اليوم 155 | هرمز بين الفتح والضربة

news image

 

ترامب يتوقع فتح المضيق قريبًا ويهدد إيران بعمل عسكري قاسٍ.. وطهران تدرس مشاركة أوروبية في إزالة الألغام، وباكستان تكشف دورها قناةً خلفية بين الطرفين

 

متابعة وتحليل | بث 

اليوم 155 من الحرب، بدأ مضيق هرمز يقترب من الانتقال من ساحة مواجهة إلى طاولة تفاوض، لكن تحت مظلة تهديد عسكري أمريكي لم تُسحب بعد.

وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء، أن المضيق «سيُفتح قريبًا جدًا»، مشيرًا إلى استمرار المحادثات مع إيران، ومحذرًا طهران من مواجهة عمل عسكري «قاسٍ» إذا انهارت المفاوضات.

وتزامن التصريح مع مؤشرات على تقدم المحادثات؛ إذ تحدث ترامب لاحقًا عن «مناقشات جيدة جدًا» مع إيران، فيما تراجعت أسعار النفط مع تنامي توقعات التوصل إلى تفاهم يعيد الملاحة الآمنة عبر المضيق.  

وفي المقابل، تدرس إيران السماح لدول أوروبية بالمشاركة في عمليات إزالة الألغام من مضيق هرمز، بعد أن كانت ترفض أي وجود أجنبي ضمن هذه العمليات.

وأفاد مسؤولون بأن طهران أبدت، خلال اجتماعات خاصة عُقدت في الأسابيع الأخيرة، مرونة أكبر، وخففت اعتراضها على مشاركة أطراف خارجية، في خطوة قد توفر الآلية الفنية اللازمة لإعادة فتح الممر، من دون أن تضطر إيران إلى إعلان تراجع سياسي مباشر.

وتشير معلومات متداولة عن المحادثات الإيرانية–العُمانية إلى بحث ترتيبات مؤقتة لتنظيم حركة السفن، مع استمرار الخلاف حول حرية الملاحة، وحدود الدور الإيراني، وربط طهران فتح المضيق برفع الحصار الأمريكي عن موانئها. 

وفي مسار موازٍ، أكد سفير باكستان لدى روسيا، فيصل نياز ترمذي، أن إسلام آباد تجري اتصالات وتحركات دبلوماسية غير معلنة لاحتواء التصعيد، وتؤدي دور قناة اتصال بين الولايات المتحدة وإيران.

وبذلك، لم تعد المفاوضات تتحرك عبر وسيط واحد؛ إذ تتولى عُمان ترتيبات المضيق والملاحة، وتفتح قطر قنوات سياسية موازية، بينما تعمل باكستان في المساحة الخلفية لنقل الرسائل واختبار المواقف قبل إعلانها.

التحليل

ماذا تغير؟

لا يتمثل التحول الأهم في تصريح ترامب، بل في المرونة الإيرانية تجاه مشاركة أوروبية في إزالة الألغام.

ففتح المضيق لا يتحقق بقرار سياسي فقط؛ إذ يحتاج إلى مسح بحري، وتحديد مواقع الألغام، وإزالتها، وتأمين الممرات، وإصدار ضمانات واضحة للسفن وشركات التأمين بأن العودة أصبحت ممكنة وآمنة.

ومن هنا، فإن قبول إيران المحتمل بدور أوروبي يعني أنها بدأت تناقش كيفية فتح المضيق، بعدما كان خطابها السابق يتركز على أسباب إغلاقه وشروط بقائه ورقة ضغط.

وهذا فارق جوهري؛ لأن المفاوضات تكون قد تجاوزت السؤال السياسي: هل يُفتح هرمز؟ ودخلت في السؤال التنفيذي: من يزيل الألغام، ومن يراقب الممر، ومن يضمن سلامة السفن؟

أوروبا بوابة الخروج

قد لا تكون الاستعانة بدول أوروبية تفصيلًا فنيًا فقط، بل مخرجًا سياسيًا مدروسًا.

فالوجود الأمريكي المباشر في عملية إزالة الألغام يمكن أن تصوره طهران داخليًا باعتباره انتزاعًا للمضيق بالقوة، بينما يسمح الدور الأوروبي لها بالقول إنها وافقت على تعاون دولي لأغراض إنسانية وتجارية، وليس على عملية عسكرية أمريكية داخل نطاقها البحري.

كما يمنح مشاركة الأوروبيين واشنطن قدرًا من الاطمئنان الفني، ويجنبها إرسال وحداتها إلى مهمة قد تتحول إلى احتكاك مباشر مع القوات الإيرانية.

وبذلك تصبح أوروبا منطقة وسطى بين رفض إيران للوجود الأمريكي، ورفض الولايات المتحدة أن تتولى طهران وحدها التحكم في الممر.

لكن إزالة الألغام لن تبدأ بصورة فعلية ما لم تسبقها ضمانات متبادلة: وقف استهداف السفن، حماية فرق إزالة الألغام، تثبيت هدنة بحرية، والاتفاق على الجهة التي تعلن أن الممر أصبح آمنًا.

التهديد داخل التفاوض

لا يعني حديث ترامب عن قرب فتح هرمز أن الخيار العسكري تراجع، بل يكشف أن واشنطن تستخدم التهديد لتسريع التفاوض.

فالرئيس الأمريكي يقدم لطهران مسارين في وقت واحد: اتفاق يعيد فتح المضيق، أو ضربة قاسية إذا انهارت المحادثات.

وهذه ليست مفاوضات تجري بعد توقف الحرب، بل مفاوضات داخل الحرب؛ فالعمليات العسكرية والحصار والتهديدات ما تزال جزءًا من أدوات التفاوض، وكل طرف يحاول تحسين موقعه قبل الوصول إلى الصيغة النهائية.

لكن التهديد الأمريكي يحمل مخاطرة مضادة؛ إذ قد يدفع إيران إلى تقديم تنازل سريع، وقد يدفعها أيضًا إلى التشدد إذا رأت أن الاتفاق سيظهر داخليًا بوصفه استسلامًا تحت القوة.

لذلك تستخدم واشنطن لغة علنية قاسية، في حين تعمل الوساطات خلف الستار على صياغة مخرج يمكن لكل طرف تقديمه إلى جمهوره باعتباره مكسبًا لا هزيمة.

لماذا باكستان؟

يمنح الدور الباكستاني المفاوضات قناة مختلفة عن الوساطة الخليجية والعُمانية.

فإسلام آباد تحتفظ بعلاقات مع إيران، ولديها في الوقت ذاته اتصال سياسي وعسكري مع الولايات المتحدة، كما أنها دولة نووية إسلامية تعرف حساسية الملف النووي، وتدرك طبيعة التوازن بين الردع والضمانات الدولية.

وقد لا تكون باكستان صاحبة الاتفاق النهائي، لكنها تستطيع نقل الرسائل التي لا يريد الطرفان إعلانها، واختبار حدود التنازل المقبول، والتحذير من سوء تقدير قد يعيد إشعال المواجهة.

إنها تؤدي دور وسيط الرسائل، بينما تتولى عُمان على الأرجح دور وسيط الترتيبات، وتوفر قطر مساحة إضافية لدعم التفاهم السياسي.

ويكشف تعدد القنوات أن الخلاف لم يعد محصورًا في ملف واحد؛ فهناك المضيق، والحصار البحري، والبرنامج النووي، والضربات، وأمن دول المنطقة. ولذلك يحتاج كل ملف إلى قناة تفاوض تناسب طبيعته.

اتفاقان لا اتفاق واحد

تدفع التطورات نحو صياغة مرحلية تقوم على اتفاقين، لا صفقة شاملة فورية.

الاتفاق الأول عاجل، ويتعلق بفتح مضيق هرمز، وإزالة الألغام، وتأمين عبور السفن، ووقف الهجمات البحرية، وتخفيف أو رفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.

أما الاتفاق الثاني فهو الأصعب، ويتناول البرنامج النووي الإيراني، والضمانات والرقابة، والعقوبات، والنفوذ العسكري الإيراني في المنطقة.

وتفضّل واشنطن إنجاز ملف المضيق سريعًا بسبب أثره المباشر في أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي، بينما ترغب إيران في منع فصله بالكامل عن بقية الملفات؛ لأنها تخشى أن تتخلى عن أهم أوراقها قبل الحصول على مقابل سياسي واقتصادي واضح.

التوقعات

فتح تدريجي لا فوري

الأقرب أن يتم التوصل إلى تفاهم أولي لإعادة فتح المضيق على مراحل، يبدأ بممرات محددة وسفن ذات أولوية، قبل العودة إلى الحركة الطبيعية.

وقد يُعلن الاتفاق سياسيًا قبل انتهاء إزالة الألغام، لكن شركات الشحن والتأمين ستنتظر اختبار الممرات ومرور عدد من السفن بأمان قبل استئناف عملياتها بصورة كاملة.

ومن ثم، فإن إعلان فتح هرمز لا يعني أن آثار إغلاقه ستنتهي في اليوم نفسه.

دور أوروبي محدود

يُرجح أن توافق إيران على مشاركة أوروبية مشروطة ومحدودة، تحت عنوان فني أو دولي، مع رفض أي قيادة أمريكية مباشرة للعملية.

وقد تتولى دول أوروبية توفير السفن والخبرات الفنية، بينما تمنح إيران وعُمان الضمانات الميدانية اللازمة لتنفيذ المهمة.

هدنة بحرية أولًا

قبل إزالة الألغام، قد يظهر تفاهم غير معلن لوقف استهداف السفن والقوات المشاركة، وتجميد بعض العمليات الأمريكية ضد الموانئ الإيرانية.

وستكون هذه الهدنة اختبارًا أوليًا لقدرة الطرفين على الالتزام، قبل الانتقال إلى اتفاق أوسع.

بقاء النووي معلقًا

حتى إذا فُتح مضيق هرمز، فمن غير المرجح أن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى إنهاء الحرب أو حسم الملف النووي.

فالمضيق هو الملف الأكثر إلحاحًا، لكنه ليس الأكثر تعقيدًا. وقد ينجح الطرفان في فصل «إنقاذ الملاحة» مؤقتًا عن «تسوية الصراع»، على أن تستمر المفاوضات النووية تحت ضغط عسكري وسياسي متبادل.

خطر الساعات الأخيرة

تبقى المرحلة السابقة للاتفاق هي الأخطر؛ فقد تحاول أطراف ميدانية تعطيل التفاهم بهجوم على سفينة، أو زرع ألغام جديدة، أو تنفيذ ضربة تفرض ردًا مضادًا.

ولهذا، لن يُقاس نجاح المفاوضات بالتصريحات المتفائلة وحدها، بل بقدرتها على ضبط القوات والوكلاء ومنع إطلاق «الرصاصة الأخيرة» التي قد تعيد الجميع إلى نقطة البداية.

الخلاصة

في اليوم 155، لم يُفتح مضيق هرمز بعد، لكن باب فتحه بدأ يظهر.

مرونة إيران تجاه مشاركة أوروبية، وتعدد قنوات الوساطة، وحديث ترامب عن تقدم المحادثات، كلها تشير إلى أن الأطراف اقتربت من مناقشة الترتيبات التنفيذية، لا المبادئ العامة فقط.

غير أن التفاوض لا يزال يجري والسلاح حاضر فوق الطاولة. ولذلك قد يكون الاتفاق قريبًا، لكنه يظل محاطًا بسؤال حاسم:

هل تصبح إزالة الألغام بدايةً لإزالة أسباب الحرب، أم مجرد فتح للمضيق قبل جولة جديدة من الصراع؟