عيون BETH في عواصم القرار
الحرب تضغط على السياسة والعملات والغذاء.. والعالم يترقب فتح هرمز، بينما تحذر أرامكو من أن عودة الملاحة لن تعيد سوق الطاقة سريعًا إلى طبيعته
العواصم | بث
لا تتحرك أخبار العالم اليوم في مسارات منفصلة؛ فما يحدث في مضيق هرمز يظهر في محطات الوقود الأمريكية، وميزانيات الدول الآسيوية، وأسعار الغذاء، وحركة المصانع، وقرارات البنوك المركزية.
ومن واشنطن إلى بكين، ومن طوكيو إلى موسكو، تتعامل عواصم القرار مع حرب المنطقة باعتبارها عاملًا يعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والأمن، لا أزمة عسكرية بعيدة عن حدودها.
واشنطن | الحرب تدخل الانتخابات
أظهر استطلاع للرأي تقدم الحزب الديمقراطي على الجمهوريين في ثقة الناخبين بإدارة الاقتصاد، للمرة الأولى منذ نحو عقد، في وقت تراجعت فيه شعبية الرئيس دونالد ترامب إلى 35%.
وجاء التحول مع تصاعد قلق الأمريكيين من أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، بعد ارتفاع أسعار الوقود بأكثر من 25% منذ اندلاع الحرب في فبراير.
وتعني هذه الأرقام أن ملف إيران لم يعد قضية سياسة خارجية فقط؛ إذ بدأ ينتقل إلى صناديق الاقتراع قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. فكلما استمرت أزمة هرمز، ارتفعت الكلفة السياسية للحرب على الإدارة الأمريكية.
الأهمية للسعودية: ازدياد الضغط الداخلي على ترامب قد يدفعه إلى تسريع اتفاق فتح المضيق، لكنه قد يدفعه أيضًا إلى عمل عسكري قصير وقاسٍ إذا رأى أن إظهار الحسم يخدمه انتخابيًا.
بكين | خطوط حمراء اقتصادية
دخلت الصين محادثاتها التجارية المقبلة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي برسالة واضحة: نموذجها الصناعي ليس مطروحًا للتفاوض.
وترفض بكين مطالب غربية بإعادة توجيه اقتصادها من الإنتاج والتصدير إلى الاستهلاك الداخلي، رغم ارتفاع المخاوف من فائض الطاقة الإنتاجية واتساع العجز التجاري لدى شركائها.
ويأتي التشدد الصيني في وقت تباطأ فيه نمو المصانع إلى أدنى مستوى خلال أربعة أشهر، مع ضعف الطلب الداخلي وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وتريد الصين الاحتفاظ بمصانعها وصادراتها باعتبارهما خط دفاع اقتصادي، بينما ترى واشنطن وبروكسل أن هذا النموذج يدفع منتجات مدعومة إلى الأسواق العالمية ويهدد صناعاتهما المحلية.
الأهمية للسعودية: التباطؤ الصيني يؤثر في الطلب العالمي على الطاقة، لكنه قد يفتح أمام المملكة فرصًا أوسع لاستقطاب الصناعات الصينية الباحثة عن أسواق جديدة ومواقع إنتاج أقرب إلى أوروبا وأفريقيا.
طوكيو | إنقاذ الين
نفذت الولايات المتحدة واليابان تدخلًا مشتركًا ونادرًا لشراء الين، بعد تراجعه إلى أدنى مستوى منذ أربعين عامًا، مع إعلان الاستعداد لمزيد من التحرك إذا عادت العملة إلى الهبوط.
وتكشف مشاركة واشنطن أن ضعف الين تجاوز كونه شأنًا يابانيًا داخليًا، وأصبح مصدر قلق للاستقرار المالي والتجاري العالمي.
وفي الداخل، دعمت الحكومة اليابانية خفض ضريبة استهلاك الغذاء من 8% إلى 1% لمدة عامين، مع تعويض إضافي يجعل العبء الفعلي قريبًا من الصفر، لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. لكن الخطة قد تحرم الخزانة من نحو خمسة تريليونات ين.
وتتحمل اليابان، بصفتها من أكبر مستوردي الطاقة، جانبًا كبيرًا من صدمة الأسعار الناتجة عن اضطراب الإمدادات من الخليج؛ فالين الضعيف يجعل النفط والغاز المستوردين أكثر كلفة، ويرفع التضخم على الأسر والشركات.
الأهمية للسعودية: استقرار الين يحمي قدرة أحد أهم الاقتصادات الآسيوية على شراء الطاقة والاستثمار، ويعزز موثوقية الشراكات السعودية–اليابانية طويلة المدى.
نيودلهي | المغتربون يدعمون الروبية
جمعت الهند نحو 40.8 مليار دولار من مواطنيها في الخارج، ضمن حملة لتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي ودعم الروبية التي فقدت قرابة 6% من قيمتها خلال العام.
وجاءت الحملة بعد ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، ودخول ميزان المدفوعات الهندي عامه الثالث من العجز.
ومنحت التدفقات الجديدة البنك المركزي مساحة للحفاظ على أسعار الفائدة، لكنها تبقى علاجًا مؤقتًا إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة وتعطل المرور عبر هرمز.
الأهمية للسعودية: الهند ليست مجرد مشترٍ رئيس للطاقة السعودية؛ فهي شريك في الاستثمار والصناعة والممرات التجارية. واستقرار عملتها يحمي الطلب ويعزز قدرة شركاتها على المشاركة في المشروعات السعودية.
روما ولندن | المناخ يضغط على الغذاء
وضعت إيطاليا جميع مدنها الرئيسة، وعددها 27 مدينة، تحت أعلى درجات التأهب بسبب موجة الحر الرابعة خلال الصيف، مع وصول درجات الحرارة في بعض المناطق إلى 40 درجة مئوية.
وفي بريطانيا، تتجه محاصيل الحبوب إلى تسجيل أسوأ موسم منذ بدء السجلات المقارنة عام 1984، نتيجة الجفاف والحرارة، مع توقع فقدان نحو 2.5 مليون طن من الحبوب والبذور الزيتية.
ولا تنفصل هذه التطورات عن أزمة الطاقة؛ فارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والنقل، بالتزامن مع تراجع المحاصيل، يضاعف الضغوط على الأمن الغذائي العالمي.
الأهمية للسعودية: تزامن أزمة المناخ مع اضطراب الطاقة يعزز أهمية تنويع مصادر الغذاء، والاستثمار الزراعي الخارجي، وتأمين سلاسل التوريد قبل تحول النقص الموسمي إلى موجة أسعار عالمية.
موسكو وكييف | القوة تسبق السلام
قتل 14 شخصًا وأصيب 27 في ضربات روسية على محيط العاصمة الأوكرانية كييف، في مؤشر جديد على أن مسار الحرب يتجه إلى مزيد من الضغط العسكري رغم استمرار الحديث عن فرص التسوية.
وفي الوقت نفسه، عين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كبير مفاوضيه رستم عمروف رئيسًا لجهاز الاستخبارات الخارجية، مع إبقائه مسؤولًا عن محادثات السلام.
والجمع بين التفاوض والاستخبارات يعكس طبيعة المرحلة: لا أحد يغادر المسار الدبلوماسي، لكن كل طرف يحاول الوصول إليه بأوراق قوة أكبر.
الأهمية للسعودية: استمرار الحرب الأوكرانية بالتزامن مع حرب إيران يبقي أسواق الطاقة والحبوب والشحن تحت ضغط مزدوج، ويزيد حاجة العالم إلى دول قادرة على الجمع بين استقرار الإمدادات والقدرة على الوساطة.
مسقط والدوحة وإسلام آباد | هندسة المخرج
تتركز الجهود الدبلوماسية لفتح مضيق هرمز في شبكة وساطات متكاملة، تتولى فيها عُمان بحث ترتيبات الملاحة، وتدعم قطر صياغة التفاهم السياسي، بينما تعمل باكستان قناةً خلفية لنقل الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران.
وتبحث المحادثات صيغة تسمح للسفن بالدخول عبر مسار خاضع لإشراف إيراني والخروج عبر المياه العُمانية، مع استمرار الخلاف حول الرسوم والسيادة وحرية الملاحة.
وعلى الرغم من التصريحات المتفائلة، لم تعُد الحركة في المضيق إلى طبيعتها؛ إذ عبرته ثماني سفن فقط الثلاثاء، مقارنة بنحو 130 إلى 140 سفينة يوميًا قبل الحرب.
الأهمية للسعودية: فتح هرمز يخفف الضغط على الاقتصاد العالمي، لكنه لا يقلل أهمية التحالف البحري الدفاعي الذي تقوده المملكة لحماية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن؛ ففتح ممر واحد لا يكفي إذا بقي الممر الآخر تحت التهديد.
أرامكو في مرآة العالم
من نتائج مالية إلى إنذار عالمي
لم تتعامل التغطية الدولية مع إعلان أرامكو نتائج الربع الثاني والنصف الأول من عام 2026 بوصفه بيان أرباح تقليديًا؛ إذ تحولت تصريحات الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين أمين الناصر إلى قراءة مباشرة لمدى اقتراب منظومة الطاقة العالمية من حدودها الحرجة.
وأعلنت الشركة تسجيل صافي دخل قدره 122.6 مليار ريال في الربع الثاني، و244.6 مليار ريال خلال النصف الأول، بينما بلغ صافي الدخل المعدل 125.2 مليار ريال خلال الربع و251.9 مليار ريال خلال النصف الأول.
كما أعلنت توزيعات أرباح أساسية للربع الثاني بقيمة 82.1 مليار ريال، مع استمرار استخدام خط أنابيب الشرق–الغرب لتأمين تدفق الإمدادات عبر شبكة التصدير السعودية.
وأكد الناصر أن اضطراب الإمدادات غير المسبوق عبر مضيق هرمز لم يمنع أرامكو من المحافظة على استمرارية أعمالها وإنتاجها وصادراتها، مستفيدة من تنوع أصولها، وخط الشرق–الغرب، وقدرات التخزين، وموانئ التصدير.
ماذا التقطت الصحافة العالمية؟
أرامكو لم تتوقف
ركزت التغطية الاقتصادية على قدرة أرامكو على المحافظة على أعمالها رغم الهجمات والاضطرابات، وعلى عدم وجود أثر جوهري في قدراتها المالية والتشغيلية.
وهنا لم تكن الرسالة أن المنشآت لم تتعرض للخطر، بل أن الشركة امتلكت بدائل مسبقة وخطط استجابة وبنية تحتية موزعة منعتها من التحول إلى نقطة انقطاع في إمدادات العالم.
المخزون فقد الحماية
كانت العبارة الأكثر إثارة لاهتمام الصحافة العالمية تحذير الناصر من انخفاض المخزونات، وعمل المصافي العالمية عند مستويات قريبة من طاقتها القصوى.
وأوضح أن العالم فقد أكثر من 2.6 مليار برميل من الإمدادات منذ بدء الحرب، قبل أن تخفف الاحتياطيات وخطوط الإمداد البديلة جزءًا من الخسارة، لتبلغ الخسارة الصافية نحو 1.8 مليار برميل.
كما حذر من أن منظومة التكرير العالمية لم تعد تمتلك هوامش كافية لامتصاص صدمة جديدة؛ فإذا تعرضت مصفاة كبيرة لتوقف مفاجئ أو طويل، فقد تواجه السوق ضغطًا أشد.
وهذا هو جوهر التحذير: الخطر لم يعد في نقص النفط فقط، بل في ضعف قدرة النظام العالمي على تحمل عطل إضافي.
فتح هرمز لا ينهي الأزمة
قال الناصر إنه حتى لو عادت التدفقات عبر المضيق إلى طبيعتها فورًا، فقد يحتاج العالم إلى 18 شهرًا، وبمتوسط 2.1 مليون برميل يوميًا، لإعادة بناء المخزونات المستنزفة.
كما أشار إلى أن استمرار إغلاق هرمز يعني فقدان أكثر من 100 مليون برميل إضافي كل أسبوع، بينما تدنت حركة التجارة عبره إلى عُشر مستوياتها السابقة للحرب.
وتلتقط هذه الأرقام ما قد تغفله التصريحات السياسية: الاتفاق يستطيع فتح المضيق بقرار، لكنه لا يستطيع إعادة البراميل المفقودة إلى المخازن في اليوم التالي.
آسيا قرأت التحذير أولًا
وجدت تصريحات الناصر صدى مباشرًا في الاقتصادات الآسيوية الأكثر اعتمادًا على نفط الخليج.
فآسيا فقدت في ذروة الأزمة نحو ستة ملايين برميل يوميًا من وارداتها من الخام، وهو ما يفسر الضغوط على الين والروبية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وتباطؤ النشاط في قطاعات متعددة.
ولذلك، لم يكن التفاؤل الآسيوي بإمكان فتح هرمز متعلقًا بأسعار النفط وحدها، بل باستقرار العملات والمصانع وسلاسل الإمداد.
الأسواق رأت وجهين
استقبلت الأسواق إعلان النتائج من زاويتين متعاكستين:
الأولى إيجابية، تتعلق بقدرة أرامكو على الاستمرار وتحقيق نتائج قوية والمحافظة على التوزيعات رغم واحدة من أصعب الفترات في تاريخها.
والثانية تحذيرية، تتعلق بأن أرباح قطاع الطاقة المرتفعة لا تعني أن السوق في وضع صحي؛ فقد ترتفع أرباح الشركات بسبب نقص الإمدادات، بينما تزداد هشاشة الاقتصاد العالمي وترتفع الكلفة على المستهلكين.
ولهذا تزامنت تصريحات الناصر مع تراجع النفط إلى ما دون 80 دولارًا بفعل التفاؤل بالمفاوضات، وصعود الأسهم الآسيوية والأمريكية. لكن هذا التراجع عبّر عن توقع فتح المضيق، لا عن انتهاء النقص الفعلي في السوق.
ما وراء بيان أرامكو
قدمت أرامكو للعالم رسالتين في وقت واحد.
الأولى سعودية: أن التخطيط طويل المدى، وخط الشرق–الغرب، وموانئ التصدير، والتخزين، وتوطين نحو 90% من المواد المطلوبة، حولت المرونة من شعار إداري إلى قدرة تشغيلية فعلية أثناء الحرب.
والثانية عالمية: أن أمن الطاقة لا يُبنى عند وقوع الأزمة، بل قبلها بسنوات، عبر تنويع المسارات، وزيادة القدرة الاحتياطية، والاستثمار في الإنتاج والتكرير والتخزين.
ولذلك، فإن أهم ما قاله بيان أرامكو ليس مقدار الأرباح وحده، بل إن الشركة السعودية استطاعت الاستمرار في وقت فقدت فيه السوق العالمية جزءًا كبيرًا من قدرتها على الاحتمال.
العالم انتظر من أرامكو أرقامًا عن الربع الثاني، لكنه تلقى إنذارًا عن الأرباع المقبلة: قد يُفتح هرمز قريبًا، غير أن الطريق إلى عودة الطاقة العالمية لطبيعتها أطول كثيرًا من الممر البحري نفسه.