اليوم 160: الحرب تغيّر وجهتها
اليوم 160: الطائرات تصمت، وإيران تختبر حدود الصبر الأمريكي.. فيما تنتقل المواجهة من سماء طهران إلى الممرات والطاقة والتحالفات
متابعة وتحليل | بث
دخلت الحرب في المنطقة يومها الـ160، من دون أن يتحول الهدوء الجوي إلى هدنة سياسية أو أمنية.
فالطائرات التي تراجعت أصواتها فوق إيران تركت مكانها لمواجهة أقل صخبًا، لكنها أشد تعقيدًا؛ مواجهة تدور حول مضيق هرمز، وحصار الموانئ، وحركة السفن، ومنشآت الطاقة، وأذرع إيران في المنطقة.
وفيما تتحرك عُمان بين طهران وواشنطن بحثًا عن مخرج، توسع إيران مطالبها، وتفصل الولايات المتحدة بين فتح المضيق وتسوية الحرب، بينما تراقب إسرائيل المسار من خارج غرفة التفاوض، محتفظة بقدرتها على قلب الطاولة بضربة واحدة.
الحرب لم تتوقف؛ بل غيّرت وجهتها، وانتقلت من معركة النيران إلى معركة الوقت.
إيران تشتري الوقت
تدرك طهران أن استعادة حركة الملاحة في هرمز تمثل أولوية للعالم، ولذلك لم تعد تتعامل مع المضيق باعتباره ورقة أمنية محدودة، بل بوصفه مفتاحًا يمكن أن يفتح ملفات العقوبات والحصار والأموال المجمدة والتعويضات والضمانات السياسية.
وأعلنت إيران أن الترتيبات الفنية مع عُمان بشأن مسارات الملاحة الجديدة دخلت مراحلها النهائية، بعد التوافق على مسار للسفن الداخلة عبر المياه الإيرانية، وآخر للخارجة عبر المياه العُمانية.
لكن الاتفاق على إحداثيات العبور لا يعني فتح المضيق.
فطهران ربطت التنفيذ بوقف العمليات والتهديدات العسكرية، ورفع العقوبات، والإفراج عن أموالها المجمدة، وتعويضها عن أضرار الضربات الأمريكية والإسرائيلية، إلى جانب إنهاء ما تعدّه عدوانًا على إيران وحلفائها.
وبذلك نقلت إيران التفاوض من معادلة محددة:
فتح هرمز مقابل رفع حصار الموانئ
إلى معادلة أوسع:
فتح هرمز مقابل تغيير السياسة الأمريكية تجاه إيران والمنطقة.
كما يتيح استمرار التفاوض غير المباشر لطهران إعادة ترتيب أوضاعها الداخلية والعسكرية، واختبار تماسك الموقف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ومنح أذرعها وقتًا لإعادة توزيع الضغط على جبهات متعددة.
لكن الوقت لا يعمل لمصلحة إيران وحدها؛ إذ بدأت تظهر توجهات ومشروعات متعددة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، عبر تطوير خطوط أنابيب وموانئ ومسارات تصدير بديلة تتجاوز المضيق أو تحدّ من الحاجة إليه.
ولا تعني هذه التحركات إمكان استبدال هرمز سريعًا أو كليًا، لكنها تكشف أن الدول المتضررة بدأت تتعامل مع إغلاقه باعتباره خطرًا استراتيجيًا دائمًا على تدفقات الطاقة وحركة التجارة.
تستخدم إيران هرمز لرفع ثمن الاتفاق، لكنها قد تكتشف أن الإفراط في استخدام هذه الورقة هو ما يعجّل باحتراقها؛ فالمضيق الذي تهدد بإغلاقه اليوم قد يفقد أهميته تدريجيًا، حتى يصبح في المستقبل ممرًا للأسماك، بعدما كان شريانًا للطاقة والتجارة العالمية.
لماذا تنتظر أمريكا؟
لم تعلن القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات جديدة داخل إيران منذ 29 يوليو، بعد سلسلة من العمليات التي استهدفت مواقع للحرس الثوري ومنشآت وقدرات عسكرية إيرانية.
ويثير هذا التوقف سؤالًا جوهريًا:
لماذا تسمح واشنطن لطهران بإطالة التفاوض، ورفع الشروط، وترك عُمان تتحرك داخل مساحة ترسم إيران حدودها؟
قد يبدو المشهد تراخيًا أمريكيًا، لكن وراءه خمسة حسابات رئيسة:
فتح المضيق بالقوة لا يكفي
القدرة موجودة.. والكلفة مؤجلة
لا تشكّل إيران قوة عسكرية تتفوق على الولايات المتحدة، ولا يبدو تحرير مضيق هرمز خارج قدرة الجيش الأمريكي إذا اتُخذ القرار باستخدام القوة اللازمة؛ فواشنطن تستطيع استهداف منصات الصواريخ، وتدمير الزوارق ومراكز القيادة، وإزالة الألغام، وفرض حماية جوية وبحرية على الممر.
لكن المسألة ليست في قدرة الولايات المتحدة على فتح المضيق، بل في اختيار التوقيت، وحجم العملية العسكرية المطلوبة، وكيفية تحويل الحسم الميداني إلى استقرار ملاحي دائم.
فالعملية لن تقتصر على ضربة عسكرية واحدة؛ بل قد تحتاج إلى حملة واسعة ومتواصلة تشمل السواحل الإيرانية، ومواقع الحرس الثوري، ومنشآت الرصد والإطلاق، وفرق زرع الألغام، بالتزامن مع حماية السفن وتأمين الممر حتى استعادة ثقة شركات الشحن والتأمين.
إذًا، لا تنتظر الولايات المتحدة لأنها عاجزة عن هزيمة إيران أو تحرير هرمز؛ بل لأنها لم تحسم بعد أن لحظة استخدام قوتها الكاملة قد حانت.
ميزان القوة يميل بوضوح إلى الولايات المتحدة؛ وما يؤخر الحسم ليس قوة إيران، بل القرار الأمريكي.
تحميل إيران مسؤولية الفشل
تريد واشنطن منح الوساطة العُمانية فرصة كافية، لا لأن الوقت بلا قيمة، بل لأنها تريد أن يظهر بوضوح الطرف الذي أفشل التسوية.
فإذا رفضت إيران فتح المضيق بعد تلبية الترتيبات الفنية، أو استمرت في إضافة مطالب لا تتصل مباشرة بالملاحة، تستطيع الولايات المتحدة بناء غطاء سياسي أوسع لتشديد الحصار أو العودة إلى القوة.
وبهذا المعنى، قد يكون الصبر الأمريكي محاولة لنقل إيران من موقع الدولة التي تعرضت للهجوم إلى موقع الدولة التي تعطل الممر العالمي وترفض الحلول.
ضبط إسرائيل
تبحث الولايات المتحدة حاليًا عن مخرج يبدأ بفتح هرمز ويخفض كلفة الحرب، بينما قد ترى إسرائيل أن استمرار الضغط العسكري فرصة للقضاء على الحرس الثوري والبرنامج الصاروخي والبنية النووية الإيرانية.
وتخشى واشنطن أن تؤدي ضربة إسرائيلية جديدة إلى إسقاط الوساطة، وإعادة الصواريخ والطائرات إلى المواجهة، وإظهار الولايات المتحدة عاجزة عن ضبط أقرب حلفائها.
اختبار البدائل
حين يقلل وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت من أهمية هرمز مستقبلًا، ويتحدث عن إمكان تحويل النفط عبر خطوط الأنابيب، فهو لا يعلن انتهاء أهمية المضيق، بل يوجه رسالة إلى إيران:
كلما طال الإغلاق، زادت الاستثمارات في الطرق البديلة، وتراجعت قيمة الورقة الإيرانية على المدى البعيد.
لكن هذه الرسالة تحمل قدرًا من الضغط السياسي أكثر مما تعكس الواقع الحالي؛ فالمضيق لا يزال ممرًا يصعب تعويضه سريعًا، خصوصًا لصادرات الطاقة المتجهة إلى آسيا.
تريث أم تراخٍ؟
رغم هذه الحسابات، لا يمكن إعفاء السياسة الأمريكية من علامات التراخي.
فإطالة المهلة تمنح إيران وقتًا لرفع مطالبها، وإعادة تنظيم قدراتها، وتحريك أذرعها، وتحويل الوساطة من طريق لفتح المضيق إلى منصة للتفاوض على مستقبل العقوبات والحرب والنفوذ الإقليمي.
كما أن غياب موعد نهائي معلن، أو ثمن واضح للمماطلة، قد يدفع طهران إلى الاعتقاد بأن واشنطن أكثر حاجة إلى الاتفاق، وأن التهديدات العسكرية الأمريكية تراجعت أمام الخوف من اتساع الحرب.
وهنا يكمن الخطر:
إذا قرأت إيران التريث الأمريكي باعتباره ضعفًا، فقد تدفع شروطها إلى نقطة يتحول عندها الصبر إلى رد أكبر مما تتوقع.
عُمان.. وسيط تحت الضغط
لا تفاوض عُمان نيابة عن الولايات المتحدة، ولا تتبنى الشروط الإيرانية؛ بل تحاول بناء جزء يمكن الاتفاق عليه أولًا: تنظيم مسارات الدخول والخروج ومنع الاحتكاك المباشر في المضيق.
لكن نجاح مسقط في رسم الخطوط البحرية لا يضمن تحرك السفن.
فالعقدة لم تعد في تحديد مسار العبور، بل في ترتيب الخطوات:
هل تفتح إيران المضيق أولًا؟
أم ترفع الولايات المتحدة حصار الموانئ؟
هل تبدأ الملاحة قبل تخفيف العقوبات؟
ومن يضمن ألا تعود إيران إلى الإغلاق، أو تعود واشنطن إلى الحصار، بعد تنفيذ الطرف الآخر التزامه؟
ولهذا قد تصل الوساطة إلى اتفاق فني مكتمل، من دون الوصول إلى اتفاق سياسي قابل للتنفيذ.
تغيير غرفة القرار
جاء تعيين محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي ليضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد الإيراني.
فرضائي ليس مجرد مسؤول سياسي؛ بل قائد أسبق للحرس الثوري وأحد أبرز وجوه المؤسسة الأمنية الإيرانية، وتعيينه في هذه المرحلة يمنح الجناح العسكري حضورًا أكبر في إدارة ملفات الحرب والتفاوض وهرمز.
ولا يعني ذلك أن طهران أغلقت باب التسوية، لكنه يعني أن التسوية، إن حدثت، ستُدار بعقل أمني يربط الملاحة بموازين القوة، لا بمقتضيات التجارة وحدها.
كما قد يعكس التعيين رغبة القيادة الإيرانية في توحيد القرار بين الدولة والحرس، ومنع ظهور تناقض بين ما يتفاوض عليه الدبلوماسيون وما ينفذه العسكريون في المضيق.
إسرائيل.. إصبع على الزناد
لا تجلس إسرائيل إلى طاولة مفاوضات هرمز، لكنها تملك قدرة كبيرة على تعطيلها.
فأي ضربة إسرائيلية جديدة داخل إيران قد تمنح طهران مبررًا لوقف المسار العُماني، وتشديد الإغلاق، وتحريك أذرعها، واستئناف الهجمات المباشرة.
وفي الوقت نفسه، يظهر خلاف بين واشنطن وتل أبيب حول إدارة جبهات المنطقة، خصوصًا مع رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خطة أمريكية للانسحاب المرحلي من غزة مقابل نزع سلاح حماس.
ويكشف ذلك أن الولايات المتحدة لا تحاول التفاهم مع خصمها الإيراني فحسب؛ بل تحاول أيضًا ضبط حليف قد يرى أن أهدافه العسكرية لم تكتمل بعد.
الأذرع.. ضغط موزع
تتحرك أذرع إيران اليوم داخل معادلة دقيقة: ممارسة ضغط يكفي لرفع كلفة الحصار، من دون تنفيذ ضربة كبيرة تستدعي ردًا أمريكيًا أو إقليميًا واسعًا.
في اليمن، تصاعدت المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين، مع استمرار التهديدات للملاحة قرب باب المندب، ما يضع تجارة المنطقة أمام مصدرَي اضطراب: هرمز شرقًا، والبحر الأحمر جنوبًا.
وفي العراق، تحتفظ الفصائل المرتبطة بإيران بقدرتها على تهديد القواعد وخطوط الإمداد، لكنها تواجه حسابات داخلية وضغطًا عسكريًا يجعل انتقالها إلى مواجهة مفتوحة أكثر كلفة.
أما حزب الله، فيبدو أكثر حذرًا؛ لأن توسيع الجبهة اللبنانية قد يمنح إسرائيل مبررًا لعمليات أشد، من دون أن يضمن لإيران مكسبًا مباشرًا في هرمز.
والسؤال هنا ليس فقط ما إذا كانت طهران تحرك أذرعها، بل أيضًا:
هل لا تزال تضمن قدرتها على إيقافها عندما يحين وقت الاتفاق؟
تحالفات تعيد الحسابات
جاء اتفاق الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان ليضيف قوة ردع جديدة إلى المشهد، في توقيت تتزايد فيه التهديدات للملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي.
ولا يعني الاتفاق انتقال الدول الثلاث تلقائيًا إلى حرب مشتركة، لكنه يغيّر حسابات أي طرف يفكر في استهداف إحداها؛ لأن الاعتداء لن يُقرأ بعد الآن باعتباره مواجهة منفردة، بل اختبارًا لمنظومة تجمع المركز السياسي والاقتصادي السعودي، والقدرة العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، والعمق العسكري والصاروخي الباكستاني.
وبالتوازي، يعمل التحالف البحري الذي تقوده المملكة على حماية الملاحة وخفض المخاطر، لكن نجاحه لن يُقاس بعدد الدول المؤيدة فقط، بل بقدرته على إعادة السفن، وخفض كلفة التأمين، ومنع انتقال التهديد من هرمز إلى البحر الأحمر.
هرمز.. ثلاثة مفاتيح
لم يعد مضيق هرمز ينتظر اتفاقًا واحدًا، بل ثلاثة اتفاقات مترابطة:
- اتفاق فني بين إيران وعُمان على مسارات العبور.
- اتفاق سياسي بين إيران والولايات المتحدة على ترتيب الخطوات.
- اتفاق أمني غير مكتوب يضمن عدم تعطيل السفن أو العودة إلى الحصار والهجمات.
وإذا اكتمل الاتفاق الأول وتعثر الآخران، فقد يُفتح المضيق بصورة محدودة وانتقائية، من دون أن تستعيد الملاحة وضعها الطبيعي.
فالفتح الحقيقي لا يتحقق ببيان سياسي أو خطوط مرسومة على الخريطة؛ بل عندما تعبر السفن، وتقبل شركات التأمين تغطيتها، وتتراجع كلفة المخاطر، ويثق السوق بأن الممر لن يُغلق في اليوم التالي.
تحليل بث
الولايات المتحدة لا تبدو عاجزة عن ضرب إيران، لكنها مترددة في دفع الحرب إلى مرحلة لا تستطيع التحكم في جبهاتها أو ضمان نتائجها.
أما إيران، فتتعامل مع هذا التردد ( المقصود، أو غير المقصود) ، باعتباره فرصة لرفع ثمن فتح هرمز، وربط الممر البحري بمستقبل العقوبات والحصار والحرب.
غير أن طهران تخاطر بالمبالغة في تقدير حاجـة واشنطن إلى الاتفاق؛ لأن استمرار المماطلة، بالتزامن مع تحركات أذرعها، قد يحول الصبر الأمريكي من وسيلة لإدارة الأزمة إلى مبرر لعملية أوسع.
ولهذا لم يعد السؤال: هل ستعود الطائرات إلى إيران؟
بل:
متى تقرر واشنطن أن إيران تستخدم الوساطة لإدارة الحرب، لا لإنهائها؟
ماذا بعد؟
السيناريو الأقرب للحالة الماثلة أمامنا؛ هو إعلان تفاهم عُماني–إيراني بشأن المسارات، يعقبه فتح محدود وتجريبي للمضيق أمام بعض السفن، من دون إنهاء كامل للإغلاق أو رفع فوري للحصار الأمريكي.
وستراقب الأسواق وشركات التأمين عبور السفن الأولى؛ لأن نجاح التجربة عمليًا أهم من الصياغة السياسية للاتفاق.
أما الخطر الأكبر، فيتمثل في هجوم جديد على منشأة طاقة سعودية، أو استهداف سفينة في الخليج أو البحر الأحمر، أو تنفيذ ضربة إسرائيلية داخل إيران؛ إذ يمكن لأيٍّ من هذه التطورات أن يعيد الحرب الجوية، ويحوّل المفاوضات من باب للخروج من الحرب إلى مجرد استراحة قصيرة بين جولتين.
ومن ثمّ، قد يأتي الرد على إيران وأذرعها أكبر مما يُتصوّر، خصوصًا إذا تأكد أن طهران استغلت التهدئة لإعادة توزيع النيران وتوسيع دائرة الاستهداف.
إيران تكسب الوقت، لكنها تقترب من اختبار حدود الصبر . والحرب لم تقترب بعد من السلام؛ بل تبحث عن ممر يمنع انفجارها من جديد.