حين تُكبَّل القوة

إيران تفرض أمرًا واقعًا في هرمز، والحوثي يهدد باب المندب.. دول المنطقة تملك الردع، فمن يملك قرار الحسم؟
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث
إشراف: عبدالله العميره
ما يجري في المنطقة لم يعد حربًا عسكرية بالمعنى التقليدي.
فالحرب التقليدية تُقاس بالأرض التي تُحتل، والقوات التي تتقدم، والمنشآت التي تُدمّر، والخصم الذي يتراجع.
أما ما يجري اليوم فأبعد من ذلك.
إيران تحاول تحويل موقعها الجغرافي عند مضيق هرمز إلى سلطة سياسية ومالية على تجارة العالم، وتطالب بأن تمر السفن عبر منظومة تنشئها، وتريد أن يصبح دفع الرسوم جزءًا من أي تسوية مقبلة.
وفي الجهة الأخرى، أعلن الحوثيون المدعومون من إيران حصارًا بحريًا لا يستهدف السعودية وحدها، بل يهدد العالم ومصالحه، وبدأوا بحث فرض رسوم على السفن العابرة جنوب البحر الأحمر، بمساعدة مستشارين إيرانيين، وفق معلومات أوردتها تقارير دولية.
ليست الرسوم قد طُبقت في باب المندب حتى الآن، ولم يُحدد موعد لبدء تحصيلها؛ لكن مجرد الانتقال من التهديد بالصواريخ إلى التفكير في إنشاء «سلطة» تنظّم المرور وتحصّل الأموال يكشف أن المسألة أكبر من هجوم عسكري عابر.
نحن أمام محاولة لصناعة سيادة موازية على ممرين دوليين:
إيران عند هرمز.
والحوثي عند باب المندب.
وبينهما دول الخليج، وصادرات الطاقة، والموانئ السعودية، وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
هنا يصبح السؤال أكبر من عدد الصواريخ والسفن:
كيف استطاع طرفان، أحدهما نظام أرهقته الحرب والعقوبات، والآخر جماعة مسلحة لا تمثل دولة، أن يتصرفا وكأنهما يملكان مفاتيح ممرات العالم؟
وهنا تظهر المفارقة الأشد إيلامًا في هذه الحرب:
المعتدي محدود القوة، لكنه طليق القرار؛ ودول المنطقة فائقة القدرة، لكنها تتحرك داخل شبكة كثيفة من الحسابات والالتزامات والقيود.
ولذلك لا تبدو موازين القوة الحقيقية في عدد الطائرات والصواريخ وحده، بل في حرية اتخاذ القرار: من يستطيع أن يتحرك سريعًا؟ ومن يحتاج قبل كل خطوة إلى حساب التصعيد، وحماية الاقتصاد، وتنسيق التحالفات، واستشراف اليوم التالي؟
ومن هذه المفارقة يبدأ السؤال الذي يحكم هذا المقال كله:
هل المشكلة في القدرة على الرد، أم في امتلاك قرار الحسم؟
وهل تبدو الولايات المتحدة عاجزة لأنها لا تستطيع إنهاء التهديد، أم لأنها لا تريد حسمه بالطريقة والتوقيت اللذين تريدهما دول المنطقة؟
وهل تتحرك واشنطن ضمن مسار يحقق أهدافها الاستراتيجية وحدها، حتى إن طال الخطر على حلفائها؟
أم أن الجميع بات أسيرًا لمعادلة معقدة: دول المنطقة تخشى كلفة الحرب، والولايات المتحدة تخشى كلفة ما بعدها، بينما تستفيد إيران والحوثي من تردد الطرفين؟
وهل تحمي المظلة الأميركية دول المنطقة، أم أنها بدأت تضع سقفًا لقرارها؟
من التهديد إلى الجباية
إغلاق المضيق فعل عسكري.
أما فرض الرسوم عليه فهو محاولة لتحويل القوة العسكرية إلى حق دائم.
وهذا هو التحول الأخطر.
فإيران لا تريد فقط أن تمنع سفينة أو تسمح لأخرى، بل تريد أن ينتقل النقاش الدولي من رفض سيطرتها على هرمز إلى التفاوض معها على شروط تلك السيطرة.
قد تبدأ المسألة بعبارة مؤقتة:
رسوم مقابل خدمات الملاحة.
ثم تصبح:
رسوم مقابل الحماية.
ثم تتحول عمليًا إلى:
ادفع كي تمر.
وفي باب المندب، يبدو أن الحوثي يحاول استنساخ النموذج نفسه: التهديد أولًا، ثم منح المرور الانتقائي، ثم إعفاء بعض الدول، ثم تحويل الابتزاز إلى نظام تحصيل.
وتفيد المعلومات المتاحة بأن الصين قد تُعفى من الرسوم الحوثية المقترحة، بعد اتصالات هدفت إلى ضمان مرور سفنها. وإذا تحقق ذلك، فلن تكون الرسوم مقابل خدمة ملاحية عامة، بل أداة للتمييز السياسي بين الدول، ومكافأة من يتفاهم مع الجماعة، ومعاقبة من يرفض الخضوع لها.
وهذا ليس تنظيمًا للملاحة.
إنه ابتزاز جيوسياسي مغطى بلغة إدارية.
هل أُغلق هرمز؟
الإجابة الدقيقة: أُغلق أمام الحركة الطبيعية، لكنه لم يتحول إلى جدار لا تعبره سفينة.
لا يزال العبور ممكنًا لبعض السفن، سواء بحماية عسكرية أو عبر ترتيبات ومسارات توافق عليها إيران. ولذلك تتحدث بعض البيانات الأميركية عن بقاء المضيق مفتوحًا، بينما تصفه تقارير أخرى بأنه مغلق أو شديد التقييد.
ولا يوجد تناقض كامل بين الروايتين.
فالمضيق قد يكون مفتوحًا جغرافيًا، لكنه غير مفتوح تجاريًا بالمعنى الطبيعي؛ لأن حرية الملاحة لا تعني أن تعبر سفينة بعد مفاوضات أو حماية أو موافقة انتقائية، بل أن تمر جميع السفن وفق القانون من دون ابتزاز أو تمييز أو خوف.
وقد ساعدت القوات الأميركية، منذ أوائل مايو، في مرور نحو 900 سفينة تجارية وكميات كبيرة من النفط، بحسب القيادة المركزية الأميركية. لكن الحاجة إلى قوة عسكرية كي تمارس السفينة حقًا أصيلًا في العبور تكشف أن حرية الملاحة لم تعد طبيعية، بل أصبحت عملية أمنية.
وهنا حققت إيران جزءًا من هدفها، حتى من دون إغلاق كامل:
جعلت العالم يتفاوض حول حق لم يكن خاضعًا للتفاوض.
أمر واقع غير قانوني
لا يسمح القانون الدولي للدولة المطلة على مضيق دولي بفرض رسوم لمجرد السماح بالمرور.
ويمكن تحصيل مقابل خدمات محددة، مثل الإرشاد أو القطر أو بعض الخدمات المينائية، بشرط ألا تتحول إلى رسم عبور، وألا تميّز بين السفن والدول.
ومضيق هرمز ليس قناة أنشأتها دولة حتى تتعامل معه كمرفق تجاري تملكه، بل ممر طبيعي دولي يقع بين المياه الإقليمية لإيران وعُمان.
لهذا اقترحت عُمان آلية إقليمية مشتركة، تكون فيها المساهمات طوعية ومخصصة لخدمات الملاحة والإنقاذ وحماية البيئة، بدل قبول حق إيراني منفرد في الإدارة والتحصيل. لكن طهران رفضت الصيغة التي تقلص سيطرتها، وتمسكت بدور أكبر في تحديد مسارات العبور وشروطه.
والمشكلة أن الأمر الواقع إذا طال، يبدأ بالتحول إلى واقع سياسي.
تحتج الدول في البداية.
ثم تبحث عن تسوية.
ثم تقبل استثناءً مؤقتًا.
ثم يصبح الاستثناء قاعدة جديدة.
وهكذا لا ينتصر المعتدي لأنه أقنع العالم بحقه، بل لأن العالم تعب من مقاومة باطله.
من فرعن المعتدي؟
يقول المثل الشعبي:
قيل لفرعون: من فرعنك؟
قال: لم أجد من يردّني.
لا تكمن قيمة المثل في عبارته الساخرة، بل في تفسيره النفسي للعدوان.
فالمعتدي لا يبدأ دائمًا وهو واثق من قوته.
إنه يختبر.
يتقدم خطوة، ثم يراقب الرد.
فإذا جاء الاعتراض بيانًا، تقدم خطوة أخرى.
وإذا جاءت العقوبة محدودة، رفع سقف الاختبار.
وإذا اكتشف أن خصومه يخشون كلفة الرد أكثر مما يخشى هو كلفة العدوان، تحوّل التردد في ذهنه إلى عجز، وتحول العجز المتوهم إلى حق مكتسب.
هكذا تبدأ الجماعة المسلحة بمهاجمة سفينة.
ثم تحدد السفن المسموح لها بالمرور.
ثم تعلن حصار دولة.
ثم تدرس فرض الرسوم على تجارة العالم.
ليست قوتها هي التي تضاعفت بهذه السرعة.
الذي تضاعف هو إدراكها لحدود رد الآخرين.
هل الولايات المتحدة عاجزة؟
عسكريًا، لا. فالولايات المتحدة قادرة على ضرب مواقع القيادة، ومنشآت الصواريخ والطائرات المسيّرة، والقدرات البحرية، ومراكز المراقبة الساحلية داخل إيران. وقد نفذت موجات متتالية من الغارات استهدفت عشرات المواقع والقوارب والمنشآت العسكرية.
لكن امتلاك القوة العسكرية شيء، وتحويلها إلى نتيجة سياسية شيء آخر.
فالعتاد، مهما بلغت قوته، لا يحقق الغاية ما لم تقُده قرارات شجاعة وحكيمة، تقرأ المصالح الحقيقية، وتحدد بوضوح ما الذي تريد الحرب تحقيقه وكيف تنتهي. ومن دون ذلك، قد تطول المعركة وتتضاعف خسائرها، من غير أن تقترب من النتيجة المطلوبة.
يمكن تدمير زورق خلال دقائق، لكن منع إيران من بناء زورق آخر لا يتحقق بضربة واحدة.
ويمكن قصف منصة صاروخية، لكن إنهاء النظام الذي يتخذ قرار إطلاق الصواريخ يفتح أسئلة أكبر:
من يحكم إيران بعده؟ وهل تتماسك الدولة أم تتفكك؟
ومن يسيطر على المنشآت النووية والصواريخ؟
وهل تتوقف الجماعات التابعة للنظام، أم تتحول إلى قوى منفلتة؟
وهل يؤدي إسقاط النظام إلى استقرار إيران، أم إلى فوضى تتجاوز حدودها وتطال المنطقة كلها؟
هذه الأسئلة لا تثبت أن واشنطن عاجزة، لكنها قد تفسر لماذا تستخدم القوة بالتقسيط.
غير أن عدم القدرة على قراءة مرحلة ما بعد سقوط النظام، أو تحديد الأدوات التي تضمن تماسك الدولة وتحقيق الاستقرار، يعني ببساطة أن الحرب لا تقودها حتى الآن خطة واضحة لمصلحة الشعب الإيراني والمنطقة؛ بل أهداف عسكرية تعرف ما تريد تدميره، من دون رؤية سياسية مكتملة لما تريد بناءه بعد ذلك.
فالولايات المتحدة تبدو كأنها تريد إضعاف إيران بما يكفي لردعها وإجبارها على التفاوض، من دون إسقاط النظام؛ خشية أن تفقد القدرة على إدارة ما يأتي بعده.
لكن لهذه السياسة خطرًا واضحًا:
فإذا لم يُنتج الضغط المتدرج تراجعًا، فإنه يمنح الخصم وقتًا للتكيف، ويجعل الضربات جزءًا من المشهد اليومي، بدلًا من أن تكون صدمةً تغيّر حساباته.
وعندها تتحول القوة الأميركية الهائلة إلى قوة كثيرة الحركة، قليلة الحسم.
وهنا يبرز السؤال: هل لدى الولايات المتحدة وحلفائها استراتيجية مختلفة عمّا يظهر في ساحة الحرب، أم أن استمرار الضغط بلا حسم هو الاستراتيجية نفسها؟
عقوبات بعد الغارات
فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على شركات وناقلات مرتبطة بمحاولة إيران تحقيق إيرادات من المرور عبر هرمز، واستهدفت جهات قالت إنها تستخدم التأمين والخدمات البحرية والأصول الرقمية لتحصيل الأموال من السفن.
وهذا يعني أن واشنطن تقاتل المشروع الإيراني عسكريًا واقتصاديًا في الوقت نفسه.
لكن العقوبات تطرح سؤالًا مؤلمًا:
إذا كانت إيران تفرض أمرًا واقعًا في ممر دولي، فهل يكفي معاقبة الشركات التي تجمع المال، أم يجب إنهاء القدرة التي تتيح لها فرضه أصلًا؟
العقوبة تُرهق المعتدي.
أما الردع فيمنعه من تكرار الفعل.
والفارق بينهما أن العقوبة تأتي بعد الاعتداء، بينما يجعل الردع المعتدي يعيد الحساب قبل أن يبدأ.
دول المنطقة قادرة
لا تعاني دول المنطقة نقصًا في الطائرات الحديثة، أو أنظمة الدفاع الجوي، أو القدرة الاستخباراتية، أو القوات المدربة، أو الموارد المالية.
وتملك السعودية خصوصًا ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا يجعلها قادرة على حماية أراضيها ومصالحها، والرد على مصادر التهديد.
وقد تحركت المملكة بالفعل ضد مواقع حوثية تُستخدم لتهديد الملاحة، كما تسعى إلى تشكيل تحالف دولي لحماية البحر الأحمر.
إذن، لماذا يبدو الرد أقل من حجم الاستفزاز؟
لأن الدولة لا تتخذ قرار الحرب كما تتخذه جماعة مسلحة.
الدولة تحسب أمن مدنها.
واقتصادها.
ومطاراتها.
وموانئها.
ومصافيها.
ومحطات الكهرباء والتحلية.
والاستثمارات الموجودة والقادمة.
وعلاقاتها الدولية.
وحياة ملايين المدنيين.
أما الجماعة المسلحة، فتختبئ بين الجبال والكهوف والأحياء، وقد تطلق صواريخها من جوار المنشآت المدنية، ثم توظف الخسائر الناتجة من الرد لإظهار نفسها في موقع الضحية ونزع الشرعية عن خصمها.
ويُعد هذا أحد أشكال «الحرب غير المتكافئة»؛ إذ يعوّض الطرف الأضعف نقص قوته العسكرية بالتخفي والانتشار داخل المناطق المدنية، والاعتماد على الهجمات المباغتة، ثم يوظف ردَّ خصمه وما ينجم عنه من خسائر في معركة إعلامية وسياسية .
ولهذا، لا تكفي مواجهتها بالتفوق العسكري التقليدي، بل تتطلب حنكةً تقوم على الاستخبارات الدقيقة، والعمليات النوعية المحدودة، وفصل المسلحين عن المدنيين، وتجفيف مصادر التمويل والتسليح، وتوثيق الانتهاكات، وبناء بديل سياسي وخدمي يحرم الجماعة من الاحتماء بالمجتمع أو استغلال معاناته.
وفي هذا السياق، تتقاطع بعض أساليب الحرس الثوري، ولا سيما بعد استنزاف قدراته التقليدية، مع أساليب استخدمها تنظيما القاعدة وداعش؛ مثل العمل عبر خلايا وشبكات موزعة، والاختباء داخل البيئة المدنية، والاعتماد على الوكلاء، والغموض في تبنّي الهجمات، وضرب الأهداف الرخوة، وتحويل الخوف والاضطراب إلى وسيلة لتعويض فارق القوة.
لكن الفارق جوهري؛ فالقاعدة وداعش تنظيمان عابران للحدود يعملان خارج الدولة، بينما الحرس الثوري جهاز رسمي تابع لدولة، يمتلك مواردها ومؤسساتها، ويستخدم الميليشيات بوصفها امتدادًا لنفوذها. ولذلك فهو لا يستنسخ التنظيمين عقائديًا، بل يوظف بعض أدواتهما داخل استراتيجية دولة تجمع بين الجيش النظامي وحرب الوكلاء والإنكار السياسي.
وهذا يجعله في بعض الجوانب أكثر تعقيدًا؛ لأنه يستطيع أن يتصرف كدولة حين يحتاج إلى الشرعية والتفاوض، وكشبكة مسلحة حين يريد الهجوم والإنكار والإفلات من المسؤولية.
فالدولة المسؤولة تخشى الفوضى لأنها تملك وطنًا ومجتمعًا ومنجزات تحميها، بينما تستثمر الميليشيا في الفوضى؛ لأنها لا تزدهر من دونها.
وهنا تظهر مفارقة قاسية:
نجاح دول المنطقة يزيد قوتها، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة الحرب عليها.
فالجيش المؤسسي لا يواجه سلاحًا فقط، بل يواجه خصمًا يتخفى ويستنزف، ويحاول تحويل أخطاء الجيش إلى مكاسب سياسية وإعلامية.
ولهذا تبقى القاعدة الأهم:
هزيمة الميليشيا لا تكون بتدمير المكان الذي تختبئ فيه، بل بفصلها عن البيئة التي تستغلها، وحرمان الدولة الراعية لها من الجمع بين امتيازات الدولة ووسائل التنظيمات المسلحة.
الحرس الثوري مؤسسة عسكرية رسمية داخل الدولة الإيرانية، لكنه لا يتصرف دائمًا وفق قواعد الجيش النظامي؛ إذ يجمع بين العمل العسكري المباشر، وحرب الوكلاء، والعمليات السرية، والإنكار، واستهداف الملاحة والمنشآت المدنية.
فالعمل العسكري النظامي يستخدم القوة لتحقيق هدف عسكري معلن، ضمن قيادة واضحة ومسؤولية وقواعد اشتباك. أما الإرهاب فيستخدم الخوف واستهداف المدنيين والمصالح غير العسكرية لإكراه الدول والمجتمعات.
وقد سمح النظام الإيراني للحرس بهذا الدور المزدوج؛ فجعله جيشًا داخل الدولة، وشبكةً مسلحة خارجها، ومنحه المال والسلاح والغطاء السياسي. كما أسهم ضعف الدول التي زرع فيها وكلاءه، وتردد المجتمع الدولي في محاسبة طهران، والتعامل مع كل ميليشيا كأنها منفصلة عنها، في توسيع نفوذه.
لم يمنحه العالم شرعيةً صريحة، لكنه منحه مساحةً واسعة حين فصل بين جرائم الوكلاء ومسؤولية من أنشأهم وسلّحهم ووجّههم.
ولهذا فالسؤال الأدق ليس: هل الحرس الثوري جيش أم عصابة؟ بل:
كيف تتمتع مؤسسة بصفة الجيش، ثم تستخدم عند الحاجة أساليب العصابات والتنظيمات الإرهابية؟
ويستخدم الحرس الثوري أساليب العصابات والتنظيمات الإرهابية لأنه يريد قوة الدولة حين يهاجم، وحصانة العصابة حين يُحاسَب.
حين تصبح المظلة سقفًا
تعتمد بنية الأمن الإقليمي منذ عقود على الشراكة مع الولايات المتحدة.
وفرت هذه الشراكة ردعًا وتسليحًا وتبادلًا استخباراتيًا وحماية للممرات، لكنها صنعت أيضًا درجة عالية من الارتباط بين القرار المحلي والحسابات الأميركية.
فالأسلحة مترابطة.
ومنظومات الدفاع متكاملة.
والمعلومات موزعة بين الحلفاء.
والعمليات الكبرى تحتاج إلى تنسيق سياسي وعسكري.
هذه المنظومة تمنح الدول قوة إضافية، لكنها قد تبطئ استقلال قرارها في اللحظات الحاسمة.
وهنا تبرز فرضية تستحق التفكير:
هل تحولت المظلة الأمنية، في بعض اللحظات، من حماية إلى سقف؟
وهل أصبحت دول المنطقة قادرة على الرد عسكريًا، لكنها مطالبة بأن تنتظر توافقًا على توقيته ومداه ونهايته؟
ليس معنى ذلك أن الولايات المتحدة تمنع حلفاءها من الدفاع عن أنفسهم، ولا توجد معلومات معلنة تثبت وجود قرار أميركي بتكبيلهم.
لكن اختلاف الأهداف كافٍ لإنتاج القيد.
الدولة المتضررة تريد إنهاء التهديد.
واشنطن قد تريد إدارته.
الدولة المجاورة تريد حسمًا يحمي منشآتها لعقود.
والقوة الدولية قد تفضل ضغطًا متدرجًا يبقي باب التفاوض مفتوحًا.
وعندما تختلف الغايات، تصبح القوة المشتركة بطيئة مهما كانت ضخمة.
هل تريد واشنطن الحسم؟
هناك عدة فرضيات، ولا يمكن الجزم بأي منها من خارج غرف القرار.
الفرضية الأولى أن واشنطن تخشى أن يكون اليوم التالي لسقوط النظام أخطر من النظام نفسه.
والثانية أنها تريد استنزاف الحرس الثوري وتقليص قدراته تدريجيًا، مع تجنب احتلال أو حرب برية طويلة.
والثالثة أنها تستخدم الضغط العسكري لإجبار طهران على قبول تسوية في الملفين النووي والبحري.
والرابعة أنها تريد نقل جزء أكبر من كلفة حماية الممرات إلى الدول التي تعتمد عليها تجاريًا، بدل أن تبقى الولايات المتحدة الحارس الوحيد.
والخامسة، وهي الأكثر حساسية، أن بعض القوى الدولية لا تريد للمنطقة أن تنهار، لكنها لا تريدها أيضًا مستقلة تمامًا عن المظلة الأمنية الغربية.
فالخطر المستمر يبيع السلاح.
ويرفع الحاجة إلى القواعد.
ويجعل التحالف ضرورة دائمة.
ويمنح القوة الحامية نفوذًا في قرارات الحرب والسلام.
هذه ليست حقيقة مثبتة، لكنها فرضية سياسية لا ينبغي استبعادها لمجرد أنها موجعة.
التعاون بين الدول طبيعي وضروري حين تحكمه المصالح المشتركة والاحترام المتبادل؛ فهو يضاعف القوة ويحقق الاستقرار.
أما حين يتحول إلى استغلال أو تبعية، فإنه يهدم الثقة، ويجعل التحالف عبئًا مؤقتًا تنتظره عاقبة وخيمة.
لماذا لا تتحرك الدول منفردة؟
لأن الرد المنفرد قد يحول الدولة المستهدفة إلى طرف يتحمل وحده كلفة حماية مصلحة دولية.
حرية الملاحة في هرمز وباب المندب لا تخص السعودية أو دول الخليج وحدها.
تمر عبر الممرين طاقة تستهلكها آسيا، وبضائع تصل إلى أوروبا، وسفن تملكها شركات دولية، وشحنات تؤثر في أسعار الغذاء والصناعة حول العالم.
فلماذا تتحمل دولة واحدة دماء جنودها، وكلفة عملياتها، ومخاطر الرد عليها، ثم تصل المنافع إلى الجميع؟
من هنا يصبح تشكيل التحالف الدولي محاولةً لتصحيح خلل قديم:
العالم يريد الممر مفتوحًا، لكنه يفضّل أن يدفع غيره كلفة فتحه.
وبينما تتفاوض الدول حول تقاسم المسؤولية، يتحرك المعتدي بسرعة؛ لأنه لا يحتاج إلى تحالف دولي كي يطلق صاروخًا.
هذه إحدى نقاط ضعف التحالفات الواسعة: الجميع يريد حرية الملاحة، لكن بعض الدول تفضّل الاستفادة من الحماية من دون تحمّل كلفتها، أو ترى أن بقاء النظام الإيراني المألوف أقل خطرًا من مجهول ما بعده. وهذا يفسر موقف الصين؛ فهو ليس ضعفًا في التفكير الاستراتيجي بقدر ما هو انحياز إلى الاستقرار الذي يحمي تجارتها، ولو أبقى أصل الأزمة قائمًا.
والحل هو تحالف ملزم لا تضامني فقط: قيادة مشتركة، وتقاسم معلن للكلفة والمسؤوليات، وقواعد رد موحدة، وربط الانتفاع بالممر بالمشاركة في حمايته؛ فمن يستفيد من أمن الطريق، يشارك في ثمنه.
القواعد تكبّل من يحترمها
هناك ظلم بنيوي في الحروب غير المتكافئة.
الدولة ملزمة بالقانون الدولي.
وبقواعد الاشتباك.
وبحماية المدنيين.
وبتقديم الأدلة.
وبحساب ردود الفعل السياسية.
أما الميليشيا، فتتحرك خارج معظم هذه القيود، ثم تستخدم التزام الدولة ضدها.
وكلما ارتفعت أخلاقية الدولة، ارتفعت القيود على ردها.
وكلما انخفضت مسؤولية الجماعة، اتسعت مساحة عدوانها.
لا يعني ذلك أن تتخلى الدول عن القانون؛ لأن سقوطها إلى مستوى الميليشيا هزيمة أخرى.
لكن القانون الذي لا يحمي الملتزم به، ولا يعاقب من ينتهكه، يتحول من قاعدة للعدالة إلى ميزة عملياتية للمعتدي.
الأخطر من الرسوم
الخطر ليس في المبلغ الذي قد تدفعه السفينة.
الخطر في الجهة التي ستدفعه إليها.
فالدفع، ولو تحت الإكراه، يمنح الجهة المحصّلة ثلاثة مكاسب:
المال.
والاعتراف العملي بسلطتها.
والقدرة على اختيار من يمر ومن يُمنع.
وإذا استطاعت جماعة مسلحة فرض رسوم على باب المندب، فلن تبقى جماعة تهاجم الملاحة، بل ستبدأ في التصرف كسلطة بحرية غير شرعية.
وإذا استطاعت إيران تثبيت حقها المنفرد في إدارة هرمز، فلن تكون قد نجت من الحرب فقط، بل ستخرج منها بمكسب لم تكن تملكه قبلها.
وهذه نتيجة شديدة الخطورة:
أن تبدأ الحرب لمعاقبة إيران، ثم تنتهي بمنحها سلطة أكبر على المضيق.
اللوحة الفسيفسائية
حين نجمع القطع، تظهر صورة مختلفة عن التحليل اليومي المتناثر:
إيران لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، لكنها تستطيع رفع كلفة بقائها في الحرب.
الحوثي لا يستطيع مواجهة السعودية كدولة، لكنه يستطيع تهديد سفنها واستنزاف أمن البحر الأحمر.
دول المنطقة تستطيع تدمير قدرات كثيرة للخصوم، لكنها لا تستطيع ضمان أن يؤدي التدمير وحده إلى استقرار دائم.
والولايات المتحدة تستطيع قصف إيران، لكنها لم تثبت حتى الآن قدرتها على تحويل القصف إلى نهاية سياسية واضحة.
أما العالم، فيدين تهديد الملاحة، لكنه لا يبدي الحماسة نفسها للمشاركة في كلفة حمايتها.
ليست المشكلة إذن أن الأقوى أصبح ضعيفًا.
المشكلة أن الأضعف تعلم كيف يستخدم قيود الأقوى ضده.
السؤال الحقيقي
ليس السؤال:
لماذا لا ترد دول المنطقة؟
فهي ترد، وتدافع، وتعترض الصواريخ، وتضرب مصادر التهديد، وتبني التحالفات.
السؤال الأدق:
لماذا لم يصل الرد حتى الآن إلى مستوى يجعل إيران والحوثي يعتقدان أن استمرار العدوان أعلى كلفة من التراجع عنه؟
ومن وضع الحد الفاصل بين الرد المسموح والحسم الممنوع؟
وهل تأخير الحسم جزء من استراتيجية مدروسة، أم نتيجة تضارب في المصالح، أم خوف من اليوم التالي؟
قراءة BETH
المنطقة لا تعاني فراغًا في القوة.
إنها تعاني فجوةً بين القوة والقرار.
المعتدي محدود القدرة، لكنه طليق الحركة.
والدولة قوية، لكنها محاطة بالمسؤوليات والتحالفات والقوانين وحسابات المستقبل.
لهذا قد يبدو الضعيف أكثر جرأة، ويبدو القوي أكثر ترددًا.
لكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر طويلًا؛ لأن الردع لا يُقاس بعدد الغارات، بل بما يتغير في سلوك الخصم بعدها.
إذا استمرت إيران في فرض مسارات المرور، واستمر الحوثي في الانتقال من مهاجمة السفن إلى التفكير في جبايتها، فإن كثرة الضربات لن تكون وحدها دليل نجاح.
الدليل هو أن تعود السفينة إلى البحر من دون إذن من ميليشيا، ومن دون دفع لمعتدٍ، ومن دون انتظار مرافقة عسكرية كي تمارس حقًا كفله القانون.
قيل لفرعون: من فرعنك؟
قال: لم أجد من يردّني.
لكن الرد لا يكون دائمًا بصاروخ أكبر.
يكون أيضًا بإرادة واضحة، وتحالف يعرف هدفه، وقانون يملك قوة تنفيذه، وحدّ معلن للصبر يدرك المعتدي أن تجاوزه سيغير قواعد المواجهة.
فالطرف الذي لا يعرف أين ينتهي صبر خصمه، سيظل يختبره.
والدولة التي لا ترسم للمعتدي نهايةً لصبرها، قد تحوّل صبرها من حكمة تحميها إلى مساحة يتحرك داخلها عدوها.
دول المنطقة قادرة.
لكن السؤال الذي سيحدد مستقبلها ليس: كم تملك من السلاح؟
بل:
من يملك قرار إطلاق القوة، ومتى يتحول الرد من إدارة العدوان إلى إنهائه؟
سُنّة التغيير
يقول الله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
فالإنسان مسيَّر فيما يخرج عن إرادته، لكنه مخيَّر ومسؤول فيما يملك القدرة على تغييره. وكذلك الدول؛ لا تختار جغرافيتها ولا جميع الظروف المحيطة بها، لكنها تختار كيف تدير قوتها، وتبني علاقاتها، وتواجه أخطارها، وتحمي شعوبها.
وقد يُمهل المعتدي، لكن الإمهال ليس رضا ولا انتصارًا، يقول تعالى:
{إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا}.
كما أن القوة ليست حقًا أبديًا ولا ضمانًا للبقاء، يقول تعالى:
{وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.
وفي التاريخ دول وإمبراطوريات سادت، ثم زالت حين أساءت إدارة قوتها، واستنزفت مجتمعاتها، وتجاوزت حدود قدرتها، وعجزت عن التكيف مع عالم يتغير. لم تسقط دائمًا لأنها كانت الأضعف، بل لأنها أخفقت في تغيير نفسها قبل أن تتغير الموازين من حولها.
فالدول لا يحميها ما تملكه من القوة وحده، بل قدرتها على مراجعة نفسها، وإصلاح قرارها، ومعرفة ما تستطيع تغييره. ومن يعجز عن قيادة التحول بإرادته، قد يأتيه التحول على صورة زوال لا يملك منعه.