد القارئ إلى لقطة الرجل الساقط.

كانت الصورة حقيقية.

لكنها تستطيع أن تخدم روايات متناقضة بحسب اللحظة التي تبدأ عندها، والجزء الذي يُقتطع منها، والتعليق الذي يوضع تحتها.

فإذا بدأت القصة بالرجل وهو يقذف جسمًا، بدا ما جرى بعد ذلك ردًا على اعتداء.

وإذا بدأت بسقوطه، ظهر ما سبقه اعتداءً بلا سبب.

وإذا عُرض المشهد كاملًا، اتضح أن الواقع أكثر تعقيدًا من الروايتين، وأن معرفة التسلسل لا تبرئ طرفًا بالضرورة، لكنها تمنع إصدار حكم على نصف حادثة.

قد تكون الصورة صحيحة، بينما تكون الرواية التي وُضعت فيها مضللة.

فالعدسة تسجل ما يقع أمامها، لكن المحرر يختار أين يضع البداية، ومتى يعلن النهاية، وما الذي يبقيه خارج الإطار.

ليست كل زاوية أجندة

في المساء، دخل صحفي شاب إلى الغرفة الأولى وسأل:

هل مجرد اختيار زاوية للخبر يعني أننا نصنع رواية؟

قال المحرر:

نعم، لكن صناعة الرواية ليست دائمًا تزويرًا.

لا تستطيع صحيفة أن تنشر كل ما حدث، أو تمنح كل تفصيل المساحة نفسها. عليها أن تختار الأهم، وتشرح علاقته بما حوله، وتضعه في سياقه.

الفرق ليس بين إعلام له رواية وإعلام بلا رواية؛ فكل وسيلة إعلامية تملك زاوية وأولويات وطريقة في ترتيب المعلومات.

الفرق بين رواية تنطلق من الوقائع لتصل إلى معنى، ورواية تبدأ بالمعنى الذي تريده ثم تنتقي له الوقائع.

الأولى قد تخطئ، لكنها تترك باب التصحيح مفتوحًا.

والثانية قد تستخدم معلومات صحيحة، لكنها تغلق بها أبوابًا أخرى للحقيقة.

كيف اكتشف القارئ الفرق؟

لم يكن القارئ صحفيًا محترفًا، ولم يمتلك غرفة تحقق أو مصادر خاصة.

لكنه لم يكتفِ بالعنوان.

بحث عن المصدر الأول بدل الحساب الذي أعاد النشر.

وسأل إن كان المقطع كاملًا، وقارن زمن النشر بزمن الحدث، والعنوان بالمعلومات الموجودة تحته.

راقب الأفعال المستخدمة: «قال»، و«أعلن»، و«ادعى»، و«ثبت»، و«يُرجّح».

فالخبر المهني يوضح درجة يقينه، بينما تتحدث الرواية الموجهة بثقة أكبر من أدلتها.

بحث عمن غاب صوته، لا عمن ارتفع صوته فقط.

ولاحظ أن بعض العناوين تقول ما لا يجرؤ متن الخبر نفسه على إثباته.

ثم سأل السؤال الأهم:

لو حُذفت الصفات والانفعالات من هذا الخبر، فما الوقائع التي ستبقى؟

بقيت في الرواية الأولى حادثة تحتاج إلى تحقيق.

وبقيت في الثانية حادثة حقيقية جرى تضخيم مساحتها.

أما الثالثة، فلم يبقَ منها إلا حكم كان موجودًا قبل وصول الخبر.

كيف يقرأ العالم الخبر؟

لم تنتهِ رحلة الخبر عند اختلاف غرف التحرير؛ فما تنشره الوسيلة يُعاد تشكيله مرة أخرى داخل عقل الجمهور.

فالخبر لا يصل إلى عقل فارغ، بل يمر عبر الثقافة والتربية والهوية والمخاوف والحاجات ودرجة الثقة بالمصدر.

وفي هذا المجال، سبق لوكالة BETH أن أجرت دراستين متكاملتين: بحثت الأولى أثر الثقافات في استقبال الأخبار وفهمها وإعادة تفسيرها، فيما تناولت الثانية أنماط العقول التي تتلقى الخبر، وصنّفتها في أربعة أنماط.

وأظهرت دراسة الثقافات أن الياباني يميل إلى الدقة وتراكم الأدلة، وأن الصيني يقرأ الخبر غالبًا في إطار الاستقرار والتنمية، بينما يمر الخبر في الولايات المتحدة وتركيا بدرجة كبيرة عبر الهوية السياسية.

ويتأثر الجمهور العربي بالصورة والانتماء والكرامة، في حين يقرأ الإسرائيلي الخبر الأمني بعقل وجودي قد ينقله مباشرة إلى قرار يومي أو موقف سياسي.

وفي الهند وباكستان، تعيد اللغة والدين والمنطقة والطبقة توزيع تأثير الخبر بين جماهير متعددة، بينما يقارن الإيراني والروسي باستمرار بين الرواية الرسمية والمنصات البديلة.

ولهذا قد تبث وسائل الإعلام الخبر نفسه إلى العالم، لكن العالم لا يستقبله بالمعنى نفسه.

فالجمهور لا يقرأ الخبر كما كُتب؛ بل يعيد بناءه وفق ما يخشاه، وما يحتاج إليه، وما يريد أن يصدقه.

أي عقل يخاطبه الخبر؟

أما دراسة BETH الثانية، فقد انتقلت من أثر الثقافة العامة إلى طبيعة العقل الذي يستقبل الخبر، وصنّفت العقول إلى أربعة أنماط:

العقل القائد:
لا يكتفي باستقبال الخبر؛ بل يفحصه، ويستخرج معناه، ويربطه بما حوله، ثم يؤثر في طريقة فهم الآخرين له.

العقل المتردد:
يقارن بين الروايات، ولم يغلق قراره بعد. ويمكن للمعلومة الموثقة والتحليل المهني أن ينقلاه من موقف إلى آخر.

العقل المحايد:
لا يحمل موقفًا سابقًا قويًا، ويحتاج إلى سياق واضح يشرح له لماذا يهمه الحدث وما علاقته بحياته.

العقل المُسرنَم:
أسير رواية سابقة أو مصدر أو جماعة؛ لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عما يؤكد ما صدّقه، ويرفض المعلومة حين تهدد الصورة المستقرة في ذهنه.

الإعلام المهني يخاطب العقول كلها، لكنه يولي اهتمامه الأكبر للعقلين المتردد والمحايد؛ لأنهما ما زالا قادرين على الاختيار.

أما إعلام الأجندة، فيستثمر في العقل المُسرنَم، ويغذيه بما يطمئنه إلى روايته، ويعمل في الوقت نفسه على زيادة أعداده.

ويبقى العقل القائد ميدانًا للصراع؛ لأنه لا يحتفظ بما يقرأه لنفسه، بل يعيد توزيعه على محيطه ويشارك في تشكيل اتجاه الآخرين.

وهكذا لا تكشف صياغة الخبر رواية الوسيلة فقط؛ بل تكشف العقل الذي تريد الوصول إليه، والعقل الذي تسعى إلى صناعته.

في غرفة BETH

قبل النشر، بقي المحرر أمام شاشته، والعدسة مفتوحة، والأوراق موزعة حوله.

لم تكن مهمته أن يلتقط كل خبر يمر، أو يكرر الرواية الأعلى صوتًا، بل أن يفحص ما بين السطور:

من اختار هذه المعلومة؟

وماذا ترك خارجها؟

هل قاد الدليل إلى النتيجة، أم جرى اختيار الدليل بعد تحديد النتيجة؟

هل يشرح الخبر للقارئ ما وقع، أم يختار له مسبقًا ما ينبغي أن يشعر به؟

وهل تمنحه الرواية حق الفهم، أم تطلب منه أن يغضب قبل أن يعرف؟

كان يستطيع أن ينشر أسرع، لكنه اختار أن يرى أبعد.

ففي زمن تصل فيه الأخبار خلال ثوانٍ، لم تعد الندرة في المعلومة وحدها، بل في العقل الذي يفحصها ويمنعها من التحول إلى أداة تضليل.

المبدع في المكتب، والعدسة مفتوحة، والأخبار تُفحَص من بين السطور.

وهنا أتحدث عن صحافة تجمع مهنية السلوك والأخلاق باحترافية الكفاءة والإتقان؛ فالصحافة مسؤولية ومعرفة، وليست ملاذًا لكل من لا مهنة له.

أما القارئ، فلم يعد واقفًا خارج غرفة الصياغة.

لقد عرف الباب، وأدرك أن السؤال الذي يحميه ليس:

هل تبدو الرواية مقنعة؟

بل:

ماذا بقي من الواقع بعد أن انتهى الإعلام من صياغته؟