الحياة خارج العناوين

news image

كتب: عبدالله العميره

في «بث»، نلتزم بمتابعة أحداث العالم، ونقدمها بتميز وانفراد تحليلي، ونتعامل مع كل حدث مهما بلغت قوته واتسع تأثيره.

وفي الوقت ذاته، نحرص على تقديم مجموعة من التقارير التي تهتم بالإنسان، وتمنحه مساحة للراحة والتأمل، بعيدًا عن صخب الأحداث وضغوطها.

إنه عمل يومي ترون جانبًا منه، وإلى جانبه إنجازات صحفية خاصة نقدمها لعملاء «بث»، بعيدًا عن النشر والأضواء.

وقد أخذنا على أنفسنا عهدًا أن نخرج بكم، بين حين وآخر، من دائرة الأحداث المتعبة، إلى ما هو ألطف وأهدأ؛ لنمنح العقل استراحة، ونترك للقلب نافذة يدخل منها الضوء.

فبينما تنشغل الشاشات بالحروب والأخبار الثقيلة، تستمر حياة صغيرة وادعة في إنقاذ الإنسان، دون أن تطلب مكانًا في الأخبار.

ففي اللحظة التي تتسابق فيها القنوات إلى نقل الانفجارات والتهديدات، يضع أبٌ قطعة حلوى في يد طفله، وتفتح أم نافذة البيت ليدخل الصباح، ويسأل صديق صديقه بمحبة صادقة: كيف حالك؟

هذه الأحداث لا تظهر في الشريط العاجل، مع أنها قد تكون أهم ما حدث في يوم أحدهم.

نحن نعرف الكثير عمّا يخيف العالم، لكننا لا ننتبه دائمًا إلى ما يطمئنه.

لا نرى اليد التي تُمسك بيد مريض، ولا الجار الذي يترك طعامًا عند باب جاره، ولا الغريب الذي يفسح الطريق، ولا الكلمة الطيبة التي وصلت إلى إنسان في اللحظة التي كان يحتاجها تمامًا.

لا توجد كاميرات في تلك الأماكن، لكن الحياة هناك تؤدي أجمل أدوارها.

العالم ليس الشاشة

العالم الذي تعرضه الأخبار حقيقي، لكنه ليس العالم كله.

فخارج الشاشات، ما زالت الأشجار تنمو، والعصافير تغني دون تصريح، والأطفال يضحكون لأسباب لا تفهمها السياسة، والسماء تفتح كل صباح صفحة جديدة حتى لو أصر البشر على حمل أخطاء الأمس إليها.

هناك من يحب للمرة الأولى، وينشغل بشجون قلبه، بينما يحاول أن يمنح عقله مساحة للتفكير في الأحداث والتعامل معها؛ إما لانشغال مهني يفرض عليه المتابعة، أو لأن العقل بطبيعته يريد أن يعرف ماذا يحدث، حتى إن لم يكن له دور فيه.

وهكذا تبقى القلوب منشغلة بمن تحب، والعقول منشغلة بكل خبر، فيما تظل الروح بحاجة إلى الهدوء والراحة؛ كي تستعيد توازنها، وتتجدد آمالها، وتسلم من أثقال أحداث لا تملك تغييرها.

وبين ازدحام القلب وتساؤلات العقل، يركن أحدنا إلى الأمل، مرددًا:

أُعَلِّلُ النَّفْسَ بِالآمالِ أَرْقُبُها
ما أضيقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأملِ

ففي الحياة من عاد إليه غائب، ومن شُفي من مرض، ومن وجد عملًا، ومن تلقى رسالة أعادت إليه ثقته بالحياة، ومن كان يظن أن الأبواب قد أُغلقت، ثم فُتح له باب لم يكن يراه.

هنا، نقدم الأمل والرجاء؛ لا هروبًا من الواقع، بل حمايةً للروح من علل قد تسببها أحداث ليس لنا دور فيها، ومنحًا للإنسان فسحة هادئة يتنفس فيها، قبل أن يعود إلى العالم بقلب أخف، وعقل أصفى، وروح أكثر قدرة على مواصلة الطريق.

وفي مكان ما، يجلس إنسان الآن مطمئنًا؛ لأن شخصًا آخر قال له: أنا معك.

أبطال بلا عناوين

ربما لم ينقذنا في أيامنا الصعبة حدث كبير، بل أشياء شديدة البساطة:

فنجان قهوة أُعد بمحبة.

صوت شخص نفتقده.

ابتسامة مرّت سريعًا.

دعاء لا نعرف صاحبه.

أو لحظة هدوء شعرنا خلالها بأن الأمور، مهما تعقدت، يمكن أن تتحسن.

بعض الذين أنقذوا أيامنا لا يعرفون أنهم فعلوا ذلك. قالوا كلمة عابرة، بينما استقرت في داخلنا طويلًا. منحونا دقائق من وقتهم، فمنحونا قدرة على مواصلة الطريق.

مساحة للضوء

لا يعني الابتعاد قليلًا عن الأخبار أن نهرب من الواقع، بل أن نحمي قدرتنا على مواجهته.

فالعقل يحتاج إلى المعرفة، لكنه يحتاج أيضًا إلى الراحة. والقلب لا يستطيع حمل أحزان العالم كلها دون نافذة يدخل منها الضوء.

لذلك، لا بأس أن نغلق الشاشة لبعض الوقت، وننظر إلى الوجوه القريبة، ونستحضر البعيد في خيالنا، ونتأمل ما بقي لدينا، بدلًا من أن نستغرق في الحزن على ما فقدناه.

لا بأس أن نفرح بشيء صغير، وأن نؤجل القلق، وأن نصدق أن الغد قد يحمل خبرًا أجمل.

الحروب تصنع العناوين، لكن المحبة هي التي تجعل الحياة قابلة للاستمرار.

والأخبار تخبرنا بما حدث اليوم، أما التفاصيل الصغيرة الهادئة فتخبرنا لماذا ما زلنا نرغب في أن يأتي الغد.

فالحياة لا تقيم كلها تحت الأضواء.

أجمل ما فيها يحدث بهدوء، في مكان قريب، وربما داخل قلبك الآن.

فلنحلم بقلوبنا، لكن لنضع أحلامنا تحت مجهر القلب والعقل معًا؛ فلا كل ما نتمناه يتحقق، ولا ما لا يتحقق نهاية الطريق. فأحلام الإنسان لا تنتهي، ولا يأس مع الحياة، ويبقى الدعاء أعظم ما يهب الروح راحةً، والقلب طمأنينةً وسلامًا، والأمل حياةً.