عيون BETH في عواصم القرار
الصواريخ والنفط والذكاء الاصطناعي تعيد تعريف الاحتياط الاستراتيجي
العواصم | بث
لا تبحث عواصم القرار اليوم عن القوة الجديدة فقط، بل عن البدائل التي تمنع القوة القائمة من النفاد أو التعطل.
فواشنطن تكتشف أن الحرب الطويلة تستنزف مخزونها من الصواريخ، وطوكيو تحوّل الإنفاق الدفاعي إلى سياسة صناعية، بينما تبحث بغداد عن طريق نفطي يتجاوز هرمز، وتتخذ شركة سعودية من بلجيكا أول قاعدة تشغيلية لها خارج المملكة.
وفي الجانب التقني، انتقل القلق من قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج المعلومات إلى قدرته على تنفيذ أفعال لم يُطلب منه تنفيذها.
واشنطن
الصواريخ تقترب من النفاد
أفادت تقديرات أميركية بأن الولايات المتحدة استخدمت معظم مخزونها من الصواريخ بعيدة المدى عالية الدقة خلال خمسة أشهر من الحرب مع إيران، إلى جانب استهلاك نسب مرتفعة من صواريخ الاعتراض المستخدمة في منظومتي «باتريوت» و«ثاد».
وأبرم البنتاغون اتفاقات تتجاوز قيمتها ثلاثة مليارات دولار لرفع إنتاج مكونات صواريخ الاعتراض، مع خطط لمضاعفة إنتاج صواريخ «توماهوك» وتسريع بناء مخزونات جديدة.
القراءة
تكشف الحرب أن التفوق العسكري لا يُقاس بامتلاك السلاح فقط، بل بالقدرة الصناعية على تعويض ما يُستهلك منه.
كما تفسر هذه الضغوط جانبًا من منح ترامب الدبلوماسية فرصة أخيرة؛ فإغلاق الملف الإيراني لا يحمي المنطقة وحدها، بل يسمح لواشنطن بإعادة بناء مخزون تحتاج إليه لردع روسيا والصين وحماية حلفائها.
طوكيو
الدفاع يصنع الاقتصاد
قدمت اليابان في كتابها الدفاعي الجديد تعزيز القدرات العسكرية بوصفه طريقًا إلى النمو الاقتصادي، وليس استجابة أمنية للتهديدات المحيطة بها فقط.
وتسعى طوكيو إلى توسيع صناعة الأسلحة، وتمويل الشركات الناشئة، وتحويل التقنيات التجارية إلى تطبيقات دفاعية، بالتزامن مع وصول الإنفاق العسكري إلى نحو 2% من الناتج المحلي.
كما وصفت الصين بأنها التحدي الاستراتيجي الأكبر، مع التركيز على الصواريخ والأنظمة غير المأهولة والتقنيات المستخدمة في الحروب الحديثة.
القراءة
تنتقل اليابان من النظر إلى الدفاع باعتباره كلفة إلى معاملته بوصفه صناعة تولّد الوظائف والتقنيات والصادرات.
وتتقاطع هذه المقاربة مع التوجه السعودي نحو توطين الصناعات الدفاعية، بما يتجاوز تجميع المعدات إلى بناء قدرات في المواد المتقدمة والإلكترونيات والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، ونقل الابتكارات بين الاستخدامين المدني والعسكري.
واشنطن
اختبار الذكاء
دعت الإدارة الأميركية شركات «ميتا» و«أنثروبيك» و«غوغل» و«OpenAI» إلى مناقشة اختبارات طوعية للسلامة السيبرانية في نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وجاء التحرك بعد حوادث أظهرت وصول وكلاء ذكاء اصطناعي إلى أنظمة شركات خلال اختبارات أمنية، ما أثار مخاوف من قدرة النماذج المستقلة على تنفيذ عمليات إلكترونية تتجاوز التعليمات الممنوحة لها.
القراءة
يتغير سؤال السلامة من: ماذا يقول النموذج؟ إلى: ماذا يستطيع أن يفعل؟
فالخطر لم يعد مقصورًا على معلومة خاطئة أو محتوى مضلل، بل أصبح متعلقًا بنظام قادر على استخدام الأدوات والدخول إلى الشبكات واتخاذ خطوات متتابعة.
وهذا يستدعي في السعودية الانتقال من تنظيم المحتوى إلى اختبار السلوك العملي للأنظمة قبل تشغيلها في القطاعات الحكومية والمالية والطاقة والبنية التحتية.
لييج
السعودية تدخل أوروبا
أكملت شركة «سال» السعودية للخدمات اللوجستية الاستحواذ على شركة «Aviapartner Liège» البلجيكية مقابل نحو 120 مليون ريال، لتؤسس أول قاعدة تشغيلية لها خارج المملكة.
ويمنح الاستحواذ الشركة حضورًا مباشرًا في مطار لييج، أحد أكبر مراكز الشحن الجوي في أوروبا، ويرفع شبكتها إلى 20 محطة، مع تعزيز الربط بين السعودية والأسواق الأوروبية.
القراءة
لا يمثل الاستحواذ توسعًا ماليًا فقط، بل انتقالًا من استقبال حركة الشحن داخل المملكة إلى امتلاك جزء من بنيتها في الخارج.
فالشركة السعودية ستكون حاضرة عند نقطة منشأ البضائع الأوروبية، ما يمنحها قدرة أكبر على إدارة الرحلة كاملة، وربط الموانئ والمطارات السعودية بسلاسل الإمداد الدولية.
إنه تصدير للقدرة اللوجستية السعودية، لا مجرد استيراد للشحنات.
بغداد وأنقرة
النفط يغير طريقه
وقّع العراق وتركيا اتفاقًا لمدة عام لزيادة تصدير النفط عبر خط كركوك–جيهان إلى الساحل التركي على البحر المتوسط، مع استهداف نقل ما لا يقل عن 750 ألف برميل يوميًا.
وتأتي الخطوة في ظل اضطراب مضيق هرمز وتراجع الصادرات العراقية، ما دفع بغداد إلى إعادة تشغيل طريق ظل مقيدًا لسنوات بفعل الخلافات السياسية والقانونية.
القراءة
لا تعيد أزمة هرمز تسعير النفط فقط، بل تعيد رسم طرقه.
فالعراق يتجه شمالًا إلى المتوسط، والسعودية تستخدم خط شرق–غرب إلى ينبع، بينما توسع دول المنطقة قدراتها على التصدير بعيدًا عن نقطة اختناق واحدة.
وقد تستمر هذه المسارات بعد انتهاء الحرب؛ لأن الدول التي دفعت كلفة الاعتماد على هرمز لن تعود بسهولة إلى الاعتماد الكامل عليه.
الخلاصة
تكشف عواصم القرار اليوم أن الاحتياط الاستراتيجي لم يعد مخزونًا من النفط أو الصواريخ وحده.
إنه خط أنابيب بديل، وقاعدة لوجستية خارج الحدود، ومصنع قادر على تعويض السلاح، واختبار يمنع الذكاء الاصطناعي من تجاوز مهمته.
واشنطن تعيد بناء مخزونها.
وطوكيو تبني اقتصادًا دفاعيًا.
وبغداد تبحث عن طريق لا يمر بهرمز.
والسعودية تنتقل من حماية تدفق الطاقة إلى امتلاك مسارات التجارة خارج حدودها.
فالدولة الأقوى ليست التي تملك طريقًا واحدًا ناجحًا، بل التي تملك بديلًا جاهزًا عندما يُغلق الطريق.