نتصر ثم تتراجع

news image

لماذا تكسب الولايات المتحدة المعارك، ثم تتعثر في صناعة النهايات؟

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الإستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

تمتلك الولايات المتحدة أقوى آلة عسكرية في العالم، وأضخم شبكة استخبارات، ومؤسسات بحثية وتخطيطية يصعب مقارنتها بأي دولة أخرى.

ومع ذلك، يطرح تاريخها العسكري الحديث سؤالًا محيرًا:

كيف تستطيع أميركا إسقاط الأنظمة وتدمير الجيوش واحتلال العواصم، ثم تنسحب أحيانًا قبل أن تحقق النتيجة السياسية التي دخلت الحرب من أجلها؟

حدث ذلك في فيتنام وأفغانستان والصومال والعراق، ويتجدد السؤال اليوم مع إيران، حيث تبدو واشنطن قادرة على توجيه ضربات واسعة، لكنها تتقدم وتتوقف، تصعّد وتتفاوض، وتضرب الحرس الثوري من دون أن تحسم ما الذي تريده منه في النهاية.

هل تتحرك الولايات المتحدة بلا إستراتيجية؟

أم أن مشكلتها ليست في غياب القوة أو التفكير، بل في الفجوة بين كسب المعركة وصناعة النتيجة؟

عقل يدير الضربة

لا يمكن القول إن دولة تمتلك هذه المؤسسات العسكرية والاستخباراتية تتحرك بلا إستراتيجية مطلقًا.

لكن وجود الخطط لا يعني وجود إستراتيجية واحدة متماسكة.

ففي واشنطن قد توجد في الوقت نفسه رؤية للرئيس، وأخرى لوزارة الدفاع، وثالثة لوزارة الخارجية، وحسابات مختلفة لأجهزة الاستخبارات والكونغرس والحلفاء.

وتبدأ المشكلة عندما لا تتفق هذه الأطراف على إجابات واضحة عن أربعة أسئلة:

ما الهدف النهائي؟

ما مقدار القوة اللازمة لتحقيقه؟

متى يمكن إعلان نجاح المهمة؟

وماذا سيحدث في اليوم التالي؟

وهذا ما يظهر حاليًا في الحرب مع إيران.

فهناك من يريد منع طهران من امتلاك السلاح النووي، ومن يريد ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ومن يسعى إلى تدمير الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومن يرى أن الهدف هو إجبار إيران على توقيع اتفاق.

هذه ليست وسائل مختلفة لتحقيق هدف واحد، بل قد تكون أربع حروب داخل حرب واحدة.

ولهذا يمكن وصف المعضلة الأميركية بعبارة مختصرة:

لدى الولايات المتحدة عقل يدير الضربة، لكن ليس لديها دائمًا عقل يدير النتيجة.

تنتصر عسكريًا

من الضروري التمييز بين الهزيمة العسكرية والفشل السياسي.

في العراق، أسقطت القوات الأميركية نظام صدام حسين بسرعة كبيرة.

وفي أفغانستان، أطاحت بحكم طالبان وشتتت تنظيم القاعدة خلال المرحلة الأولى.

وفي فيتنام، كسبت القوات الأميركية معارك عديدة وألحقت بخصومها خسائر بشرية وعسكرية هائلة.

لكن إسقاط النظام ليس بناء دولة، وتدمير الجيش ليس صناعة سلام، وقتل قادة الخصم لا يعني اختفاء الفكرة أو الحركة التي ينتمون إليها.

لذلك، لا تكمن المشكلة الأميركية عادة في اختراق الدفاعات أو احتلال العواصم، بل في تحويل ذلك إلى واقع سياسي مستقر وقابل للحياة بعد مغادرة القوات.

أميركا تعرف كيف تنهي جيشًا، لكنها لا تعرف دائمًا كيف تبني النظام الذي يأتي بعده.

حين يتضخم الهدف

تبدأ بعض الحروب الأميركية بهدف محدود، ثم تتوسع المهمة تدريجيًا حتى يصبح من الصعب تحديد نقطة النهاية.

بدأ التدخل في أفغانستان بملاحقة تنظيم القاعدة وإسقاط حكم طالبان، ثم تحول إلى محاولة لبناء دولة وجيش ومؤسسات واقتصاد ونظام سياسي جديد.

وبعد عشرين عامًا، أصبحت المهمة أكبر من القدرة على إنجازها، وأصبح الوجود الأميركي جزءًا من بقاء الدولة التي كان يفترض أن تصبح قادرة على حماية نفسها.

وفي الصومال، بدأت المهمة بتأمين وصول المساعدات الإنسانية، ثم انتقلت إلى ملاحقة قادة الفصائل ومحاولة التأثير في البنية السياسية والأمنية للبلاد.

أما في العراق، فقد نجحت خطة إسقاط النظام، لكن مرحلة ما بعد السقوط كشفت غياب تصور متكامل لإدارة الدولة، وحماية مؤسساتها، ومنع الفراغ الأمني، وبناء شرعية سياسية جديدة.

كلما اتسعت المهمة، أصبح معنى النصر أكثر غموضًا.

وعندما لا تستطيع الدولة تحديد معنى النصر، فإنها لا تعرف اللحظة التي يجب أن تتوقف فيها، ولا الشروط التي تسمح لها بالمغادرة.

أميركا تقاتل بساعة

يقاتل خصوم الولايات المتحدة فوق أرضهم، ويمكنهم الانتظار سنوات طويلة.

أما الرئيس الأميركي، فيخوض الحرب تحت ضغط الانتخابات والكونغرس والإعلام والرأي العام والخسائر البشرية والتكاليف الاقتصادية.

لذلك، لا يحتاج الخصم الأضعف إلى هزيمة الجيش الأميركي.

يكفيه أن يبقى.

فالولايات المتحدة تحتاج إلى تحقيق نصر واضح، بينما يحتاج خصمها فقط إلى تجنب الهزيمة النهائية.

ومع مرور الوقت، يتحول بقاؤه إلى انتصار سياسي، حتى لو تكبد خسائر عسكرية أكبر بكثير.

هذا ما أدركته القيادة في فيتنام؛ إذ لم تكن تراهن على هزيمة الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية تقليدية، بل على إطالة الحرب حتى تتراجع الإرادة الأميركية من الداخل.

لقد تعلم الخصوم أن نقطة ضعف أميركا ليست بالضرورة في ساحة القتال، بل في الزمن.

الدولة الضعيفة ليست سهلة

هناك من يرى أن الولايات المتحدة تختار المناطق الرخوة والدول الضعيفة لتمارس تفوقها العسكري، وتتجنب المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى.

هذه الفكرة صحيحة جزئيًا.

فالولايات المتحدة تتجنب الحرب المباشرة مع دول نووية كروسيا والصين، لأن تكلفة المواجهة قد تتجاوز حدود السيطرة. ولذلك تستخدم ضدها الردع والعقوبات والتحالفات والحروب غير المباشرة.

أما الدول الأضعف، فتبدو أهدافًا يمكن إخضاعها بسرعة وبكلفة أولية محدودة.

لكن المفارقة أن ضعف الدولة الذي يسهل إسقاطها هو نفسه ما يجعل إدارتها بعد السقوط أكثر صعوبة.

فالجيش الضعيف قد يُهزم خلال أسابيع، لكن انهيار مؤسسات الدولة يفتح فراغًا سياسيًا وأمنيًا، تنشأ داخله جماعات مسلحة وشبكات مصالح وانقسامات قبلية وطائفية يصعب إخضاعها أو التفاوض معها.

وقد تكون الدولة ضعيفة عسكريًا، لكنها ليست بالضرورة أرضًا رخوة سياسيًا واجتماعيًا.

وحين تسقط السلطة المركزية، لا تصبح إدارة البلاد أسهل، بل قد تتحول الدولة إلى عشرات القوى الصغيرة التي تحتاج كل واحدة منها إلى معركة واتفاق وتسوية مختلفة.

وهكذا تختار أميركا أحيانًا الخصم السهل عسكريًا، ثم تكتشف أنها دخلت المجتمع الصعب سياسيًا.

متى تنجح أميركا؟

لا يصح القول إن الولايات المتحدة تفشل دائمًا.

ففي حرب تحرير الكويت عام 1991، كان الهدف محددًا بوضوح: إخراج القوات العراقية من الكويت وإعادة الشرعية إليها.

بنت واشنطن تحالفًا دوليًا واسعًا، وحددت المهمة، وربطت العمليات العسكرية بهدف سياسي قابل للتحقق، ثم أوقفت الحرب بعد إنجازه.

لم تتجه إلى احتلال العراق أو إسقاط النظام، لأن ذلك لم يكن ضمن الهدف الذي قام عليه التحالف.

ولهذا تبدو حرب تحرير الكويت نموذجًا مختلفًا؛ فقد عُرفت النهاية قبل بدء العمليات.

وتكشف المقارنة قاعدة أساسية:

كلما كان الهدف محدودًا وواضحًا، ازدادت فرص النجاح الأميركي. وكلما تحول الهدف من هزيمة قوة عسكرية إلى إعادة تشكيل دولة ومجتمع، بدأت القوة الأميركية تفقد تفوقها.

إيران ليست فأرًا

إيران ليست ندًا عسكريًا تقليديًا للولايات المتحدة، ولا تستطيع الانتصار عليها في مواجهة مفتوحة.

لكنها ليست دولة بلا أدوات قوة.

لقد بنت طهران قدراتها أساسًا لمواجهة خصم يتفوق عليها جوًا وبحرًا وتقنيًا. ولهذا لم تحاول صنع نسخة مصغرة من الجيش الأميركي، بل طورت وسائل تجعل استخدام القوة ضدها مكلفًا ومعقدًا.

تمتلك إيران صواريخ وطائرات مسيّرة، وانتشارًا جغرافيًا واسعًا، وشبكات مسلحة خارج حدودها، وقدرة على تهديد القواعد والموانئ وناقلات الطاقة والممرات البحرية.

كما تستطيع نقل آثار الحرب من أراضيها إلى دول أخرى، وتحويل أي ضربة واسعة إلى اضطراب أمني واقتصادي يتجاوز حدودها.

إيران لا تسعى إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، بل إلى إقناعها بأن الانتصار عليها لن يكون سريعًا أو نظيفًا أو قليل التكلفة.

وبذلك تعوض ضعفها التقليدي بقدرتها على توسيع ساحة الحرب، وتشتيت الخصم، ورفع ثمن الحسم.

لماذا يبدو الحرس مخيفًا؟

لا تخشى الولايات المتحدة الحرس الثوري بوصفه قوة تستطيع هزيمتها في ميدان تقليدي، بل تخشى ما يمكن أن يحدث بعد محاولة تدمير قدراته بالكامل.

السؤال الأميركي ليس:

هل نستطيع ضرب الحرس الثوري؟

فالإجابة العسكرية واضحة.

لكن الأسئلة الأصعب هي:

هل تؤدي الضربات إلى استسلامه؟

هل تتوقف الصواريخ والطائرات المسيّرة؟

هل يبقى مضيق هرمز مفتوحًا؟

هل تتوقف الميليشيات المرتبطة بإيران؟

هل تتوسع الحرب إلى دول أخرى؟

وماذا يحدث إذا ضعفت الدولة الإيرانية أو انهارت مؤسساتها؟

ومن يدير إيران في اليوم التالي؟

لهذا يبدو السلوك الأميركي أحيانًا كما لو كان لعبة كر وفر: ضربة يتبعها انتظار، وتصعيد ترافقه مفاوضات، وتهديد واسع ينتهي بعملية محدودة.

لكن هذا السلوك قد يكون محاولة لاستخدام قدر كافٍ من القوة للضغط على طهران، من دون الوصول إلى درجة تفجر حربًا شاملة لا تعرف واشنطن كيف تنهيها.

والمفارقة أن هذا التردد يمنح إيران فرصة للظهور أكبر من حجمها الحقيقي؛ إذ تقدم طهران كل مرة تتجنب فيها الولايات المتحدة الحسم بوصفها دليلًا على قدرتها على الردع والصمود.

أكثر من إستراتيجية

المشكلة إذن ليست أن أميركا قوة بلا عقل.

إنها قوة تمتلك عقولًا كثيرة، لكنها لا تتفق دائمًا على الغاية النهائية.

وهي بارعة في الوصول إلى الهدف، وتدمير قدراته العسكرية، وكسب المعركة الأولى.

لكنها تتعثر عندما تنتقل من السؤال العسكري:

كيف نهزم الخصم؟

إلى السؤال السياسي:

ماذا نريد أن نضع مكانه؟

فالقوة العسكرية تستطيع فتح الطريق أمام السياسة، لكنها لا تستطيع أن تحل محلها.

وكلما غابت النهاية السياسية، أصبحت الضربات وسيلة لتأجيل المشكلة بدلًا من حلها، وتحول التفوق العسكري من طريق إلى النصر إلى قدرة هائلة على تكرار الحرب.

من يهزم أميركا؟

قد لا يكون السؤال الحقيقي:

لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة هزيمة خصومها؟

بل:

كيف تعلم خصومها أن يواجهوها؟

لقد أدرك هؤلاء أنهم لا يحتاجون إلى إسقاط الطائرات الأميركية أو احتلال أراضيها أو هزيمة جيوشها في معركة كبرى.

يكفيهم توزيع قواتهم، وإخفاء قدراتهم، وتوسيع ساحات المواجهة، وزيادة الكلفة، وانتظار تغير الرئيس أو الكونغرس أو الرأي العام.

وبذلك لا يهزم الخصم الولايات المتحدة بقوة أكبر من قوتها، بل يدفعها إلى مواجهة تناقضاتها الداخلية.

أميركا تدخل الحرب وهي تتفوق في السلاح والاقتصاد والتقنية، لكن خصمها يدخلها وهو يمتلك شيئًا آخر:

القدرة على الانتظار.

الخلاصة

لا تبدأ الولايات المتحدة حروبها بلا خطط، لكنها تبدأ بعضها قبل أن تعرف شكل النهاية.

تعرف كيف تضرب، وكيف تسقط الأنظمة، وكيف تدمر القدرات العسكرية، لكنها لا تعرف دائمًا ماذا تفعل بعد ذلك.

ولهذا تنتصر في المعركة، ثم تتعثر في السياسة.

تصل إلى العاصمة، لكنها لا تصل إلى النتيجة.

وتسقط النظام، ثم تكتشف أن إسقاطه كان الجزء الأسهل.

فالمشكلة ليست أن أميركا لا تعرف كيف تبدأ الحرب، بل أنها تبدأها أحيانًا قبل أن تجيب عن السؤال الذي كان يجب أن يسبق إطلاق الرصاصة الأولى:

كيف نريد لهذه الحرب أن تنتهي؟