حين يخطئ القلب
حين تتقدم المشاعر على البصيرة، قد يتحول العطاء إلى استنزاف؛ والنجاة ليست في إطفاء القلب، بل في إعادته رفيقًا للعقل ومصدرًا للإبداع
كتب: عبدالله العميره
ليس كل خطأ يرتكبه القلب سببه كذب الشعور.
قد يكون الإحساس صادقًا، ويكون العنوان خاطئًا. وقد يكون العطاء نقيًا، لكن اليد التي تلقته لا تعرف إلا الأخذ.
وهنا تختلط قيمة ما نشعر به بقيمة من نشعر نحوه؛ فنمنح الآخر من جمال قلوبنا ما ليس فيه، ثم ندافع عن الصورة التي صنعناها له، لا عن حقيقته.
فصدق المشاعر يصفنا نحن، لكنه لا يمنح الطرف الآخر فضيلةً لا يملكها، ولا يحوّل الغموض التزامًا، ولا يجعل الصمت وعدًا.
الحب من طرف واحد شعور، لكنه ليس علاقة. فالعلاقة لا تحتاج إلى تفسير طويل، ولا إلى جمع الإشارات المتناثرة، ولا إلى عقل يعمل طوال الوقت محاميًا عن غياب شخص آخر.
من يريد القرب لا يجعل وجوده لغزًا، ومن يعرف قيمة القلب لا يتركه معلّقًا بين احتمالين.
الاختيار يكشف صاحبه
من أشد ما يوجع الإنسان أن يرى من أحبّ يختار شخصًا يراه أقل منه خُلُقًا ونضجًا، فيسأل: ماذا وجد فيه؟!
لكن العلاقات ليست مسابقةً يفوز فيها الأفضل سيرةً ومكانةً. فالإنسان لا يختار دائمًا ما هو أجمل؛ بل قد يختار ما يشبه حاجته، أو يوافق ضعفه، أو يكرر ما اعتاده، ولو كان مؤذيًا.
وقد تُبنى بعض الاختيارات على المادة بصورها المختلفة: مال، أو مصلحة، أو إغراء عابر. ثم تُستعار لغة المشاعر لتجميل قرار لم يصنعه الحب، ويُبرَّر الابتعاد بأسباب لا يستقيم معها منطق؛ لأن الحقيقة لا تصلح دائمًا لأن تُقال.
ولا يكمن الخلل في أن يختار الإنسان شخصًا دون آخر؛ فالقلوب لا تخضع لجداول المفاضلة. إنما يكمن في أن يترك قلبًا صادقًا من أجل بريق لا يعرف حقيقته بعد، أو كلام معسول يخفي وراءه ما ستكشفه الأيام.
وقد يعرف الإنسان متأخرًا قيمة ما تركه حين تنكشف له حقيقة ما اختاره. لكن ذلك الاكتشاف شأنه؛ أما القلب الذي عرف قدر نفسه، فلا يجعل ندم الآخرين موعدًا مؤجلًا لحياته.
لا يُقاس القلب بما اختاره الآخرون، بل بما رفض أن يتحول إليه من أجلهم.
العطاء لا يصلح الجميع
يظن بعض المحبين أن مزيدًا من الاهتمام سيوقظ قلبًا غافلًا، وأن الدلال قادر على تهذيب من اعتاد الأخذ، وأن الصبر الطويل سيمنح الضمير لمن لا يملكه.
لكن العطاء لا يغيّر دائمًا من يتلقاه؛ فقد يجعل النبيل أكثر امتنانًا، ويجعل الأناني أكثر طمعًا.
ولا ينبغي للإنسان أن يندم على رقته، فهي جزء جميل منه، لكن عليه أن يتعلم أين يضعها. فالماء الذي يحيي الحديقة قد يضيع كله في أرض لا تحتفظ بقطرة.
يمكن النصح حين يكون الخطر ظاهرًا، لكن لا يمكن إنقاذ شخص يصرّ على اختياره، ولا ينبغي تحويل الحب إلى معركة لإثبات أنه أخطأ.
أحيانًا تكون المسافة أرقى أشكال الوفاء بالنفس؛ لا عقابًا لأحد، بل إنقاذًا لما بقي من العمر والعمل والطمأنينة.
حين تعود المشاعر إلى مكانها
الحب الذي يستحق اسمه لا يضيّق الحياة، بل يوسّعها. يجعل الإنسان أكثر اتزانًا وعطاءً ورغبةً في النجاح، ولا يختصر يومه في انتظار رسالة أو تفسير غياب.
أما الشعور الذي يبدد التركيز، ويعطل العمل، ويهمل الإنسان بسببه صحته وكرامته وحياته؛ فليس عمقه مبررًا للاستسلام له.
وليس المطلوب أن يقسو الإنسان على قلبه، بل أن يحسن قيادته؛ فالمشاعر المرهفة تهذّب الإبداع، وتمنح الأفكار روحًا، وتزيد العمل والحياة جمالًا حين يضيئها العقل ويوجهها الوعي.
أما ترك المشاعر تتولى القيادة كاملةً، فليس وفاءً للحب؛ بل هدرٌ للوقت، وتشتيتٌ للحياة، ومنحٌ لشخص واحد مساحةً أكبر مما يستحق.
القلب الجميل لا يُطفأ، ولا يسكنه الحقد، ولا يتنكر لما أحبّ؛ لكنه يعود إلى مكانه: رفيقًا للعقل، ومصدرًا للإبداع، لا سيدًا يبدد العمر في الطريق الخطأ؛ فيبلغ مرساه مستقرًا هادئًا، ولا يحمل من الندم إلا قدرًا يعلّمه أن بعض العطاء، مهما كان صادقًا، قد يوضع في غير موضعه.
مقال الليلة يخاطب أصحاب العقول وحدهم؛ أما من يستريح إلى الجهل، أو يعطّل عقله حين لا توافقه الحقيقة، فلا مكان له هنا.
وليس المقال نصيحةً وجدانية بقدر ما هو رؤية متصلة بالحياة اليومية؛ فعندما تدخل المشاعر إلى القرار، يفسّر العقل التحليلي، ويتخيّل الإبداعي، ويحسب الاستراتيجي، لكن العقل المتزن وحده يمنح الشعور معناه، من دون أن يسلّمه قيادة الحياة.
أما الحب الحقيقي، بما يحمله من راحة وفرح، فهو طاقة هادئة تهذّب الروح، وتوقظ الفكرة، وتدفع الإنسان إلى مزيد من الإبداع والعمل والحياة.