اليوم 150 🇺🇸⚔️🇮🇷 : الرياض ترسم الردع
بينما تبحث واشنطن عن مخرج من حرب تتسع بلا هدف نهائي متفق عليه، تقود السعودية بناء تحالف دولي لحماية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن
متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
الرياض | بث
تتجه الحرب الأميركية الإيرانية نحو مرحلة أكثر اتساعًا وخطورة، مع دراسة إدارة الرئيس دونالد ترامب خطة لحملة جوية مكثفة تستمر بين عشرة أيام وأسبوعين، وتستهدف مراكز القيادة ومنشآت الصواريخ والطائرات المسيّرة التابعة للحرس الثوري الإيراني، بالتزامن مع استمرار المساعي التفاوضية التي تقودها باكستان.
وفي الوقت الذي تكشف فيه المناقشات داخل الإدارة الأميركية عن خلاف حول الهدف النهائي للحرب وسبل إنهائها، تقود المملكة تحركًا دوليًا لتأسيس تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، يتخذ من الرياض مقرًا رئيسيًا، ويستهدف حماية الممرات البحرية وردع الهجمات على السفن التجارية وناقلات الطاقة والبنية التحتية البحرية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
وشارك في الاجتماع الذي استضافته وزارة الدفاع السعودية رؤساء هيئات الأركان وممثلو 43 دولة، إلى جانب مندوبية الاتحاد الأوروبي لدى المملكة، من أصل 51 دولة ومنظمة وُجهت إليها الدعوة، فيما أعلنت 14 دولة دعمها المشترك لمشروع التحالف وترتيباته التأسيسية.
حرب تبحث عن هدف
تكشف الخطة التي أعدها قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، أن واشنطن لم تعد ترى في الضربات المحدودة وسيلة كافية لوقف الهجمات الإيرانية أو تقليص قدرة طهران على تهديد القوات الأميركية والملاحة البحرية.
وتقوم الخطة على شن حملة جوية متواصلة بين عشرة أيام و14 يومًا، بهدف إضعاف قدرات إيران الصاروخية ومنظومات الطائرات المسيّرة ومراكز القيادة التابعة للحرس الثوري. لكن زيادة حجم الضربات لا تجيب وحدها عن السؤال الأصعب:
ما الهدف السياسي الذي يفترض أن تحققه القوة العسكرية؟
فداخل الإدارة الأميركية، لا يزال الخلاف قائمًا بين من يجعل منع إيران من امتلاك سلاح نووي أولوية، ومن يركز على ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ومن يريد تدمير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وهذه ليست أهدافًا متطابقة؛ فلكل هدف عملياته العسكرية وشروطه التفاوضية ونقطة النهاية الخاصة به.
وقد يفسر ذلك غضب ترامب خلال الاجتماع الأمني الذي عقد في البيت الأبيض. فالولايات المتحدة حققت انتصارات تكتيكية وأصابت أهدافًا إيرانية، لكنها لم تستطع حتى الآن تحويل تلك الضربات إلى مكسب إستراتيجي واضح أو اتفاق ينهي الحرب.
وبذلك، أصبحت واشنطن أمام مفارقة صعبة: كل ضربة قد تضعف جزءًا من القوة الإيرانية، لكنها قد توسع في الوقت نفسه مساحة الحرب وتزيد صعوبة الخروج منها.
وفي مؤشر على احتمال اتساع أدوات الضغط، أفادت مصادر إسرائيلية رفيعة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تدرسان فرض حصار بري على إيران، بالتزامن مع استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وبعد تعثر الخيارات العسكرية المستخدمة حتى الآن في إعادة فتح مضيق هرمز، بحسب صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية. والحصار البحري على الموانئ الإيرانية قائم بالفعل ضمن العمليات الأميركية المتجددة.
ولا يعني بحث الحصار البري أن قرار تنفيذه قد اتُخذ، لكنه يكشف انتقال التفكير من ضرب القدرات العسكرية إلى محاصرة حركة إيران وخطوط إمدادها وزيادة الضغط على اقتصادها.
غير أن فرض حصار بري على دولة بمساحة إيران وحدودها الممتدة يتطلب تعاونًا واسعًا من دول الجوار، وقد يفتح ساحات توتر جديدة من دون ضمان إعادة فتح المضيق أو دفع طهران إلى التراجع.
وهنا تتكرر المعضلة الأميركية: كلما أخفقت أداة في تحقيق الهدف، أضيفت أداة أخرى، فتتسع الحرب قبل أن تتضح نهايتها.

السعودية تغيّر المعادلة
في الجهة الأخرى، لا تتعامل المملكة مع تهديد الملاحة بوصفه حادثًا عابرًا أو أزمة تنتهي بانتهاء جولة القتال الحالية، بل باعتباره تحديًا ممتدًا يحتاج إلى إطار دولي منظم.
ولهذا لا تقتصر المبادرة السعودية على جمع سفن حربية أو تنسيق عمليات مؤقتة، وإنما تتجه إلى بناء مؤسسة دفاعية بحرية متعددة الجنسيات، لها ميثاق وهيكل تنظيمي وقيادة وسيطرة وآليات تشغيل وفرق فنية ووثائق مرجعية.
وهنا تكمن القيمة الإستراتيجية للمبادرة.
فالتحالف المقترح لا يستجيب فقط للتهديد القائم، بل يؤسس قدرة جماعية يمكنها التعامل مع تهديدات لاحقة، سواء تمثلت في الهجمات على السفن، أو استهداف ناقلات الطاقة، أو ضرب المنشآت البحرية، أو تهديد سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
لماذا البحر الأحمر؟
يربط البحر الأحمر بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر باب المندب وقناة السويس، ولذلك لا تمثل حمايته شأنًا إقليميًا محدودًا.
أي اضطراب في هذا الممر ينعكس على حركة الطاقة وأسعار التأمين وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد ووصول السلع إلى الأسواق العالمية.
ومن هنا، فإن استهداف الملاحة لا يهدد الدول المطلة على البحر الأحمر وحدها، بل يمتد أثره إلى الدول المصدرة والمستوردة، وشركات النقل، والموانئ، والمستهلكين في قارات مختلفة.
وتنطلق المبادرة السعودية من هذه الحقيقة: أمن الممر البحري لا يمكن أن تتحمله دولة واحدة، لأن المصالح التي تمر عبره دولية، وبالتالي يجب أن تكون مسؤولية حمايته جماعية.
ماذا يعني حضور 43 دولة؟
لا تعني مشاركة 43 دولة أنها أصبحت جميعًا أعضاء في التحالف، لكنها تكشف اتساع القناعة بأن التهديد البحري تجاوز قدرة التحالفات المحدودة والترتيبات المؤقتة.
أما البيان المشترك الصادر عن 14 دولة، فيمثل النواة السياسية الأولى للمشروع، ويضم:
المملكة العربية السعودية، والكويت، والبحرين، وقطر، وباكستان، وتركيا، ومصر، والأردن، واليمن، وبنغلاديش، ونيجيريا، والسودان، وجيبوتي، والصومال.
وتجمع هذه الدول بين مواقع جغرافية مؤثرة على الممرات البحرية، وقدرات عسكرية متفاوتة، وثقل سياسي وبشري واقتصادي يمكن أن يمنح التحالف عمقًا يتجاوز نطاق البحر الأحمر نفسه.
كما أن إبقاء باب الانضمام مفتوحًا يتيح للمبادرة أن تتطور تدريجيًا، من نواة تأسيسية إلى إطار دولي أوسع، بعد استكمال الدول الراغبة إجراءاتها وموافقاتها الوطنية.
التحالف لم يُطلق بعد
من المهم التمييز بين الإعلان عن مشروع التحالف وبين مباشرته مهامه.
فالاجتماع الذي عقد في الرياض أقر مواصلة عمل المخططين العسكريين لاستكمال الصيغة النهائية للميثاق والوثائق المرجعية، وبناء الهيكل التنظيمي، وتحديد ترتيبات القيادة والسيطرة وآليات التشغيل، وتشكيل الفرق الفنية.
وبعد استكمال الإجراءات الوطنية للدول الراغبة، ينتقل المشروع إلى توقيع الميثاق، ثم إطلاق التحالف ومباشرة مهامه.
وهذا يعني أن الرياض وضعت الأساس السياسي والعسكري، بينما تبدأ الآن المرحلة الأكثر دقة: تحويل التأييد الدولي إلى التزامات عملية وقوات وقدرات وقواعد اشتباك ونظام قيادة موحد.
من يحمي البحر؟
تتزامن المبادرة السعودية مع لحظة أصبحت فيها الممرات البحرية جزءًا مباشرًا من الحرب، وليست مجرد طريق تتأثر بها.
فحين تُستهدف السفن التجارية وناقلات الطاقة والبنية التحتية البحرية، يتحول البحر إلى وسيلة ضغط سياسي وعسكري واقتصادي، وتصبح التجارة العالمية طرفًا غير معلن في الصراع.
ومن هنا، يحمل التحالف رسالة ردع مزدوجة:
الأولى أن الهجوم على سفينة أو ناقلة لن يبقى مواجهة منفردة بين المهاجم والدولة المتضررة.
والثانية أن أمن باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن لن يخضع لإرادة الميليشيات أو حسابات القوى التي تستخدمها لتهديد الدول والأسواق.
الرياض مركز القيادة
اختيار المملكة مقرًا رئيسيًا للتحالف لا يعكس موقعها الجغرافي فحسب، بل دورها في معادلة أمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية.
فالسعودية تطل على البحر الأحمر والخليج العربي، وتقع بين أهم مناطق إنتاج الطاقة وأبرز طرق انتقالها، كما ترتبط أمنياً واقتصاديًا بالدول المطلة على البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
وبذلك تنتقل المملكة من حماية مياهها ومصالحها الوطنية إلى قيادة إطار دولي لحماية مصلحة عالمية مشتركة.
كما أن تركيز التحالف على نطاق محدد يمنحه فرصة لبناء اختصاص واضح، ويقلل تداخل مهامه مع التحالفات البحرية الأخرى العاملة في المنطقة.
بين خطتين
في اليوم الـ150 من الحرب، تظهر في المنطقة مقاربتان مختلفتان.
واشنطن تدرس حملة جوية أشد، لكنها لا تزال تناقش ما الذي تريد تحقيقه، وكيف يمكن إنهاء العمليات بعد بدئها.
أما الرياض، فتعمل على بناء إطار طويل الأمد، يحدد الهدف قبل إطلاق المهمة: حماية الممرات البحرية، وردع التهديدات، وصيانة حرية الملاحة والتجارة العالمية.
القوة الأميركية قد تستطيع تدمير منشآت ومنظومات خلال أسبوعين، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان أمن البحار بعد توقف الطائرات.
أما التحالف الذي تقوده المملكة، فإن نجاحه لن يُقاس بعدد الضربات التي ينفذها، بل بقدرته على منع وقوع الهجمات، وإبقاء السفن عابرة، والموانئ عاملة، والطاقة متدفقة.
وهنا تتجاوز المبادرة السعودية إدارة أزمة عسكرية مؤقتة، لتؤسس لمعادلة أمنية جديدة:
بدل أن ينتظر العالم الهجوم التالي، يبدأ في بناء القوة التي تمنعه.

