اليوم 157 | سلام تحت التهديد
اتفاق هرمز يقترب من مرحلته الأخيرة، فيما تنقل إيران ضغطها إلى دول الخليج، وتتسع الجبهة جنوبًا عبر هجمات الحوثيين
متابعة وتحليل | بث
دخلت الحرب الأمريكية الإيرانية يومها الـ157 وسط مشهد متناقض: لغة سياسية تتحدث عن اقتراب النهاية، وتحركات ميدانية توحي بأن الأطراف تستعد لاحتمال انهيار المسار الدبلوماسي.
فبينما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنه يتوقع انتهاء الحرب «قريبًا جدًا»، اقتربت الولايات المتحدة وإيران وسلطنة عُمان من إنجاز تفاهم مؤقت يعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، بعد التوافق على مسارات العبور البحرية ودخول الصياغة النهائية للاتفاق مرحلة متقدمة.
لكن التفاؤل الأمريكي لم يلغِ الخلافات المتعلقة بشروط التنفيذ، وفي مقدمتها مطالبة طهران برفع الحصار الأمريكي عن موانئها، مقابل إصرار واشنطن على حرية الملاحة ومنع فرض رسوم أو قيود تمييزية على السفن العابرة.
وبذلك أصبح مضيق هرمز الاختبار الأول لمدى قدرة الطرفين على الانتقال من التهديد إلى التفاهم، قبل فتح الملفات الأصعب، وفي مقدمتها وقف العمليات العسكرية والبرنامج النووي والعقوبات والضمانات الأمنية.
نهاية قريبة
قال ترمب إن إيران لا تستطيع مواصلة الحرب لفترة أطول، وإنه يعتقد أن القتال سينتهي قريبًا، في إشارة إلى ارتفاع الكلفة العسكرية والاقتصادية على طهران، وتزايد الضغوط الدولية لإنهاء الأزمة.
غير أن حديث الرئيس الأمريكي يحمل في داخله رسالتين متوازيتين: الأولى فتح الباب أمام اتفاق يمكن لواشنطن تقديمه بوصفه نتيجة لضغطها العسكري، والثانية إبقاء التهديد بالقوة حاضرًا إذا تعثرت التفاهمات.
وفي المقابل، تحاول إيران تجنب الظهور بمظهر الطرف الذي استجاب للمهلة الأمريكية؛ ولذلك تصف التفاهم الجاري بأنه اتفاق فني وأمني مع سلطنة عُمان، وليس نتيجة لمفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة.
هذا التباين لا يعني بالضرورة أن الاتفاق بعيد، بل يكشف حاجة كل طرف إلى صناعة روايته السياسية قبل إعلان أي تسوية.
هرمز أولًا
تتركز المحادثات الحالية على فتح ممرات آمنة داخل مضيق هرمز وتنظيم عبور السفن التجارية، بعد تراجع حركة الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب أسواق الطاقة.
ويبدو أن الاتفاق المرتقب سيكون مؤقتًا ومحدودًا، هدفه منع وقوع هجوم جديد على السفن، وإعادة جزء من الحركة التجارية، وبناء قدر من الثقة يسمح بالانتقال إلى تفاهم سياسي أوسع.
لكن فتح المضيق على الخرائط لا يعني انتهاء الأزمة عمليًا؛ إذ سيقاس نجاح الاتفاق بعدد السفن التي تعود إلى العبور، وانخفاض أقساط التأمين، واستقرار أسعار الطاقة، وتراجع التحذيرات البحرية.
كما ستبقى آلية المراقبة وتحديد الجهة المسؤولة عن حماية السفن ومعالجة أي خرق محتمل من أكثر بنود الاتفاق حساسية.
الخليج تحت الضغط
بالتزامن مع تقدم محادثات هرمز، كثفت إيران اتصالاتها مع دول المنطقة، محذرة من أنها قد تستهدف منشآت النفط والكهرباء والمياه والنقل إذا تعرضت بنيتها التحتية لضربات أمريكية جديدة.
ويكشف هذا التحذير عن انتقال في استراتيجية الردع الإيرانية؛ فبدل حصر المواجهة في استهداف القوات الأمريكية، تسعى طهران إلى رفع الكلفة الإقليمية لأي هجوم عليها، ودفع دول الخليج إلى ممارسة ضغط أكبر على واشنطن لوقف التصعيد.
لكن هذه السياسة تحمل مخاطرة كبيرة؛ لأن تهديد الدول التي تدعو إلى التهدئة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، ويدفعها إلى تعزيز دفاعاتها وتوسيع تعاونها الأمني والعسكري.
وقد واصلت المملكة مسارها الداعي إلى خفض التصعيد ومنح الدبلوماسية فرصة، مع تأكيد واضح أن أي اعتداء على أراضيها أو منشآتها سيقابل بما يكفل حماية أمنها وسيادتها.
وهنا يظهر الفرق بين الوساطة والحياد الدفاعي: فالسعودية تعمل لمنع اتساع الحرب، لكنها لا تقبل أن تتحول دعوتها إلى السلام إلى مساحة لتهديد أمنها الوطني.
الجبهة الجنوبية
اتسع المشهد الميداني مع تصعيد الحوثيين هجماتهم في اليمن وعلى الأراضي السعودية؛ إذ استهدفت صواريخ وطائرات مسيرة معسكرات للقوات الحكومية في مأرب وحضرموت، ما أدى إلى مقتل عشرات الجنود، وفق مصادر حكومية يمنية.
كما أصيب 11 مدنيًا من عدة جنسيات، بينهم طفل، في قصف استهدف مناطق مدنية في نجران، فيما أكد التحالف أنه سيتخذ الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين.
ويشير تزامن الهجمات مع التهديدات الإيرانية لدول الخليج إلى محاولة توزيع الضغط على أكثر من جبهة: هرمز شرقًا، والبحر الأحمر واليمن جنوبًا، والتهديد بالصواريخ والطائرات المسيرة من اتجاهات متعددة.
ولا يمكن الجزم بأن كل تحرك ميداني يصدر بأمر مباشر من طهران، لكن وحدة التوقيت والرسائل والمصالح تجعل الجبهات مترابطة استراتيجيًا، حتى عندما تختلف غرف تنفيذها.
أسلحة الحرب
في واشنطن، أقر مسؤول أمريكي بتراجع مخزونات بعض الصواريخ الاعتراضية بصورة ملحوظة، بينما أكد ترمب أن بلاده تمتلك كميات ضخمة من الذخائر، وأن المصانع تعمل على زيادة الإنتاج.
ويكشف هذا الجدل جانبًا مهمًا من الحرب: الولايات المتحدة قادرة على مواصلة العمليات الهجومية، لكنها مضطرة أيضًا إلى حساب كلفة الدفاع عن قواعدها وحلفائها وحركة الملاحة في رقعة جغرافية واسعة.
ولذلك لا تبدو المفاوضات نتيجة عجز عسكري أمريكي، بقدر ما تعكس إدراكًا بأن استمرار الحرب سيستهلك ذخائر باهظة، ويضاعف المخاطر على الاقتصاد العالمي، دون ضمان الوصول إلى نهاية سياسية واضحة.
تحليل | بث
المشهد الحالي لا يمثل سلامًا مكتملًا، ولا استعدادًا مؤكدًا لجولة كبرى؛ بل مرحلة ضغط أخيرة يحاول خلالها كل طرف تحسين موقعه قبل التسوية.
تريد الولايات المتحدة اتفاقًا يعيد فتح هرمز بلا رسوم أو قيود، ويحفظ لها صورة الطرف الذي فرض حرية الملاحة بالقوة والضغط.
وتريد إيران رفع الحصار عن موانئها، والاعتراف بدورها في ترتيبات أمن المضيق، والخروج من الحرب دون إعلان استسلام أو التخلي المباشر عن أوراقها الإقليمية.
أما دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة، فتسعى إلى مسار ثالث: وقف التصعيد، وحماية الملاحة والمنشآت الحيوية، ومنع تحميل المنطقة تكلفة صراع لا يخدم أمنها ولا اقتصادها.
ولهذا فإن الخطر الأكبر في اليوم 157 لا يكمن في غياب التفاوض، بل في محاولة تحسين شروطه عبر تهديد أطراف أخرى. فكلما اقترب اتفاق هرمز، ارتفعت قيمة الأوراق التي قد يستخدمها الطرفان قبل توقيعه.
ماذا بعد؟
خلال المرحلة المقبلة، ستتجه الأنظار إلى أربعة مؤشرات:
- الإعلان الرسمي عن اتفاق فتح مضيق هرمز وآلية تنفيذه.
- موقف واشنطن من الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
- توقف الهجمات على السفن والمنشآت الخليجية والجبهة اليمنية.
- انتقال التفاهم من الملاحة إلى وقف العمليات العسكرية والملف النووي.
إذا نجح اتفاق هرمز، فلن يكون نهاية الحرب، لكنه قد يصبح الباب الأول للخروج منها.
أما إذا تعثر، فقد تعود الضربات بصورة أشد، وتنتقل المواجهة من الضغط على إيران إلى صراع أوسع على منشآت الطاقة والموانئ والممرات البحرية في المنطقة.
ما وراء الخبر
أصبح هرمز أكثر من ممر بحري؛ إنه الطاولة التي تتفاوض فوقها الولايات المتحدة وإيران، والورقة التي تحاول كل منهما استخدامها لإقناع الداخل بأنها لم تتراجع.
لكن السلام الحقيقي لن يبدأ بمجرد عبور أول ناقلة، بل عندما تتوقف الأطراف عن استخدام أمن الدول الأخرى وسلامة المدنيين وقودًا لتحسين شروط الاتفاق.
فالممر قد يُفتح بقرار، أما الثقة فلا تعبر إلا بعد أن تصمت الصواريخ.