اليوم 158 | الممر قبل السلام
واشنطن تعرض رفع حصار الموانئ مقابل فتح هرمز، وطهران تفاوض على السيادة لا العبور فقط، بينما تستمر العقوبات وتقترب جبهة اليمن من مواجهة أوسع
متابعة وتحليل | بث
دخلت الحرب الأمريكية الإيرانية يومها الـ158، وقد انتقلت بؤرة المواجهة مؤقتًا من السماء الإيرانية إلى طاولة ترسم فوقها حدود الحركة في مضيق هرمز.
فالولايات المتحدة تتوقع إعلان اتفاق قريب بين إيران وسلطنة عُمان يعيد الملاحة التجارية إلى المضيق دون عوائق، وأبدت استعدادها لرفع الحصار عن الموانئ الإيرانية فور تنفيذ طهران التزاماتها.
لكن ما يبدو اتفاقًا على فتح ممر بحري يخفي خلافًا أكبر يتعلق بمن يمتلك حق تنظيم العبور، وما إذا كانت حرية الملاحة تشمل السفن العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، أم تقتصر على السفن التجارية.
وفي الوقت الذي يتراجع فيه صوت الطائرات الأمريكية فوق إيران، تواصل واشنطن فرض العقوبات المالية، بينما تنقل الجماعات المتحالفة مع طهران الضغط إلى اليمن والبحر الأحمر والحدود السعودية.
وهكذا أصبح اليوم 158 مرحلة تفاوض تحت الحصار: لا ضربات أمريكية معلنة داخل إيران، ولا سلام، ولا ممر مفتوح تستطيع الأسواق الوثوق به.
عرض أمريكي
قال مسؤول أمريكي إن واشنطن تتوقع التوصل قريبًا إلى اتفاق بين إيران وسلطنة عُمان يسمح بعودة الملاحة التجارية الطبيعية عبر مضيق هرمز.
وتضمن التصريح الأمريكي للمرة الأولى معادلة تنفيذية واضحة: فتح المضيق بلا عوائق، مقابل رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية.
لكن واشنطن ربطت خطواتها بالأداء الفعلي لطهران، ما يعني أن رفع الحصار لن يحدث لمجرد توقيع الاتفاق، بل بعد التحقق من عبور السفن وعدم فرض رسوم أو قيود تمييزية عليها. تفاصيل العرض الأمريكي وشروطه
وبذلك يحاول كل طرف ترتيب خطوات التنفيذ بحيث لا يمنح الآخر مكسبه مقدمًا؛ فإيران تريد رفع الحصار قبل أن تتخلى عن قبضتها البحرية، والولايات المتحدة تريد اختبار فتح المضيق قبل السماح بعودة الصادرات الإيرانية.
وهنا تكمن أولى عقد الاتفاق: من يتحرك أولًا، ومن يضمن ألا يحصل الطرف الآخر على المكسب ثم يتراجع عن التزامه؟
معركة السيادة
لا تتفاوض إيران على إحداثيات ممر بحري فقط؛ بل تحاول تحويل سيطرتها الميدانية خلال الحرب إلى اعتراف بدور دائم في إدارة المضيق.
وتشير المواقف الإيرانية إلى رغبة في منع السفن العسكرية الأمريكية والإسرائيلية من استخدام الممر، وإلزام بعض السفن بالتسجيل أو الحصول على موافقة مسبقة، وربما دفع رسوم أو الخضوع لتصنيف يحدد إن كانت صديقة أم معادية.
وفي المقابل، ترفض واشنطن فرض أي قيود على سفنها أو رسوم على العبور، وتصر على بقاء هرمز ممرًا دوليًا مفتوحًا لا يخضع للسيادة المنفردة لأي دولة. الخلاف بشأن السفن الأمريكية والسيطرة على المضيق
ولهذا فإن الخلاف الحقيقي لا يدور حول فتح المضيق أو إغلاقه، بل حول معنى كلمة «مفتوح».
فالممر قد يكون مفتوحًا أمام ناقلات النفط، لكنه مغلق أمام القطع العسكرية، أو مفتوحًا للدول التي تقبل بها طهران، ومقيدًا على الدول التي تصنفها معادية.
وإذا قبلت الولايات المتحدة بهذه الصيغة، فسترى إيران أنها انتزعت من الحرب دورًا لم تكن تملكه قبلها. وإذا رفضتها واشنطن، فقد يتعثر الاتفاق عند أكثر بنوده حساسية.
هدوء بلا هدنة
لم تعلن القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات جديدة داخل إيران منذ 29 يوليو، في أطول فترة هدوء ميداني منذ الجولة الأخيرة من التصعيد.
لكن هذا التوقف لا يمثل وقفًا رسميًا لإطلاق النار، ولم يصدر إعلان يلزم الطرفين بالامتناع عن العمليات العسكرية.
ويبدو أن واشنطن اختارت تعليق الضربات لمنح محادثات هرمز فرصة، مع الاحتفاظ بالقدرة على استئنافها إذا فشلت المفاوضات أو تعرضت السفن والقوات الأمريكية لهجمات جديدة.
أما إيران، فتستفيد من الهدوء لإعادة ترتيب دفاعاتها، وتثبيت شروطها في المضيق، وتحريك الضغط عبر الحلفاء بدل الدخول في مواجهة مباشرة قد تمنح واشنطن مبررًا لجولة قصف جديدة.
وبذلك لا يعني صمت الطائرات أن الحرب توقفت؛ بل إن أدواتها تبدلت مؤقتًا.
العقوبات تتقدم
بالتزامن مع الحديث عن قرب الاتفاق، أعلنت الإدارة الأمريكية جولة جديدة من العقوبات استهدفت شبكة مالية ومصرفية وشركات ومنصات متهمة بمساعدة إيران على الوصول إلى عائدات النفط وتجاوز القيود الدولية.
وشملت الإجراءات مؤسسات داخل إيران وخارجها، إضافة إلى شبكات مرتبطة بالحرس الثوري، في رسالة تؤكد أن واشنطن لن تخفف الضغط الاقتصادي قبل رؤية تنفيذ ملموس في هرمز. تفاصيل العقوبات المالية الجديدة
وتبدو السياسة الأمريكية هنا قائمة على مسارين متوازيين:
- عرض رفع الحصار البحري إذا فُتح المضيق.
- تشديد الحصار المالي إلى أن تلتزم إيران بشروط الاتفاق.
وهذا الأسلوب يمنح واشنطن أوراقًا تفاوضية، لكنه يتيح للتيار المتشدد في طهران القول إن الولايات المتحدة تتفاوض بيد، وتعاقب باليد الأخرى.
انقسام طهران
دافع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن استمرار الدبلوماسية، وقال إن الحوار يمكن أن يحفظ حقوق إيران ويجنبها المزيد من القتال، مشيرًا إلى أن معظم كبار القادة العسكريين يؤيدون التفاوض من أجل وقف الحرب.
وتحمل تصريحات بزشكيان أهمية خاصة؛ لأنها تكشف أن الخلاف داخل إيران لم يعد بين الدولة والولايات المتحدة فقط، بل بين جناح يريد تحويل الصمود العسكري إلى تسوية، وآخر يخشى أن يتحول الاتفاق إلى تنازل تحت الضغط.
ويبدو أن الرئيس الإيراني يحاول تقديم التفاوض باعتباره وسيلة لحماية الحقوق، لا إعلانًا للهزيمة. لكنه يحتاج إلى موافقة مراكز القوة الأخرى، وفي مقدمتها القيادة العليا والحرس الثوري، قبل إقرار الصيغة النهائية. بزشكيان يدافع عن الحوار
وهذا يفسر بطء القرار الإيراني؛ فالمفاوض لا يبحث عن صيغة تقبلها واشنطن وعُمان فقط، بل عن صيغة تستطيع مراكز السلطة في طهران الدفاع عنها أمام الداخل.
اليمن يقترب
بينما يقترب هرمز من اتفاق، تقترب اليمن من مواجهة أوسع.
فقد شن الحوثيون هجمات جديدة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على مأرب، واستهدف القصف أحياء سكنية ومخيمات للنازحين، ما أدى إلى مقتل مدنيين وإصابة آخرين، بعد يوم شهد مقتل عشرات من أفراد القوات الحكومية في مأرب وحضرموت.
وأعلن الجيش اليمني أنه رد على مواقع الحوثيين في عدد من الجبهات، فيما حذر المبعوث الأممي من أن اليمن يواجه أخطر احتمال للعودة إلى حرب واسعة منذ هدنة أبريل 2022. تطورات جبهة مأرب والتحذير الأممي
وتكشف هذه الجبهة خطرًا مزدوجًا:
الأول أن تستخدم إيران حلفاءها لرفع الكلفة الإقليمية دون أن تنفذ هجومًا مباشرًا يحمل توقيعها.
والثاني أن يؤدي التصعيد الحوثي إلى رد عسكري يعيد الحرب اليمنية إلى نطاقها الواسع، ويفتح جبهة موازية لمحادثات هرمز.
ردع مكة
أدخل اتفاق الدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان عنصرًا جديدًا في حسابات التصعيد؛ إذ بات أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا.
ولا يعني ذلك أن كل صاروخ أو طائرة مسيّرة، قد يقود تلقائيًا إلى حرب تشارك فيها الدول الثلاث، لكنه يرفع الغموض أمام المهاجم، ويفرض عليه التفكير في احتمال توسع الرد سياسيًا أو استخباراتيًا أو تقنيًا أو عسكريًا.
ويكتسب الاتفاق أهميته المباشرة من توقيته؛ فقد جاء بينما تتعرض المملكة لضغوط من اليمن والعراق، وتتزايد التهديدات لمنشآت الطاقة والملاحة في الخليج والبحر الأحمر.
والرسالة ليست أن المملكة اختارت الحرب، بل أنها تدعم الدبلوماسية من موقع تحميه قدرة أكبر على الردع.
السفن لا تصدق
على الرغم من تقدم المفاوضات، لا تزال حركة الملاحة محدودة، ولا يزال ملاك الناقلات وشركات التأمين يتعاملون مع المضيق بوصفه منطقة عالية المخاطر.
وسجلت أسعار الشحن قفزات استثنائية؛ إذ دفعت شركة هندية ما بين 23 و25 مليون دولار لاستئجار ناقلة عملاقة تحمل مليوني برميل من النفط العراقي، مقارنة بنحو مليوني دولار للرحلة قبل الحرب.
وكشف هذا الرقم أن الاتفاق لم يدخل السوق بعد؛ فشركات الشحن لا تسعّر التصريحات، بل تسعّر احتمال إصابة السفينة، وتأخرها، وفقدان حمولتها، ومسؤولية الطاقم. الكلفة القياسية لنقل النفط عبر الخليج
كما أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية تعرض 15 سفينة تابعة لها لهجمات منذ بداية الحرب، أسفرت عن مقتل أحد أفراد الطواقم وإصابة 20 آخرين، بينها ثلاث حوادث خلال الأسبوع الأخير. أثر الهجمات في السفن والطواقم
ولهذا لن يصبح هرمز مفتوحًا فعليًا عند صدور البيان، بل عندما تبدأ السفن بالعبور، وتنخفض كلفة التأمين والشحن، وتتوقف الهجمات بصورة قابلة للاستمرار.
تحليل | بث
اليوم 158 ليس يوم نهاية الحرب، بل يوم التفاوض على شكل المنطقة بعدها.
تريد الولايات المتحدة إعادة الملاحة ورفع الضغط عن أسعار الوقود والخروج من حرب طالت أكثر مما خططت له، دون الاعتراف بأن إيران أصبحت صاحبة سلطة على مضيق دولي.
وتريد إيران رفع الحصار عن موانئها، واستعادة صادراتها، والحصول على دور معترف به في أمن هرمز، والخروج أمام جمهورها بصورة الدولة التي لم تستسلم رغم الضربات.
أما سلطنة عُمان، فتحاول إنتاج اتفاق فني قابل للتنفيذ، يحفظ لإيران دورًا دون أن يحول المضيق إلى بوابة تفتيش إيرانية، ويمنح واشنطن حرية الملاحة دون أن يظهر الاتفاق كإملاء أمريكي.
وتسعى المملكة إلى معادلة أوسع: فتح الممرات، ووقف الهجمات، ومنع انتقال الحرب إلى منشآت الخليج، مع بناء ردع إقليمي يجعل التهدئة خيارًا واعيًا، لا نتيجة للضعف أو الخوف.
لهذا فإن أصعب ما في اتفاق هرمز ليس رسم مسار السفن، بل رسم حدود القوة بعد الحرب.
ماذا بعد؟
تتجه الأنظار خلال الساعات والأيام المقبلة إلى خمسة مؤشرات:
- إعلان الاتفاق رسميًا من إيران وسلطنة عُمان.
- تحديد وضع السفن العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
- بدء رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية.
- عودة الناقلات وانخفاض تكاليف الشحن والتأمين.
- توقف التصعيد في اليمن وعلى منشآت ودول الخليج.
إذا نجحت هذه الخطوات، فقد يتحول اتفاق هرمز إلى بوابة لوقف العمليات العسكرية، ثم العودة إلى الملف النووي والعقوبات والضمانات الأمنية.
أما إذا تعثرت عند مسألة السيادة أو السفن العسكرية، فقد يعود الطرفان سريعًا إلى لغة الضربات، وتصبح جبهة اليمن وسيلة لتوسيع الضغط قبل الجولة التالية.
ما وراء الخبر
اقترب الطرفان من الاتفاق لأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أثقل من كلفة التفاوض، لا لأن الثقة نشأت بينهما.
فالولايات المتحدة تريد أن يفتح الممر قبل أن ترفع الحصار، وإيران تريد أن يرفع الحصار قبل أن تتخلى عن سيطرتها، والأسواق تريد أن ترى السفن تعبر قبل أن تصدق الطرفين.
لهذا أصبح مضيق هرمز في اليوم 158 أكثر من طريق للنفط.
إنه الممر الذي يحاول كل طرف أن يعبر منه إلى السلام، دون أن يبدو كأنه تراجع أمام الآخر.