أصنام «الوكسات»
كتب: عبدالله العميره
لم تكن أصنام العرب الحديثة مصنوعة من حجارة.
كانت ترتدي بزات عسكرية، وتقف أمام الميكروفونات، وتحمل أسماء كبيرة: الثورة، والتحرير، والوحدة، والتقدم، والاشتراكية، والكرامة القومية.
ولأن الكلمات كانت أكبر من الواقع، احتاج أصحابها إلى الصراخ كي يخفوا المسافة بينهما.
رفعوا الشعارات حتى حجبت السماء، ووعدوا الشعوب بمستقبل عظيم، ثم تركوها بعد عقود تبحث عن الكهرباء والماء والخبز والأمان.
لم تكن المشكلة في أن الشعوب حلمت؛ فالحلم حق، والتطلع إلى العدالة والوحدة والاستقلال ليس خطيئة. المشكلة أنها سُلّمت إلى رجال طلبوا منها أن تتوقف عن التفكير، وأن تستبدل عقلها بصورة القائد، وحقها في السؤال بهتاف محفوظ.
وهكذا لم تتحول الأفكار إلى حضارة، بل تحولت إلى أصنام.
لا نستعيد ذكرى تلك الأصنام إعجابًا بها، ولا تشفيًا من أصحابها، ولا نكأً لجراح ضحاياها؛ بل للتذكير بمآسٍ مضت، والتنبيه إلى خطر بقائها حيةً في بعض العقول.
حين تُعبد الفكرة
القومية والشيوعية والاشتراكية وغيرها أفكار وتجارب بشرية، تُناقش وتُختبر ويؤخذ منها ويُرد عليها.
لكنها في أجزاء من العالم العربي لم تدخل الجامعات بوصفها موضوعًا للفكر، بل دخلت الثكنات بوصفها أوامر، ثم خرجت منها دساتير وخطبًا وأناشيد وأجهزة أمن.
أصبحت الفكرة صحيحة لأن الزعيم قالها، والزعيم عظيمًا لأن أبواقه وصفته بالعظمة، ومن يسأل خائنًا، ومن يعترض عميلًا، ومن يقارن الواقع بالشعار متآمرًا على الأمة.
لم يعد المواطن مطالبًا بأن يفهم؛ بل بأن يصفق.
ولم تعد الدولة مؤسسةً تخدم الناس، بل مسرحًا ضخمًا يستعرض فوقه الحاكم بطولاته الوهمية، فيما تعمل أجهزة الإعلام على إقناع الجمهور بأن الفشل انتصار، والهزيمة صمود، والعزلة استقلال، والفقر ثمن لا بد منه للمجد القادم.
وكان المجد يأتي كل صباح في الخطابات، ولا يصل أبدًا إلى حياة الناس.
جمهور المهايطة
لا يستطيع الصنم أن يصنع نفسه وحده.
إنه يحتاج إلى أبواق مستأجرة، وشعراء بلا ضمير، ومثقفين يبيعون اللغة، وصحفيين يحولون الأكاذيب إلى عناوين، وجماهير تجد في عظمة الزعيم تعويضًا نفسيًا عن ضعف واقعها.
هنا ظهرت «المهايطة» السياسية: مبالغة في وصف الذات، وادعاء لقوة غير موجودة، واستعراضٌ دائم للبطولات أمام جمهور حُرم من التحقق والمقارنة.
ومن أكثر مشاهد المهايطة إثارةً للدهشة والسخرية أن ترى زعيمًا يتهادى في سوق أُعدّ له سلفًا، تحيط به الحراسة والكاميرات، ويحكم دولةً محدودة التأثير أنهكها الضعف؛ ثم يعلو صوت المعلّق مزهوًا، ليصنع من خطواته العادية موكبًا تاريخيًا، ومن جولته المرتبة بطولةً لقائد شجاع همام لا يُضام. عندها لا يعود الإعلام ناقلًا للمشهد، بل مصنعًا للعظمة الوهمية، يضيف إلى الزعيم من الصفات ما لا يراه الناس في الواقع.
كان المهايطي يهدد العالم من منصة، بينما دولته عاجزة عن إصلاح مدرسة.
يتحدث عن تحرير القارات، ولا يستطيع حماية حدود بلاده.
يَعِدُ بإسقاط الإمبراطوريات، ثم يسقط اقتصاده.
ويعلن أن شعبه يقود التاريخ، بينما يصطف الناس في طوابير طويلة للحصول على أبسط احتياجات الحياة.
ثم يتولى المهايطي الأصغر ترديد صوت المهايطي الأكبر، حتى تصبح الدولة كلها مسابقةً في رفع الصوت، ويضيع صوت العقل بين مكبرات الخطابة.
وكما يقال: الطيور على أشكالها تقع.
لكنها لم تكن دائمًا طيورًا تحمل بشائر السماء؛ كان بينها غربان تقتات على الخراب، ونسور لا تحلّق بحثًا عن الحياة، بل تهبط حيث تكون الجيف.
طارت الغربان والنسور، وبقيت الشعوب تعالج آثار أجنحتها.
العدو الجاهز
احتاجت تلك الأنظمة دائمًا إلى عدو.
فالعدو الخارجي يُعفيها من تفسير الفشل الداخلي، والمؤامرة توفر جوابًا جاهزًا لكل سؤال، والخطر القادم يسمح بتأجيل الحرية والتنمية إلى أجل لا ينتهي.
لم يكن كل حديث عن التدخل الخارجي وهمًا؛ فقد تعرضت المنطقة فعلًا لاستعمار وحروب وتدخلات ومشروعات نفوذ. لكن بعض الأنظمة استخدمت هذه الحقائق ستارًا يخفي أخطاءها وفسادها وعجزها.
كلما انهار مشروع، ظهرت مؤامرة.
وكلما تراجع الاقتصاد، استُدعي العدو.
وكلما سأل المواطن عن حقه، قيل له إن الوقت غير مناسب لأن الأمة تخوض معركة مصيرية.
وبقيت المعركة مصيرية نصف قرن، بينما أصبح وجود المواطن نفسه على هامشها.
النكسات والوكسات
وعدت الأصنام شعوبها بالنهضة، فتركت لها النكسات.
ثم لم تكتفِ بالنكسات الكبرى التي تدخل كتب التاريخ، بل أورثتها «وكسات» يومية: إدارة متخلفة، وتعليمًا يلقّن ولا يفكر، واقتصادًا يخاف المبادرة، وإعلامًا يمجد الأشخاص، ومجتمعًا يشتبه في كل فكرة جديدة.
خلّفت تراكمات فكرية كثيفة، وعنتريات فارغة، وعقولًا غطاها غبار الشعارات حتى لم تعد قادرة على رؤية العالم كما أصبح.
في العراق واليمن وليبيا والسودان ومصر وغيرها، اختلفت التجارب والظروف ودرجات المسؤولية، ولا يصح اختزال تاريخ كل دولة في سبب واحد. لكن خيطًا مشتركًا امتد بينها: تغليب صورة القائد على قوة المؤسسة، وتقديم الولاء على الكفاءة، واستخدام الشعارات لتعويض ما ينقص الواقع.
ليست مشكلات هذه الدول نتاج فكر واحد فقط؛ فهناك الاستعمار والحروب والتدخلات والفساد والصراعات الاجتماعية. لكن تقديس السلطة عطّل قدرتها على مراجعة الأخطاء، وحوّل الفشل المؤقت إلى مرض طويل.
فالدولة التي تمنع السؤال لا تعرف موضع الخلل.
والقائد الذي لا يسمع إلا المديح لا يدرك الهاوية إلا بعد أن يسقط فيها، وغالبًا يسقط فوق شعبه.
من كان رجعيًا؟
وصفت تلك الأصوات دولًا عربية أخرى بأنها «رجعية».
والمثير للدهشة أن هناك من لا يزال يعتقد أن له حقًا تاريخيًا في القيادة، وأن بلاده تظل رمزًا للقوة العربية؛ فمنهم من يراها «قادسية العرب الحديثة»، ومنهم من يتوهم أن شعبه يرابط نيابةً عن العرب لحماية المقدسات، دون أن يرى كيف تحول الخطاب الذي يردده إلى أداة تعبّر عن أحقاد المحتل وتخدم أهدافه. وكل ذلك لا يستند إلى حاضر يصنعه، بل إلى ماضٍ لم يراجعه، ولم يتعلم من إخفاقاته وجراحه.
وما زلت أتذكر ذلك الوزير اللبناني، العالق في لغة زمن مضى، حين حاول الانتقاص من السعوديين بوصفهم «بدوًا يركبون الجمال»، وتلك المرأة التي تحدثت عن الجمل كأنه عار يجب التنصل منه. ولم يدرك هؤلاء أن العار ليس في الجمل، ولا في الصحراء، ولا في البداوة؛ بل في عقل يتوهم أن احتقار تاريخ الآخرين يمنحه حضارة.
فالجمل الذي يسخرون منه حمل الإنسان والعلم والتجارة، وعبرت على ظهوره قوافل الحضارة، وانتقلت عبر طرقه رسالة الإسلام وعلوم القرآن إلى آفاق بعيدة. ولم يكن يومًا علامة تخلف؛ بل كان وسيلة عصره لعبور المسافات وبناء الصلات، تمامًا كما أصبحت الطائرة والقطار والمركبة الفضائية وسائل هذا العصر.
الحضارة لا تبدأ بإنكار الجذور المشرفة، بل بالقدرة على الانطلاق منها إلى المستقبل. والمتخلف الحقيقي ليس من كان أجداده يركبون الجمال، بل من بقي عقله حتى اليوم راكبًا أوهام الماضي.
كانت الكلمة تُطلق بازدراء، وكأن التاريخ منح أصحاب الخطب شهادة التقدم، وكتب على غيرهم البقاء في الماضي.
لكن السنوات كشفت الفرق بين من كان يتحدث عن المستقبل، ومن كان يعمل من أجله.
بقي أصحاب الشعارات في أماكنهم، أسرى صور قديمة وخطب مسجلة ولغة لا تزال تخوض معارك القرن الماضي، بينما سار من وصفوهم بالرجعية إلى بناء الجامعات والمدن والبنية التحتية والاقتصاد والتقنية ومؤسسات الدولة.
وحين استيقظ بعضهم، وجد أن الذين كان يسخر منهم قد سبقوه، لا بخطوة أو بعقد واحد، بل عبروا مسافة حضارية هائلة.
فالتقدم ليس قبعة فكرية يرتديها الإنسان، ولا كلمة يضعها النظام في اسمه، ولا نشيدًا يردده الأطفال في الصباح.
التقدم مدرسة جيدة، ومستشفى يعمل، وقضاء يحفظ الحقوق، واقتصاد ينتج، ومدينة يستطيع الإنسان أن يعيش فيها بكرامة، ودولة تراجع أخطاءها قبل أن تتحول إلى كوارث.
ليس المتقدم من يصف نفسه بالتقدمي، كما أن العطشان لا يرتوي بكتابة كلمة «الماء» على جدار.
المسافة بين عقلين
هناك اليوم مسافة طويلة بين عقل لا يزال يعيش داخل معارك الماضي، وعقل ينظر إلى الأمام بعين بصيرة.
الأول يسأل: من خان الزعيم؟
والثاني يسأل: لماذا فشل المشروع؟
الأول يبحث عن بطل جديد.
والثاني يبني مؤسسة لا تحتاج إلى بطل.
الأول يريد استعادة زمن الخطابات.
والثاني يريد صناعة زمن المعرفة.
الأول يقيس قوة الدولة بما يقوله الحاكم عنها.
والثاني يقيسها بما تقدمه لمواطنيها، وبقدرتها على الإنتاج والمنافسة وحماية المستقبل.
وهذه ليست مسافة بين دول فقط، بل بين عقلين قد يعيشان داخل المجتمع الواحد، وربما داخل الإنسان نفسه.
ماذا تحتاج الشعوب؟
تحتاج الشعوب العربية إلى تفكيك ما تراكم في وعيها من أوهام، وإعادة بناء نظرتها إلى الدولة والقيادة والتاريخ والمستقبل.
والإعلام اليوم وسيلة مهمة لفتح النوافذ وكشف الحقائق، لكنه لا يستطيع وحده بناء الوعي؛ فالبناء الكامل يحتاج إلى منظومة متكاملة يصوغها فكر جديد، وتشارك فيها الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات الثقافة والدولة.
ولا تحتاج الشعوب التي عانت إلى صنم جديد يحل محل القديم، ولا إلى شعار أكثر لمعانًا، ولا إلى نسخة محدّثة من المهايطي التاريخي.
تحتاج إلى تحرير العقل من رغبته الدائمة في صناعة الزعيم المنقذ.
تحتاج إلى تعليم يعلّم الطفل كيف يسأل، لا كيف يحفظ الإجابة التي ترضي السلطة.
تحتاج إلى إعلام يحاسب الأداء، ولا يصنع الهالات حول الأشخاص.
تحتاج إلى مؤسسات تبقى حين يرحل القادة، وقوانين لا تتبدل باختلاف الأسماء، وذاكرة تاريخية تقرأ التجارب بصدق، دون تقديس أو انتقام.
وتحتاج، قبل ذلك كله، إلى شجاعة الاعتراف بأن بعض ما صُوّر لها عظمةً لم يكن سوى فشل مرتفع الصوت.
فالاعتراف لا يهدم الكرامة، بل يحررها من الوهم، وينقذ المستقبل من تكرار الماضي.
العقل لا يهتف
رفع مستوى العقل العربي لا يبدأ بتلقينه فكرة جديدة، بل بتحريره من تقديس الأفكار والأشخاص.
ويحتاج هذا العقل إلى أن يتسع، وأن يرى ما حوله بصدق، ويدرك أن دولًا ومجتمعات عربية أخرى سبقته في مجالات كثيرة؛ لأنها راجعت تجاربها، وغادرت أسر الماضي، واختارت النظر إلى الأمام.
يحتاج إلى توسيع الأفق الذي حكم عليه زمن الأصنام أن يبقى ضيقًا، وإلى الخروج من وهم الأفضلية الدائمة، ومن الاعتقاد بأن الماضي يمنح صاحبه تفوقًا أبديًا لا يحتاج إلى عمل أو تجدد.
وأن يتعلم السؤال عن الدليل قبل أن يصفق، وعن النتيجة قبل أن ينبهر بالشعار، وعن قيمة الإنسان قبل أن يُفتن بصورة الدولة القوية.
وأن يدرك أن حب الوطن لا يعني تعطيل العقل، وأن نقد التجربة لا يعني خيانة أصحابها، وأن الاعتراف بالخطأ أشجع من تزيين الخراب، وأصدق من تحويل الفشل إلى بطولة.
لقد سقطت أصنام كثيرة، لكن بقاياها لا تزال قائمة في بعض العقول.
والمهمة ليست تحطيم تماثيلها؛ فقد تكفل الزمن بكثير منها.
المهمة الأصعب أن نزيل من داخل الإنسان حاجته إلى الصنم.
فالشعوب التي تفكر لا تبحث عن زعيم تدور حوله، بل تبني دولًا يسير فيها الجميع إلى الأمام؛ دولًا تتشابه في قوة مؤسساتها، لا في صور قادتها، ويجمعها احترام الإنسان وصناعة المستقبل، من الخليج إلى المحيط.