مجلس الأمن يدين هجمات الحوثيين.. دعم سياسي أم بداية ردع؟

news image

بيان دولي بالإجماع يحمّل الحوثيين مسؤولية التصعيد ضد المملكة والملاحة، لكنه لا يتضمن عقوبات جديدة أو إجراءً عسكريًا ملزمًا

متابعة وتحليل | بث

أصدر أعضاء مجلس الأمن الدولي بيانًا صحفيًا أدانوا فيه الهجمات الصاروخية التي شنها الحوثيون على المملكة العربية السعودية منذ 13 يوليو، واعتداءاتهم على السفن التجارية منذ 22 يوليو، محذرين من أن هذه الأعمال تهدد الأمن الإقليمي وحرية الملاحة وتقوض جهود السلام في اليمن.

ويكتسب البيان أهميته من صدوره بتوافق أعضاء المجلس الخمسة عشر؛ ما يعني أن أيًا من القوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وروسيا والصين، لم يعترض على إدانة الحوثيين وتحميلهم مسؤولية التصعيد.

لكنه، في المقابل، ليس قرارًا ملزمًا، ولا يتضمن عقوبات جديدة أو تفويضًا باستخدام القوة؛ ولذلك يمثل ردعًا سياسيًا ورسالة دعم دولية للمملكة، أكثر من كونه أداة ميدانية تستطيع إيقاف الصواريخ والطائرات المسيّرة.

نص البيان

فيما يلي ترجمة عربية لمضمون البيان الصحفي الصادر عن أعضاء مجلس الأمن:

أعرب أعضاء مجلس الأمن عن بالغ قلقهم إزاء تصاعد التوترات في اليمن، وشددوا على الأهمية الحاسمة للامتناع عن أي أعمال تقوض آفاق السلام أو تهدد السلم والأمن الدوليين.

وأدان أعضاء المجلس الهجمات الصاروخية التي شنها الحوثيون على المملكة العربية السعودية منذ 13 يوليو، وكذلك الهجمات التي استهدفت السفن التجارية منذ 22 يوليو.

كما أدانوا هبوط طائرات في مطار صنعاء في 3 يوليو، ومطار الحديدة في 13 يوليو، دون تنسيق مسبق أو موافقة من الحكومة اليمنية، وبما يخالف قواعد الطيران المدني الدولي.

وجدد أعضاء المجلس تأكيد التزامهم القوي بوحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، وشددوا على أن جميع الرحلات المتجهة إلى المطارات اليمنية يجب أن تخضع للتنسيق والموافقة المسبقة من الحكومة اليمنية.

وأكدوا ضرورة استمرار الوصول الجوي الآمن والمستدام للأغراض الإنسانية والمدنية، وفقًا للقانون الدولي وقواعد الطيران المدني.

وشدد أعضاء المجلس على وجوب احترام القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2216، الذي يحظر نقل الأسلحة وتقديم المساعدة العسكرية إلى الأفراد والكيانات الخاضعة للعقوبات، ومن بينها الحوثيون.

وحذروا من أن هذه الأعمال تهدد الأمن الإقليمي وحقوق الملاحة وحرياتها، وتنذر بمزيد من التصعيد، وتقوض جهود السلام.

ودعوا الحوثيين إلى الامتناع عن التصعيد، واستخدام قنوات الحوار القائمة لمعالجة القضايا العالقة.

وجدد أعضاء مجلس الأمن دعمهم الكامل للمبعوث الخاص للأمين العام إلى اليمن، هانس غروندبرغ، وللتوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية وشاملة يقودها اليمنيون، استنادًا إلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

ما نوع هذا البيان؟

هذا بيان صحفي صادر عن أعضاء مجلس الأمن، وليس قرارًا جديدًا للمجلس أو بيانًا رئاسيًا.

والفارق مهم؛ فالبيان:

  • يعكس موقفًا سياسيًا توافقيًا بين أعضاء المجلس.
  • يوثق دوليًا مسؤولية الحوثيين عن الهجمات.
  • يستند إلى قرارات قائمة، وفي مقدمتها القرار 2216.
  • لكنه لا ينشئ عقوبات جديدة.
  • ولا يحدد مهلة لوقف الهجمات.
  • ولا يجيز استخدام القوة.
  • ولا يتضمن آلية لتنفيذ ما ورد فيه أو معاقبة من يخالفه.

إنه موقف دولي قوي في دلالته، لكنه محدود في أدواته.

ماذا يعني للمملكة؟

يمنح البيان المملكة ثلاثة مكاسب مباشرة.

أولها، تثبيت الرواية القانونية والسياسية بأن ما تتعرض له المملكة اعتداءات عابرة للحدود، وليست جزءًا مشروعًا من الصراع الداخلي اليمني.

وثانيها، ربط استهداف الأراضي السعودية بالهجمات على السفن التجارية وتهديد الطيران المدني؛ ما ينقل القضية من خلاف سعودي حوثي إلى تهديد للأمن الإقليمي والملاحة الدولية.

وثالثها، تعزيز مشروعية حق المملكة في حماية أراضيها ومواطنيها ومنشآتها، مع بقاء نوع الرد وتوقيته خاضعين لقرارها وتقديرها.

ولهذا رحبت وزارة الخارجية السعودية بالبيان، وجددت دعمها للحكومة اليمنية الشرعية ولجهود المبعوث الأممي وتنفيذ القرارات الدولية.

فالبيان لا يدافع عن المملكة بدلًا منها، لكنه يمنع المهاجم من مساواتها به سياسيًا، ويحدد بوضوح من يعتدي ومن يمارس حقه في الدفاع.

هل سيردع الحوثيين؟

الجواب المباشر: ليس وحده.

فالبيان يستطيع عزل الحوثيين سياسيًا، لكنه لا يعطل منصة صواريخ، ولا يقطع طريق تهريب، ولا يجمد حسابًا ماليًا بصورة تلقائية.

والدليل العملي جاء سريعًا؛ فبعد صدوره، أعلن الحوثيون استهداف منشأة تابعة لمصفاة أرامكو في جازان بطائرة مسيّرة. وأعلنت وزارة الطاقة إخماد حريق في المنشأة دون إصابات، من غير أن تحدد رسميًا سببه. 

وهذا يعني أن الإدانة لم تنتج ردعًا فوريًا، وأن الحوثيين أرادوا، على الأرجح، إظهار أنهم لا يغيرون عملياتهم بسبب بيان دولي.

لكن عدم الردع الفوري لا يجعل البيان بلا قيمة؛ إذ يمكن أن يصبح جزءًا من الردع إذا أعقبته إجراءات عملية، مثل تشديد تنفيذ حظر السلاح، وتعقب شبكات التمويل والتهريب، ومحاسبة الجهات التي تزود الحوثيين بالمعدات والخبرات، ورفع كلفة الاعتداء عليهم وعلى داعميهم.

البيان يرفع كلفة الحوثي السياسية، لكن الردع يحتاج إلى رفع كلفة الهجوم نفسه.

الطائرات ليست تفصيلًا

إدانة هبوط الطائرات في صنعاء والحديدة دون موافقة الحكومة اليمنية من أهم ما ورد في البيان، رغم أنها قد تبدو أقل إثارة من الهجمات الصاروخية.

فالمجلس يؤكد بذلك أن الحوثيين لا يملكون صفة الدولة، ولا يحق لهم إدارة المطارات الدولية أو استقبال الرحلات الأجنبية باعتبارهم سلطة سيادية مستقلة.

كما يربط الرحلات غير المصرح بها باحتمالات نقل الأفراد والمعدات والمساعدات العسكرية المخالفة للقرار 2216.

وهنا لا يدافع المجلس عن إجراء إداري متعلق بالطيران فقط؛ بل يمنع تكريس واقع يمنح الحوثيين شرعيةً دولية من خلال المطارات التي يسيطرون عليها.

ردود الفعل الدولية

رحبت الحكومة اليمنية والسعودية وقطر والأردن بالبيان، واعتبرته دعمًا للحكومة الشرعية وإدانة واضحة للتصعيد الحوثي.

كما أدان الاتحاد الأوروبي الهجمات على المملكة وعلى المنشآت المدنية في مأرب، وأكد تضامنه مع السعودية والحكومة اليمنية، محذرًا من أن التصعيد يقوض الاستقرار وفرص السلام. مضمون الموقفين الأممي والأوروبي

أما الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين، فلم تصدر جميعها مواقف منفصلة جديدة؛ لكن موافقتها على البيان بوصفها أعضاء في مجلس الأمن تعني مشاركتها في مضمونه.

ولم يظهر حتى وقت إعداد هذا التقرير رد حوثي سياسي مفصل على البيان، بينما قدم استمرار الهجمات الرد الميداني الأوضح.

والملاحظة الأهم أن ردود الفعل ظلت، حتى الآن، في دائرة الترحيب والإدانة والتضامن؛ ولم تنتقل إلى إعلان عقوبات جماعية جديدة أو آلية دولية مباشرة للرد.

تحليل | بث

البيان ليس مجرد دعم لفظي للمملكة، لكنه أيضًا ليس مظلة عسكرية دولية.

قيمته الأولى أنه أنهى أي غموض في توصيف الحدث: الحوثيون هم الطرف الذي يهاجم أراضي دولة عضو في الأمم المتحدة، ويستهدف الملاحة التجارية، ويتجاوز سلطة الحكومة اليمنية في المطارات.

وقيمته الثانية أنه صدر بالتوافق؛ أي إن الحوثيين لم يجدوا داخل المجلس قوة كبرى تمنع إدانتهم. لكن هذا التوافق تحقق أيضًا لأن البيان توقف قبل الانتقال إلى العقوبات أو القوة، حيث تبدأ الخلافات بين الدول الكبرى.

أما قيمته الثالثة، فهي تراكمية؛ فإذا استمرت الهجمات، لن يبدأ أي تحرك دولي لاحق من الصفر. أصبح هناك سجل رسمي يثبت نمط التصعيد، ويصل بين الصواريخ والملاحة والطيران وخرق حظر السلاح.

و يمكن وصف البيان بأنه دعم سياسي وقانوني للمملكة، وضغط على الحوثيين، لكنه لم يرتقِ بعد إلى ردع عملياتي.

فالردع لا يتحقق عندما يعرف المهاجم أن العالم سيدينه؛ بل عندما يعرف أن هجومه سيعجز عن بلوغ هدفه، وأن كلفته ستعود عليه وعلى من يسلحه ويموله.

بيان مجلس الأمن لا يوقف الصاروخ، لكنه يحدد من أطلقه، ومن يقف معه، ومن يملك شرعية اعتراضه.