عيون BETH في عواصم القرار
العالم يحصّن ممراته
تحالفات جديدة تتشكل في جدة، وهشاشة هرمز تحرك النفط والعملات، بينما تكشف الصين وأوروبا وروسيا طرقًا مختلفة لمواجهة اضطراب العالم
العواصم | بث
متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي
لا ينتظر العالم انتهاء الحروب كي يعيد ترتيب نفسه.
فبينما تتفاوض الولايات المتحدة وإيران على إعادة فتح مضيق هرمز، تتحرك الدول والأسواق كما لو أن الأزمات قد تستمر: تحالفات أمنية تتشكل، ومسارات نفطية تتغير، وعملات تستفيد من الخوف، واقتصادات تبحث عن بدائل تحميها من الممرات المهددة.
ومن جدة إلى واشنطن، ومن بكين إلى موسكو وبروكسل، تتكرر الرسالة ذاتها: لم يعد أمن الدولة يبدأ من حدودها فقط، بل من الطريق الذي تسلكه طاقتها، والممر الذي تعبره تجارتها، والشريك القادر على الوقوف معها عند الخطر.
جدة | مثلث أمني
تتجه الأنظار إلى جدة، حيث ينتظر أن يجتمع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، يرافقه قائد الجيش عاصم منير.
وفي تطور لاحق لإعداد هذا التقرير، وقّعت المملكة وتركيا وباكستان، اليوم في مكة المكرمة، اتفاقية للدفاع المشترك، تتضمن اعتبار أي هجوم مسلح تتعرض له إحدى الدول الثلاث هجومًا على الدولتين الأخريين، بما يعزز مبدأ الردع الجماعي، ويرفع مستوى التنسيق والتعاون الدفاعي بينها تفاصيل.
ولا تكمن أهمية التحرك في إضافة اتفاق عسكري إلى شبكة الاتفاقات القائمة، بل في طبيعة الدول الثلاث: المملكة بثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها العربية والإسلامية، وتركيا بقدراتها العسكرية والصناعية وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، وباكستان بعمقها البشري والدفاعي وامتلاكها السلاح النووي.
وإذا تأكد الاتفاق رسميًا، فإنه سيشير إلى انتقال المنطقة من الاعتماد على مظلة أمنية واحدة إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات، لا تستبدل العلاقات الدولية القائمة، بل تضيف إليها قدرة إقليمية أكبر على الردع وحماية الاستقرار.
واشنطن | الاقتصاد يراقب الحرب
في واشنطن، تتقاطع تطورات الحرب مع انتظار الأسواق بيانات الوظائف الأمريكية، وسط توقعات بإضافة نحو 80 ألف وظيفة خلال يوليو، واستقرار معدل البطالة عند 4.2%.
ويبدو الرقم اقتصاديًا محضًا، لكنه سيؤثر في قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، وفي اتجاه الدولار، وقدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل ضغوط إضافية ناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة وكلفة العمليات العسكرية.
واستفاد الدولار خلال الأسبوع من استمرار التوتر في الخليج بوصفه ملاذًا آمنًا، رغم أن الحرب التي تدعم العملة مؤقتًا قد تتحول لاحقًا إلى مصدر تضخم يضغط على الاقتصاد الأمريكي نفسه.
وهنا تظهر مفارقة القوة الأمريكية: كلما ازداد قلق العالم، اتجه جزء من أمواله إلى الدولار؛ لكن استمرار سبب القلق طويلًا قد يرفع الأسعار، ويضعف النمو، ويعقد خيارات البنك المركزي.
هرمز | اتفاق بلا ثقة
على الرغم من اقتراب إيران وسلطنة عُمان من صياغة تفاهم بشأن الملاحة، تكشف حركة السفن أن الأسواق لم تصدق بعد أن المضيق أصبح آمنًا.
فقد عبرت 33 سفينة فقط بين الاثنين والخميس، مقارنة بـ50 سفينة خلال الفترة نفسها من الأسبوع السابق، ولم يشهد يوم الخميس عبور أكثر من أربع سفن.
وقبل الحرب، كانت حركة المضيق تتراوح بين 130 و140 سفينة أسبوعيًا، ما يكشف الفجوة الواسعة بين الحديث السياسي عن إعادة الفتح، والعودة الفعلية للتجارة.
والأكثر دلالة أن العراق عرض تخفيضات وصلت إلى 30 دولارًا للبرميل على بعض شحنات خام البصرة، ومع ذلك تردد ملاك السفن في التعاقد بسبب المخاطر الأمنية والتأمينية.
وهذا يعني أن النفط الرخيص لا يستطيع وحده إقناع السفينة بالعبور؛ فالسعر يحرك المشتري، لكن الأمان هو الذي يحرك الناقلة. ت
بكين | محرك بلا وقود كافٍ
أظهرت بيانات يوليو ارتفاع الصادرات الصينية بنسبة 23.9% على أساس سنوي، مدفوعة بالطلب على المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتوسع السريع في صادرات السيارات، التي نمت بأكثر من 50% من حيث القيمة والكمية.
لكن الجانب الآخر من الصورة يكشف أثر الحرب؛ إذ انخفضت واردات الصين من النفط الخام بنسبة 24.3% مقارنة بالعام الماضي، رغم تحسنها عن أدنى مستوى سجلته خلال يونيو.
وتبدو الصين هنا كاقتصاد يعمل بمحركين متعاكسين: محرك تصديري يتسارع بفضل التقنية والسيارات، ومحرك طاقة يتعرض لضغط الممرات البحرية وتقلب الإمدادات.
وبالنسبة إلى المملكة، تحمل الأرقام رسالتين: الأولى أن الصين ستظل سوقًا رئيسة للطاقة، والثانية أن مستقبل العلاقة معها سيتسع ليشمل الذكاء الاصطناعي والصناعة المتقدمة والسيارات وسلاسل الإمداد، بما يتجاوز العلاقة التقليدية بين منتج للنفط ومستورد له.
موسكو | زيادة غير مستقرة
رفعت روسيا إنتاجها من النفط الخام والمكثفات بنحو 100 ألف برميل يوميًا خلال يوليو، ليتجاوز تسعة ملايين برميل يوميًا، مستفيدة من قوة الصادرات وتعافي تشغيل بعض المصافي.
لكن استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة، وتضرر منشآت التكرير، وضيق قدرات النقل والتصدير، تجعل الحفاظ على هذا المستوى خلال أغسطس أمرًا غير مضمون.
وتكشف الحالة الروسية أن زيادة الإنتاج لا تعني دائمًا زيادة القدرة المستقرة؛ فقد تخرج كميات أكبر من الآبار لأن المصافي المتضررة لا تستطيع معالجتها، لا لأن المنظومة النفطية أصبحت أكثر قوة.
ولهذا تراقب المملكة ودول «أوبك+» ليس حجم الإنتاج الروسي وحده، بل قدرة موسكو على استدامته ونقله وتكريره، لأن السوق تقيس البرميل الذي يستطيع الوصول، لا البرميل المسجل في بيانات الإنتاج.
بروكسل | حرارة اقتصادية
في أوروبا، لم تعد موجات الحر خبرًا بيئيًا أو موسميًا؛ فقد تحولت إلى عامل اقتصادي يضغط على الغذاء والنقل والطاقة والنمو.
وأدى انخفاض منسوب نهر الراين إلى إرباك حركة البضائع وارتفاع تكاليف النقل، فيما تضررت المحاصيل بفعل الجفاف والحرائق، وارتفع الطلب على أجهزة التبريد والكهرباء.
وتواجه البنوك المركزية الأوروبية بذلك نوعين متداخلين من التضخم: تضخمًا تغذيه الحرب واضطراب الطاقة، وآخر تصنعه الحرارة ونقص الغذاء وتعطل سلاسل الإمداد.
وتفتح هذه التحولات مساحة أمام المملكة لتعزيز حضورها في تقنيات المناخ والطاقة المتجددة والأمن الغذائي وإدارة المياه، لا بوصفها ملفات بيئية منفصلة، بل قطاعات اقتصادية واستثمارية تمس استقرار الدول مباشرة.
نيويورك | النفط لا يطمئن
ارتفعت أسعار النفط رغم الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز، وصعد خام برنت إلى أكثر من 83 دولارًا للبرميل، وسط استمرار الغموض بشأن شروط عبور السفن والرسوم والقيود المحتملة.
وكانت الأسعار قد تراجعت خلال الأسبوع بفعل التفاؤل بقرب الحل، قبل أن تعود المخاوف إلى السوق مع ظهور خلافات حول إدارة الممر ومعاملة السفن التي تصنفها طهران معادية.
وتقول حركة النفط ما لا تقوله التصريحات السياسية: الاتفاق الذي لا تستطيع شركات التأمين تسعير مخاطره، ولا يطمئن ملاك الناقلات إلى استمراره، يظل وعدًا سياسيًا أكثر منه ممرًا تجاريًا.
أما بالنسبة إلى المملكة، فإن ارتفاع السعر لا يمثل المكسب الوحيد الذي ينبغي قياسه؛ فاستقرار الممرات واستمرار الطلب وثقة الأسواق عناصر أكثر أهمية من قفزة سعرية يصنعها الخوف وقد يعقبها اضطراب اقتصادي عالمي.
المشهد من الرياض
عند جمع الإشارات الصادرة من هذه العواصم، يظهر أن العالم لا يستعد لمرحلة ما بعد الحرب فقط، بل يعيد ترتيب نفسه على افتراض أن الأزمات قد تتكرر.
جدة توسع دوائر الشراكة الأمنية.
واشنطن تحسب أثر الحرب في الوظائف والدولار والفائدة.
بكين تحمي تجارتها وتقلل تعرضها لصدمات النفط.
موسكو تحاول تحويل تعطل المصافي إلى زيادة في الصادرات.
بروكسل تكتشف أن المناخ يمكن أن يصبح أزمة تضخم.
ونيويورك تنتظر من السفن دليلًا أقوى من البيانات السياسية.
وسط هذه التحولات، تبرز المملكة في أكثر من موقع: دولة طاقة، ومركز استقرار، وقوة استثمارية، وعقدة تربط الشرق بالغرب، وشريك قادر على بناء علاقات متوازنة مع قوى لا تجتمع دائمًا على طاولة واحدة.
ما وراء العواصم
لم يعد النفوذ يُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الاقتصاد، بل بقدرة الدولة على إبقاء الطرق مفتوحة حين تغلقها الأزمات، وتوفير البدائل حين تتعطل الممرات، وجمع الشركاء حين تتفرق المصالح.
العالم لا ينتظر نهاية الحرب.
إنه يبني طرقه وتحالفاته واقتصاده على احتمال أن تبقى الأزمات أطول مما يتوقع الجميع.
وفي قلب هذا العالم المتحرك، لا ينبغي للمملكة أن تكون مجرد محطة تعبرها الطرق، بل الدولة التي تساعد في رسمها.