عيون BETH في عواصم القرار

news image

العالم يعيد حساباته

اتفاق مكة يتقدم في الصحافة الدولية، وإسرائيل تقرأه بقلق، وإيران تتظاهر بالاطمئنان.. فيما تربط الأسواق مصير الطاقة بوضوح الموقف في هرمز

رصد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

العواصم | بث

تتوزع اهتمامات الصحافة العالمية بين الحرب في المنطقة، والتوتر المتصاعد في أوكرانيا، والرسوم الأمريكية الجديدة، وحركة أسواق الطاقة، لكن المملكة العربية السعودية حضرت في مركز عدد من هذه الملفات، لا بوصفها دولة متأثرة بما يحدث حولها، بل قوة تعمل على إعادة بناء موقعها الأمني والسياسي.

وفي واجهة التغطية الدولية، تقدم اتفاق الدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان بوصفه تحولًا يتجاوز التعاون العسكري، ويشير إلى بدء تشكل بنية أمنية إقليمية لا تعتمد بصورة كاملة على الولايات المتحدة.

واشنطن.. هرمز ينتظر القرار

ركزت الصحافة الأمريكية على الشروط الجديدة التي وضعتها إيران لفتح مضيق هرمز، ورفضها الانتقال إلى مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة.

وتناولت التغطيات تبادل الرسائل عبر الوسطاء، مع تراجع التفاؤل بإمكان إعلان فتح كامل وسريع للمضيق، رغم اقتراب إيران وعُمان من استكمال الترتيبات الفنية للمسارات البحرية.

وفي مقابل التشدد الإيراني، تحاول الإدارة الأمريكية إظهار أنها ليست مضطرة إلى قبول شروط طهران؛ إذ قلل وزير الخزانة سكوت بيسنت من أهمية هرمز مستقبلًا، مشيرًا إلى إمكان تطوير خطوط أنابيب ومسارات بديلة.

ولا تعكس هذه التصريحات الواقع الملاحي الحالي بقدر ما تحمل رسالة بعيدة المدى: إذا واصلت إيران استخدام المضيق سلاحًا، فسيدفع العالم باتجاه تقليل حاجته إليه.

وتهم هذه القراءة المملكة بصورة مباشرة؛ لأنها تعزز القيمة الاستراتيجية لخطوط التصدير الممتدة إلى البحر الأحمر، وتفتح المجال أمام مشروعات أوسع لنقل الطاقة والتجارة بعيدًا عن مناطق الاختناق البحري. 

لندن.. اتفاق مكة يتقدم

وضعت الصحافة البريطانية اتفاق الدفاع بين المملكة وتركيا وباكستان ضمن أبرز تحولات المنطقة، وربطت توقيته بتزايد الشكوك في قدرة النظام الأمني القديم على حماية المصالح الإقليمية.

وظهرت في بعض التحليلات عبارة «الشرق الأوسط ما بعد أمريكا»، في إشارة إلى أن دول المنطقة لم تعد تنتظر مظلة خارجية واحدة، بل بدأت في تشكيل شبكات ردع وتحالفات تجمع القوى الأكثر قدرة وتأثيرًا.

وتتعامل هذه القراءة مع الاتفاق باعتباره بداية هندسة أمنية جديدة، لا رد فعل مؤقتًا على إيران؛ فالجمع بين المملكة وتركيا وباكستان يصنع كتلة سياسية وعسكرية واقتصادية يتجاوز تأثيرها حدود الخليج.

كما ركزت الصحافة الاقتصادية البريطانية على تشدد إيران في هرمز، وعلى تغيير القيادة داخل مجلسها الأعلى للأمن القومي، معتبرة أن واشنطن أصبحت محاصرة بين خيار التصعيد وقبول اتفاق بشروط أقرب إلى المطالب الإيرانية.  

طهران.. اطمئنان يحمل القلق

قالت إيران إنها لا ترى سببًا للخوف من اتفاق الدفاع بين المملكة وتركيا وباكستان، واعتبرته انعكاسًا لاتجاه دول المنطقة نحو الاعتماد على قدراتها الذاتية بدل القوى الأجنبية.

لكن سرعة التعليق الإيراني، ومحاولة وضع شروط سياسية لقبول الاتفاق، تكشفان أن طهران تدرسه بعناية.

فإيران رحبت به ما دام شاملًا ولا يستهدف أطرافًا إقليمية، وحاولت توجيه وظيفته نحو مواجهة إسرائيل، لا نحو ردعها هي أو أذرعها.

وعندما تسارع دولة إلى القول إنها لا تخشى تحالفًا جديدًا، فإنها تعترف ضمنيًا بأنها بدأت في حساب تأثيره.

والأهم أن طهران تدرك أن الاتفاق يجمع دولًا تمتلك قدرات متكاملة: ثقل المملكة السياسي والاقتصادي، والصناعة العسكرية التركية، والقدرات الصاروخية والنووية الباكستانية.  

تل أبيب.. القلق من القوة الجديدة

منحت الصحافة الإسرائيلية اتفاق مكة مساحة واسعة، وذهبت بعض التحليلات إلى وصفه بأنه تطور قد يغيّر التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط.

وركزت صحيفة «جيروزاليم بوست» على أن الاتفاق يقيم آلية دفاع جماعي شبيهة، من حيث المبدأ، بالمادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، التي تعد الاعتداء على دولة اعتداءً على بقية الأعضاء.

ولم يقتصر القلق الإسرائيلي على البعد العسكري؛ بل امتد إلى تأثير الاتفاق في مسار التطبيع، وإلى احتمال أن يمنح المملكة خيارات أوسع، ويقلل حاجتها إلى ترتيبات أمنية مرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل.

كما ربطت تحليلات إسرائيلية دخول المملكة في الاتفاق بتراجع الثقة الإقليمية بواشنطن، وبحث الرياض عن أدوات ردع لا تعتمد على بقاء الالتزام الأمريكي.

وتكشف هذه القراءة أن إسرائيل لا ترى في الاتفاق تحالفًا لمواجهة إيران فقط، بل نواة لقوة إسلامية مستقلة يمكن أن تؤثر مستقبلًا في ملفات فلسطين وسوريا ولبنان والتوازن الإقليمي. 

بكين.. هرمز يغيّر الطلب

كشفت قراءة اقتصادية لحركة النفط أن الصين خفضت وارداتها الخام بصورة حادة خلال يونيو ويوليو، مستفيدة من مخزوناتها الاستراتيجية لمواجهة اضطراب الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.

وبلغ متوسط الواردات الصينية نحو 7.78 ملايين برميل يوميًا، بانخفاض يتجاوز أربعة ملايين برميل يوميًا مقارنة بمتوسط ما قبل الحرب.

ويعني ذلك أن الصين لا تنتظر فتح هرمز فقط، بل تعيد إدارة الطلب، وتستهلك جزءًا من مخزونها، وتدرس تنويع الموردين والمسارات.

ويهم المملكة ألا يُقرأ انخفاض الطلب الصيني باعتباره تحولًا دائمًا بعيدًا عن نفط الشرق الأوسط؛ فهو يرتبط بظروف الحرب وارتفاع الأسعار وتعطل الشحن. لكن استمرار الأزمة قد يدفع بكين إلى تسريع بناء بدائل بعيدة المدى.

وفي المقابل، يمنح امتلاك المملكة منافذ تصدير على الخليج والبحر الأحمر ميزة لا تتوافر لكثير من المنتجين، ويعزز قيمتها شريكًا أكثر قدرة على تأمين الإمدادات الآسيوية. 

الأسواق.. خبر قبل النفط

ارتفعت الأسهم العالمية بصورة محدودة، واستقرت أسعار النفط قرب 83.5 دولارًا لخام برنت، مع انتظار الأسواق تفاصيل التفاهم العُماني–الإيراني.

لكن حركة الأسعار تكشف أن المستثمرين لا يتعاملون مع إعلان المسارات بوصفه فتحًا للمضيق؛ بل ينتظرون عبور السفن، وتراجع المخاطر، وعودة التغطية التأمينية.

وسجلت السوق السعودية ارتفاعًا محدودًا، بينما بقي أداء معظم أسواق الخليج حذرًا، في إشارة إلى أن المنطقة لم تسعّر بعد نجاح الاتفاق أو فشله.

وتنتقل أهمية هرمز من سوق النفط إلى قرارات البنوك المركزية؛ فاستقرار الطاقة قد يخفف التضخم العالمي، بينما يؤدي فشل التسوية إلى رفع الأسعار وإعادة الضغوط على الفائدة والنمو.  

موسكو وكييف.. حرب الطاقة

وسعت أوكرانيا هجماتها بالطائرات المسيّرة داخل الأراضي الروسية، مستهدفة منشآت نفطية ومصفاة في تتارستان، فيما أعلنت روسيا سقوط قتلى وجرحى في نيجنكامسك.

وفي الاتجاه المقابل، استمرت الضربات الروسية على المدن الأوكرانية، مع سقوط ضحايا في خاركيف ومناطق أخرى.

ويشير انتقال الاستهداف إلى عمق البنية النفطية الروسية إلى أن كييف تسعى إلى رفع الكلفة الاقتصادية للحرب، لا الاكتفاء بالدفاع على خطوط الجبهة.

وبالنسبة إلى المملكة، فإن استمرار استهداف الطاقة الروسية يضيف عاملًا جديدًا إلى سوق نفط مضطربة أصلًا بسبب هرمز؛ وقد يؤدي تزامن اضطراب الإمدادات الروسية والخليجية إلى تقلبات أكبر في الأسعار ومسارات الشحن.  

التجارة العالمية.. رسوم جديدة

تواصل الولايات المتحدة توسيع سياسة الرسوم الجمركية، بعدما فرضت رسومًا جديدة على واردات من عشرات الشركاء التجاريين، وسط توقعات بأن تتبعها إجراءات تستهدف قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات والروبوتات والصناعات المتقدمة.

وتدفع هذه السياسة الشركات إلى تقديم مواعيد الاستيراد وتغيير سلاسل التوريد، كما تزيد الضغوط على الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على السوق الأمريكية.

وتفتح إعادة تشكيل التجارة العالمية أمام المملكة فرصًا لجذب صناعات تبحث عن بيئة مستقرة، وموقع يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وطاقة تنافسية، وسوق إقليمية واسعة.

لكن الاستفادة تحتاج إلى سرعة في استقطاب الشركات التي بدأت بالفعل في البحث عن مراكز إنتاج وتوزيع لا تقع مباشرة داخل خطوط المواجهة التجارية الأمريكية–الصينية. 

في الإعلام العربي

تركز الإعلام العربي على ثلاثة مسارات مترابطة:

  • تشدد إيران في شروط فتح هرمز.
  • صعود اتفاق مكة باعتباره قوة ردع إسلامية جديدة.
  • اتساع التهديد من الخليج إلى البحر الأحمر واليمن.

وبرز اتجاه يرى في اتفاق المملكة وتركيا وباكستان بداية انتقال المنطقة من الاعتماد على الحماية الخارجية إلى بناء أمنها بأدواتها الذاتية.

وفي المقابل، حذرت قراءات أخرى من أن نجاح الاتفاق سيُختبر عند أول تهديد مباشر، وأن قيمته لن تتحدد بالنصوص وحدها، بل بإنشاء آليات قيادة وتنسيق وإنذار مبكر وتعاون دفاعي دائم.

ما يهم السعودية

تكشف جولة الإعلام العالمي اليوم أربع رسائل رئيسة للمملكة:

أولًا: اتفاق مكة تجاوز مرحلة الإعلان المحلي، وبدأ يُقرأ عالميًا باعتباره تحولًا في موازين القوة.

ثانيًا: القلق الإسرائيلي أكبر من الاطمئنان الإيراني؛ لأن الاتفاق يمنح المملكة بدائل استراتيجية لا تمر عبر واشنطن أو تل أبيب.

ثالثًا: أزمة هرمز تعزز قيمة المنافذ السعودية على البحر الأحمر، وتدفع العالم إلى التفكير جديًا في مشروعات تتجاوز المضيق.

رابعًا: المملكة أصبحت في مركز ثلاثة تحولات متزامنة: أمن إقليمي جديد، وإعادة رسم طرق الطاقة، وإعادة توجيه سلاسل التجارة العالمية.

عين BETH

العالم لا ينظر إلى اتفاق مكة بوصفه ردًا عابرًا على الحرب، بل اختبارًا لولادة قوة إقليمية جديدة.

إيران تقول إنها لا تخشاه، وإسرائيل تحذر من أثره، والغرب يربطه بتراجع الثقة في المظلة الأمريكية.

وحين تختلف العواصم في تفسير تحالف ما، لكنها تتفق جميعًا على مراقبته، فهذا يعني أنه بدأ بالفعل في تغيير الحسابات.