عيون BETH في عواصم القرار
العالم بين النفط والرقائق
الصين تربك أسواق التقنية، والفائدة الأميركية تضغط على العملات، والهند تدفع ثمن الطاقة، بينما تراقب الصحافة العالمية قدرة السعودية على حماية صادراتها بين هرمز وباب المندب
العدد الخامس | 28 يوليو 2026
العواصم | بث
لم تعد الأسواق تتحرك وفق ما تنتجه الشركات وحدها.
فخبر عن تقدم الصين في صناعة الرقائق يستطيع محو مليارات الدولارات من قيمة شركات في كوريا واليابان وأوروبا.
وتوقف مؤقت للضربات على إيران يخفض النفط، ويقوي عملات الدول المستوردة، ويغير توقعات الفائدة في واشنطن.
أما السعودية، فتظهر في الصحافة العالمية بوصفها الدولة التي تملك الطاقة، لكنها تواجه اختبارًا أكثر تعقيدًا:
كيف تحافظ على وصولها إلى العالم عندما يتهدد الطريق الشرقي والبديل الغربي في وقت واحد؟
واشنطن | عاصمتان تزوران ترامب
يستقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اليوم الثلاثاء، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في اجتماعين منفصلين يضعان حربَي أوكرانيا وإيران داخل البيت الأبيض في اليوم نفسه.
يسعى زيلينسكي إلى تسريع الحصول على أنظمة الدفاع الجوي، ودفع التعاون في صناعة المسيّرات، وضمان استمرار الدعم الأميركي، فيما يبحث مجلس الشيوخ مشروع عقوبات جديدة على روسيا.
أما نتنياهو، فيحمل ملف إيران، محاولًا إقناع ترامب بأن تعليق الغارات قد يمنح طهران وقتًا لإعادة بناء قدراتها، بينما يريد الرئيس الأميركي اختبار المفاوضات قبل اتخاذ قرار باستئناف الضربات.
وتكشف الزيارتان أن الولايات المتحدة لا تواجه نقصًا في الخيارات العسكرية فقط، بل ضغطًا على القدرة على توزيع السلاح والمال والاهتمام السياسي بين جبهات متعددة.
فالذخائر التي تُرسل إلى أوكرانيا لا تبقى متاحة بالكامل للشرق الأوسط.
والدفاعات التي تحمي القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن من الصواريخ والمسيّرات لا يمكن إنتاجها بالسرعة نفسها التي تُستهلك بها.
وهكذا يتحول قرار دعم حليف إلى حساب يتعلق بما قد يحتاج إليه الحليف الآخر.
الاحتياطي الفيدرالي | خفض يريده ترامب ورفع تخشاه الأسواق
ارتفع الدولار إلى أعلى مستوى له منذ شهر، بينما زادت احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نحو 38%، مقارنة بـ16% قبل أسبوع.
وتراجعت مخاوف التضخم قليلًا مع انخفاض النفط، لكنها لم تختفِ؛ إذ ما تزال الأسواق تواجه ضغوط الرسوم الجمركية والطاقة والغذاء والاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، يطالب ترامب بخفض الفائدة، معتبرًا أن الولايات المتحدة ينبغي أن تتمتع بأقل كلفة اقتراض في العالم.
لكن البنك المركزي يواجه معادلة مختلفة:
خفض الفائدة قد يدعم النمو والأسواق، لكنه قد يعيد تنشيط التضخم.
ورفعها قد يحمي الدولار ويكبح الأسعار، لكنه يزيد كلفة القروض ويضغط على الشركات والدول المرتبطة عملاتها بالعملة الأميركية.
ولهذا لن يبقى القرار داخل الولايات المتحدة؛ فأي رفع أميركي سينتقل سريعًا إلى أسواق الخليج، وكلفة التمويل، وحركة رؤوس الأموال العالمية.
بكين | الصين تقلب سوق الرقائق
قفز سهم شركة «CXMT» الصينية لصناعة رقائق الذاكرة بنسبة 466% في أول أيام تداوله في شنغهاي، بعد أكبر طرح عام لشركة أشباه موصلات صينية.
وجمعت الشركة نحو 8.6 مليارات دولار، ووصلت قيمتها السوقية في نهاية الجلسة إلى قرابة 488 مليار دولار، لتصبح أكبر شركة مدرجة في الصين من حيث القيمة.
ولا تعكس القفزة أداء الشركة وحدها، بل الرهان الصيني على بناء صناعة رقائق مستقلة في مواجهة قيود التصدير الأميركية.
كما جمعت شركة «Zhongji Innolight»، المتخصصة في المكونات الضوئية المستخدمة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، نحو 6.8 مليارات دولار من إدراجها في هونغ كونغ، في ثاني أكبر طرح آسيوي خلال 2026.
بكين لا تكتفي بتمويل المصانع من الموازنة الحكومية.
إنها تحول سوق الأسهم إلى أداة لتعبئة المدخرات المحلية والعالمية خلف مشروع الاستقلال التقني.
سيول وطوكيو | الصين تمحو مكاسب المنافسين
أدى الصعود الصيني والمخاوف من كلفة تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي إلى موجة بيع حادة في أسهم التقنية الآسيوية.
وتراجع مؤشر كوريا الجنوبية بنحو 10%، ما أدى إلى تفعيل آلية الإيقاف المؤقت للتداول، بينما هبط المؤشر الياباني بنحو 4%.
وانخفضت أسهم «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» بأكثر من 13%، مع تزايد المخاوف من تقدم الصين في رقائق الذاكرة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات.
كما تراجعت أسهم شركات أوروبية تعمل في معدات صناعة الرقائق، بعدما ظهرت مؤشرات على تطوير الصين بدائل محلية لتقنيات كانت تحتكرها شركات غربية.
المفارقة أن طفرة الذكاء الاصطناعي التي رفعت أسهم الرقائق أصبحت مصدر الخوف نفسه.
فالسوق بدأ يسأل:
هل تستطيع مراكز البيانات تحقيق عوائد تبرر مئات المليارات التي تُنفق عليها؟
وهل يؤدي الإنتاج الصيني الأرخص إلى تحويل النقص الحالي في الرقائق إلى فائض يضغط على الأسعار والأرباح؟
الصين لم تتفوق تقنيًا على جميع منافسيها بعد، لكنها نجحت في تغيير توقعاتهم، والسوق يتحرك أحيانًا بالخوف من المستقبل قبل وصوله.
نيودلهي | النفط يبطئ الهند
يتوقع اقتصاديون تراجع نمو الاقتصاد الهندي من 7.7% في السنة المالية الماضية إلى نحو 6.6% خلال السنة المنتهية في مارس 2027.
ويرتبط التباطؤ بضعف الاستثمار الخاص وارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة الحرب، إذ تستورد الهند نحو 80% من احتياجاتها النفطية.
وساعد انخفاض النفط خلال الأيام الأخيرة الروبية على استعادة جزء من خسائرها، لكنها ما تزال منخفضة بنحو 6.5% منذ بداية العام، ما دفع البنك المركزي إلى التدخل لدعمها.
وتكشف الهند كيف ينتقل اضطراب الشرق الأوسط إلى اقتصاد بعيد:
ارتفاع النفط يضعف العملة.
وضعف العملة يرفع كلفة الواردات.
وارتفاع الواردات يضغط على التضخم.
ثم يصبح البنك المركزي أكثر حذرًا في خفض الفائدة، بينما يحتاج الاقتصاد إلى تمويل أرخص لدعم الاستثمار والوظائف.
ولهذا لا تنظر نيودلهي إلى التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها خبرًا سياسيًا فقط، بل بوصفها سياسة اقتصادية تؤثر مباشرة في نموها.
بروكسل | أوروبا تحمي المصنع والمتجر
تتصاعد داخل أوروبا المطالب بتشديد أدوات الحماية التجارية في مواجهة المنتجات الصينية.
وطالبت صناعة الآلات الإيطالية الاتحاد الأوروبي بإجراءات أقوى، بعدما ارتفعت حصة الصين من صادرات آلات تشغيل المعادن عالميًا من 8% عام 2016 إلى 23% في 2025، بينما تراجعت الحصة الأوروبية.
وفي التجارة الإلكترونية، يواجه الاتحاد اعتراضات بسبب الرسوم الجديدة المفروضة على الطرود منخفضة القيمة، بعد ظهور تكاليف إضافية لا يعرفها المستهلك إلا عند الدفع أو تسلم الطلب.
وتكشف القضيتان اتجاهًا أوروبيًا واحدًا:
حماية المصنع من الواردات الصناعية المدعومة.
وحماية المتجر المحلي من الطرود الرخيصة القادمة مباشرة إلى المستهلك.
لكن الحماية تحمل كلفة؛ إذ قد ترفع الأسعار، وتزيد التعقيد الجمركي، وتدفع الشركات الصينية إلى إنشاء مستودعات ومصانع داخل أوروبا لتجاوز الحواجز.
ولهذا لم تعد التجارة الحرة في أوروبا تعني فتح السوق للجميع بالشروط نفسها، بل فتحها لمن يستطيع إثبات أن سلسلة إنتاجه وتمويله تتوافق مع القواعد الأوروبية.
السعودية في الصحافة العالمية
النفط ينخفض والخطر لا يختفي
تراجع خام برنت إلى نحو 86 دولارًا للبرميل، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من أسبوع، بعدما عزز توقف الضربات الأميركية الآمال في التوصل إلى تفاهم مع إيران.
وتنظر الأسواق بإيجابية إلى المحادثات المتعلقة بمضيق هرمز، لكنها لا تتجاهل انتقال الخطر إلى البحر الأحمر واستهداف منشآت ومسارات النفط السعودية.
وهنا تظهر مفارقة السوق:
تنخفض الأسعار لأن الطائرات الأميركية توقفت عن القصف.
لكن الناقلات والموانئ وخطوط الأنابيب ما تزال تعمل داخل بيئة أمنية مضطربة.
وهذا يعني أن السوق يسعّر احتمال التهدئة أسرع من قدرته على إزالة الخطر الحقيقي.
المملكة مركز الإختبار
تركز الصحافة الآسيوية على هشاشة إمدادات الطاقة بعد اضطراب مضيق هرمز وامتداد التهديد إلى باب المندب والبحر الأحمر.
وكان خط أنابيب الشرق–الغرب وميناء ينبع يمثلان البديل السعودي لعبور هرمز، لكن الهجمات الحوثية والتهديدات للسفن وضعت الطريق البديل تحت الضغط.
وبالنسبة إلى اليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند والفلبين، لا يتعلق الأمر بالسعودية وحدها؛ فهذه الاقتصادات تعتمد بدرجات كبيرة على نفط الشرق الأوسط، وأي زيادة في مدة الرحلات والتأمين والشحن تصل سريعًا إلى المصانع والمستهلكين.
وهكذا أصبحت السعودية في التغطية الآسيوية ليست مجرد مورد للنفط، بل مركزًا لاختبار قدرة منظومة الطاقة العالمية على العمل عندما يتعرض ممران استراتيجيان للخطر في الوقت نفسه.
الأسواق السعودية تنتظر واشنطن
تراجع المؤشر السعودي بنسبة محدودة، متأثرًا بانخفاض أسهم أرامكو ومعادن، وسط ترقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي والمفاوضات مع إيران.
ولا تتحرك السوق السعودية هنا تحت تأثير عامل محلي واحد.
فانخفاض النفط قد يقلل إيرادات شركات الطاقة، لكنه يخفض أيضًا الضغوط التضخمية العالمية.
ورفع الفائدة الأميركية قد ينتقل إلى كلفة التمويل في المملكة نتيجة ارتباط الريال بالدولار.
أما نجاح المفاوضات، فيخفض المخاطر الأمنية والتأمين والشحن، لكنه قد يدفع أسعار النفط إلى مزيد من التراجع.
وهذه معادلة تكشف أن الخبر الجيد أمنيًا ليس بالضرورة إيجابيًا لكل سهم، وأن ارتفاع النفط ليس مكسبًا كاملًا إذا جاء نتيجة تهديد المنشآت والممرات.
الرقائق | فرصة سعودية وتحذير
الاضطراب الكبير في أسهم التقنية يحمل رسالة للسعودية، التي توسع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وأشباه الموصلات.
فالطلب العالمي على الحوسبة والرقائق ما يزال ضخمًا، لكن الأسواق بدأت تميز بين مشروعات تملك نموذجًا اقتصاديًا واضحًا، ومشروعات تعتمد على استمرار التقييمات المرتفعة والتمويل الرخيص.
وتفتح المنافسة الصينية فرصًا أمام المملكة لجذب الشركات التي تبحث عن قواعد تصنيع وتمويل وأسواق جديدة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
لكنها تتطلب أيضًا ألّا تتحول الاستثمارات السعودية إلى تمويل للسباق فقط.
القيمة الأكبر ستكون في نقل المعرفة، وبناء الكفاءات، وتوطين أجزاء من سلسلة الإمداد، وامتلاك تطبيقات تحقق عائدًا من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
فمن يشتري الرقائق يشارك في الطفرة.
أما من يبني المعرفة والمنتج والسوق حولها، فيمتلك جزءًا من مستقبلها.
قراءة BETH | قوة الطريق
تبدو أخبار اليوم موزعة بين اجتماعات البيت الأبيض، وفائدة الدولار، ورقائق الصين، وأسهم كوريا، ونمو الهند، وتجارة أوروبا، ونفط السعودية.
لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة:
القوة الاقتصادية لا تبدأ عند المنتج النهائي.
إنها تبدأ من المادة والتقنية والتمويل والطريق.
الصين لا تريد شراء الرقائق إلى الأبد، ولذلك تبني شركاتها وتمولها من أسواقها.
أوروبا لا تريد أن تخسر مصانعها، ولذلك تعيد بناء حدودها التجارية.
والهند لا تستطيع حماية نموها إذا بقيت فاتورة النفط تكتب سياستها النقدية.
أما السعودية، فلا يكفيها امتلاك النفط أو القدرة على إنتاجه؛ بل حماية الطريق، وتنويع الموانئ والمسارات، وبناء صناعات لا يتوقف دخلها عند برميل يعبر مضيقًا.
وفي عالم تستطيع فيه شائعة تقنية إسقاط سوق، وليلة بلا قصف خفض النفط، ومسيّرة واحدة رفع كلفة التأمين، لن تكون الدولة الأقوى هي التي تملك أكبر مورد فقط.
بل التي تستطيع إنتاجه وتمويله وحمايته وإيصاله، ثم الاستمرار عندما يتعطل أحد الطرق.