تحالف مكة.. كيف قرأ العالم مولد قوة جديدة؟

اتفاق دفاعي واحد تصفه تركيا ببناء الأمن الإقليمي، وتراه باكستان ارتقاءً استراتيجيًا، ويقرأه الغرب ابتعادًا عن المظلة الأمريكية، بينما تسأل الهند وإسرائيل عمّا يغيره في موازين القوة
متابعة وتحليل | بث
لم تختلف وسائل الإعلام العالمية على أهمية اتفاق الدفاع المشترك الذي وقّعته المملكة وتركيا وباكستان في مكة المكرمة، لكنها اختلفت بوضوح في تفسير دوافعه والجهة التي قد تتأثر به.
فالإعلام التركي قدّمه باعتباره تأسيسًا لنظام أمني تقوده دول المنطقة، والصحافة الباكستانية رأته انتقالًا لعلاقاتها الدفاعية إلى مستوى التحالف، بينما ركز الإعلام الغربي على بحث المملكة عن شراكات أمنية أكثر تنوعًا.
أما الإعلام الهندي، فانشغل بالوزن العسكري والنووي الباكستاني، في حين وضعه الإعلام الإسرائيلي في إطار اصطفاف ثلاث قوى إسلامية كبرى.
وهكذا لم يكن اتفاق مكة خبرًا واحدًا في عواصم العالم، بل تحول إلى مرآة عكست مخاوف كل عاصمة وحساباتها.
تركيا | صناعة النظام
كانت التغطية التركية الأكثر وضوحًا في تقديم الاتفاق بوصفه حدثًا تاريخيًا، وليس مجرد توسيع للتعاون العسكري.
وضعت قناة «TRT World» في عنوانها العبارة المركزية في الاتفاق: «الهجوم على دولة هو هجوم على الجميع»، وقدمتها باعتبارها إعلانًا صريحًا للردع المتبادل. أما وكالة الأناضول فالتزمت الإطار الرسمي، وركزت على أن الاتفاق يستهدف تعزيز السلام والأمن والاستقرار إقليميًا ودوليًا.
لكن صحيفة «حرييت ديلي نيوز» ذهبت أبعد من نقل بنود الاتفاق، ووصفت التوقيع بأنه خطوة تاريخية ستعيد تشكيل البنية الأمنية الإقليمية، مع إبراز مفهوم «الملكية الإقليمية» للأمن؛ أي أن دول المنطقة لم تعد تكتفي بالحماية التي توفرها ترتيبات تقودها قوى خارجية.
وركزت «ديلي صباح» على تكامل قدرات الدول الثلاث: الثقل الاقتصادي والسياسي للمملكة، والخبرة العسكرية الباكستانية، والتقنية والصناعات الدفاعية التركية، مع التأكيد أن الاتفاق دفاعي، ولا يستهدف دولة بعينها، ويمكن أن يشكل نواة لتعاون إقليمي أوسع.
تكشف هذه التغطية أن الإعلام التركي لا يرى أن أنقرة انضمت إلى مظلة سعودية باكستانية قائمة فحسب؛ بل يقدم تركيا بوصفها شريكًا في إنشاء هندسة أمنية جديدة، وقوة تنقل إلى الاتفاق خبرتها الأطلسية وصناعتها الدفاعية وقدراتها البحرية والجوية.
باكستان | قوة مطلوبة
غلب على التغطية الباكستانية شعور بأن الاتفاق يمثل اعترافًا دوليًا بقيمة باكستان العسكرية والاستراتيجية.
قدمت صحيفة «دون» الاتفاق باعتباره إطارًا للردع الجماعي، وتوسيعًا للعلاقة الدفاعية الوثيقة التي تجمع إسلام آباد بالرياض، بينما أبرزت «إكسبرس تريبيون» البعد الإسلامي للمكان والاتفاق، وحضور قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى جانب القيادة السياسية.
أما شبكة «ARY» الناطقة بالإنجليزية والأردية، فاستخدمت وصف «الاتفاق التاريخي» واعتبرته بداية مرحلة جديدة من الشراكة الدفاعية، مع إبراز توقيعه في جوار الكعبة المشرفة، والروابط الأخوية والتضامن الإسلامي بين الدول الثلاث.
لكن وراء اللغة الاحتفائية رسالة باكستانية أعمق: إسلام آباد تريد أن تُرى قوةً توفر الأمن، لا دولة تحتاج إلى الدعم الاقتصادي فقط.
فانضمامها إلى اتفاق يضم المملكة وتركيا يمنح قدراتها العسكرية والصاروخية وزنًا سياسيًا أوسع، ويضعها داخل معادلة أمن الخليج والشرق الأوسط، دون أن تتخلى عن محاولتها الاحتفاظ بدور الوسيط في الحرب الأمريكية الإيرانية.
بريطانيا | ما بعد واشنطن
ركزت التغطية البريطانية على الخلفية التي دفعت الدول الثلاث إلى توقيع الاتفاق أكثر من تركيزها على رمزية مكان التوقيع.
رأت «فايننشال تايمز» أن الاتفاق يعكس اتجاهًا نحو الاعتماد الإقليمي على الذات في وقت تتراجع فيه الثقة بقدرة الضمانات الأمريكية وحدها على حماية دول المنطقة. كما ربطت بين الاتفاق والتعاون القائم في الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية والاستثمارات السعودية في القطاع العسكري التركي.
أما «الغارديان» فاختارت وصف الاتفاق بأنه «حلف دفاعي على غرار الناتو»، وربطت توقيته مباشرة بالهجمات الحوثية والحرب الإيرانية وتصاعد الأخطار المحيطة بالمملكة وممرات الملاحة.
العدسة البريطانية، إذن، لم تسأل فقط: ماذا وقعت الدول الثلاث؟ بل سألت: لماذا لم تعد هذه الدول ترى العلاقات الأمنية التقليدية كافية؟
وهذا تأطير مهم، لكنه قد يختزل الاتفاق في تراجع الثقة بواشنطن، بينما تبدو دوافعه أوسع: تنويع الشراكات، وتوطين الصناعات الدفاعية، وبناء قدرة إقليمية مستقلة على المبادرة، دون قطع التحالفات القائمة.
أمريكا | تنويع سعودي
جاءت التغطية الأمريكية أكثر تحفظًا وأقرب إلى التفسير المؤسسي.
قدمت «واشنطن بوست» الاتفاق باعتباره شراكة تجمع السعودية الغنية بالنفط، وباكستان النووية، وتركيا التي تمتلك ثاني أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي. كما أبرزت توجه الرياض إلى تنويع علاقاتها الدفاعية في ظل الاضطرابات الإقليمية.
وهي زاوية تعكس سؤالًا أمريكيًا غير معلن: هل تنشئ المملكة بديلًا عن واشنطن؟
لكن الاتفاق، وفق ما أعلن عنه، لا يلغي التحالفات الثنائية أو متعددة الأطراف القائمة. ولذلك يبدو الأدق أنه يبني طبقة إضافية من الردع، لا بديلًا كاملًا عن العلاقة الأمريكية.
ومن الملاحظ أن عددًا كبيرًا من المنصات الغربية أعاد نشر مواد متشابهة من وكالات الأنباء؛ وهو ما أدى إلى تكرار عبارات «تراجع الثقة بالمظلة الأمريكية» و«الدول الإسلامية السنية» و«باكستان النووية»، مقابل حضور محدود للأسئلة المتعلقة بآليات تنفيذ الاتفاق وصناعته الدفاعية.
شرق آسيا | استقرار الطاقة
تابعت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» الاتفاق من زاوية الاضطراب الإقليمي، واعتبرته تقاربًا بين ثلاث دول إسلامية حليفة للولايات المتحدة، تشعر بالقلق من السياسات العسكرية المتصاعدة لكل من إسرائيل وإيران.
ولم تحظ رمزية الاتفاق أو تفاصيل العلاقة الإسلامية بين الدول الثلاث بالمساحة نفسها التي منحتها لها الصحافة التركية والباكستانية.
فبالنسبة إلى الإعلام الآسيوي، تُقرأ التحالفات الشرق أوسطية غالبًا من خلال تأثيرها في استقرار الطاقة والممرات البحرية والتجارة مع الصين وشرق آسيا.
وهذا يعني أن نجاح الاتفاق في نظر الشرق لن يقاس بالبيانات السياسية وحدها، بل بقدرته على منع الهجمات، وحماية المنشآت والموانئ، وإبقاء طرق النفط والتجارة مفتوحة.
الهند | عين على باكستان
كانت الصحافة الهندية الأكثر اهتمامًا بالسؤال النووي وبما قد يعنيه الاتفاق لتوازن القوة في جنوب آسيا.
وصفت «تايمز أوف إنديا» الاتفاق بأنه اصطفاف استراتيجي يجمع ثلاثة عناصر مختلفة: المال والطاقة السعودية، والقوة العسكرية والنووية الباكستانية، والتقنية والعمق الاستراتيجي التركي. كما أبرزت إعلان نيودلهي أنها تتابع التطور عن كثب.
واستخدمت منصات هندية تعبير «الناتو الإسلامي»، وطرحت السؤال صراحة: هل ينبغي للهند أن تقلق؟ فيما اتخذت «إنديان إكسبرس» مسارًا أكثر تفسيرًا، فبحثت أسباب الاتفاق والعلاقات الدفاعية السابقة بين أطرافه.
وهنا ظهر أثر الجغرافيا السياسية بوضوح: الإعلام الهندي لم ينظر إلى الاتفاق من مكة أو الخليج، بل من الحدود الهندية الباكستانية.
غير أن تحويل كل تعاون دفاعي تشارك فيه باكستان إلى تهديد مباشر للهند يتجاوز ما أُعلن؛ فالاتفاق دفاعي، ولم يسم دولة معادية، كما أن للمملكة علاقات سياسية واقتصادية واسعة مع نيودلهي لا تتعارض مع علاقاتها التاريخية بإسلام آباد.
إسرائيل | اصطفاف سني
اختارت صحيفة «هآرتس» وصف الاتفاق بأنه تقارب متزايد بين ثلاث قوى إسلامية سنية كبرى ترتبط بعلاقات مع الولايات المتحدة.
ويكشف هذا الوصف محاولة وضع الاتفاق داخل خريطة المحاور المذهبية، رغم تأكيد الأطراف الثلاثة أنه ليس موجهًا ضد دولة أو طائفة.
كما أن الجمع بين المملكة وتركيا وباكستان يخلق في القراءة الإسرائيلية مركز قوة يمتلك تأثيرًا عربيًا وإسلاميًا، وصناعة دفاعية متقدمة، وجيشًا نوويًا، وعلاقات دولية واسعة.
ولذلك لا ينحصر السؤال الإسرائيلي في موقف الاتفاق من إيران، بل يمتد إلى أثره المحتمل في حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية وفي مواقف الدول الثلاث من فلسطين وغزة.
الإعلام العربي | الخبر أولًا
غلب على جزء كبير من الإعلام العربي نقل بنود البيان المشترك، ولا سيما اعتبار الهجوم على دولة هجومًا على الجميع، دون الدخول في تحليل الالتزامات العملياتية.
وربطت منصات عربية ودولية ناطقة بالعربية والإنجليزية الاتفاق بالحرب الأمريكية الإيرانية، والهجمات الحوثية، والبحث عن ترتيبات أمنية قادرة على حماية دول الخليج والممرات البحرية.
ويمكن تفسير هذا الحذر بأن الاتفاق أُعلن للتو، بينما لم يُنشر حتى الآن نص تفصيلي يكشف تعريف العدوان، وآلية اتخاذ القرار، وطبيعة الاستجابة، وحدود الالتزام العسكري.
تحليل | بث
يمكن اختصار اتجاهات التغطية العالمية في ست صور:
- الإعلام التركي رأى نظامًا إقليميًا جديدًا.
- الإعلام الباكستاني رأى ارتقاءً استراتيجيًا لبلاده.
- الإعلام الغربي رأى تنويعًا بعيدًا عن الاعتماد المنفرد على واشنطن.
- الإعلام الهندي رأى امتدادًا للقوة الباكستانية.
- الإعلام الإسرائيلي رأى تجمعًا لقوى إسلامية كبرى.
- الإعلام الآسيوي رأى أداة محتملة لحماية الطاقة والممرات.
والمثير أن معظم التغطيات أدركت عناصر القوة الثلاثة، لكنها لم تمنح المملكة الدور الكامل الذي تكشفه هندسة الاتفاق.
فالسعودية ليست الممول الذي جمع جيشًا باكستانيًا بصناعة تركية؛ إنها المركز السياسي والجغرافي الذي جمع القوتين داخل تصور أوسع للأمن الإقليمي، واختار مكة مكانًا لتحويل التفاهم العسكري إلى رسالة سياسية وإسلامية تتجاوز الحسابات الثنائية.
وبذلك قدمت الدول الثلاث عناصر متكاملة ومحددة:
- المملكة مركز القرار والثقل السياسي والاقتصادي والجغرافي.
- تركيا القوة العسكرية والصناعة الدفاعية والخبرة الأطلسية.
- باكستان العمق العسكري والصاروخي والوزن النووي.
لكن الاتفاق لا يصبح حلفًا مؤثرًا بمجرد جمع هذه العناصر. قوته الحقيقية ستظهر عندما تتحول إلى قيادة وتخطيط وتدريب وإنذار مبكر ودفاع جوي وبحري وصناعة مشتركة.
ما أغفلته التغطية
ركزت وسائل الإعلام على عبارة «الهجوم على واحدة هجوم على الجميع»، لأنها الأكثر جاذبية للعناوين، لكنها لم تتوقف بما يكفي عند الأسئلة الأصعب:
كيف سيُعرّف الهجوم المسلح؟
هل تكون الاستجابة العسكرية تلقائية أم تخضع للتشاور؟
هل تشمل المظلة الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية؟
هل تمتد إلى السفن والمنشآت التابعة للدول الثلاث خارج أراضيها؟
وما المؤسسة التي ستتولى التخطيط وتقدير التهديد واتخاذ القرار؟
هذه الأسئلة لا تقلل من الاتفاق، بل تحدد المسافة بين الإعلان السياسي والتحالف العملياتي.
ما وراء التغطية
لم تكشف التغطية العالمية حقيقة الاتفاق وحده؛ بل كشفت أيضًا حقيقة العالم الذي ينظر إليه.
الغرب يخشى تراجع مركزه.
الهند تراقب باكستان.
إسرائيل تحسب موازين القوة.
تركيا ترى فرصة للقيادة.
باكستان ترى اعترافًا بمكانتها.
وشرق آسيا يريد طرقًا آمنة للطاقة والتجارة.
أما المملكة، فقد وضعت الجميع أمام حقيقة جديدة: الأمن الإقليمي لم يعد ملفًا تنتظر دول المنطقة أن يصوغه الآخرون.
لقد بدأت تصوغه بنفسها.