كيف يفكر النظام الإيراني؟

news image

 

بحث في عقل القيادة الدينية والحرس الثوري، وكيف تتحول العقيدة والذاكرة والإعلام والخوف إلى قرار وحرب ومجتمع

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

 

مقدمة

لا يستطيع أي بحث علمي الدخول إلى عقل نظام سياسي وقراءة ما يدور داخله مباشرة.

لكن يمكن الاقتراب من طريقة تفكيره عبر أربعة مصادر:

النصوص التي أسست النظام.

والبنية التي تصنع القرار.

والخطاب الذي يكرره القادة والإعلام.

والسلوك الذي يظهر في الحروب والأزمات والمفاوضات.

ومن الضروري منذ البداية التمييز بين ثلاث دوائر لا يجوز جمعها تحت عنوان واحد:

القيادة الدينية الحاكمة.

والحرس الثوري بوصفه ذراعها العسكرية والأمنية والأيديولوجية.

والشعب الإيراني، بما يحمله من اختلاف بين المؤمن بالنظام، والمتأثر بخطابه، والمستفيد منه، والخاضع له، والخائف من معارضته.

فلا توجد «عقلية إيرانية» واحدة، ولا يجوز أن يتحمل الشعب كله طريقة تفكير النظام أو أفعال الحرس.

لكن الخطاب الذي يتكرر أكثر من أربعة عقود عبر المدرسة والمنبر والإذاعة والتلفزيون والمؤسسة العسكرية والمناسبات العامة لا يمكن أن يمر دون أن يترك أثرًا في جزء من المجتمع.

لهذا لا يقتصر السؤال على:

كيف يفكر الحرس الثوري؟

بل يمتد إلى أسئلة أعمق:

كيف صنعت ولاية الفقيه عقل النظام؟

وكيف أعيد تفسير الدين والتاريخ لخدمة السلطة؟

وكيف ينظر الحرس إلى العالم وعقول خصومه؟

وهل يستخدم العقيدة، أم تؤثر فيه فعلًا؟

ومتى يتحول الإيمان إلى خرافة سياسية؟

وكم من الشعب يؤمن بالخطاب، وكم منه يتظاهر بالإيمان خوفًا؟

هندسة النظام

الحرس يحمي الثورة

تملك إيران رئيسًا وحكومة وبرلمانًا وانتخابات ومؤسسات مدنية، لكن مركز السلطة الأعلى يقع خارجها جميعًا.

فالمرشد الأعلى يرسم السياسات العامة، ويتولى القيادة العليا للقوات المسلحة، ويملك سلطة إعلان الحرب والسلام، ويعين قائد الحرس الثوري وكبار القادة العسكريين ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون.

أما الحرس الثوري، فلا يعرفه الدستور بوصفه جيشًا يحمي الحدود فقط، بل مؤسسة تعمل على «حراسة الثورة ومنجزاتها». الدستور الإيراني

تقدم مقدمة الدستور الإيراني النظام بوصفه مشروعًا إسلاميًا عادلًا يسعى إلى بناء الإنسان ونصرة المستضعفين، لكنها تنتقل لاحقًا من بناء الدولة إلى تكليفها بمواصلة الثورة داخل إيران وخارجها، ومنح الحرس الثوري مهمة حراستها وتوسيع أثرها.

وهنا يظهر التناقض بين خطاب أخلاقي يعد بالعدل، وبنية ثورية تجعل العقيدة أداة للتدخل والتمدد. ومن هذا الانفصال بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية نشأ جانب كبير من ازدواجية الحرس وإدارة النظام.

وهذا يصنع فارقًا جوهريًا.

فالجيش التقليدي يحمي الدولة بصرف النظر عمن يحكمها.

أما الحرس، فيحمي الدولة كما عرّفتها الثورة، والنظام الذي يمثلها، والعقيدة السياسية التي تمنحه شرعيته.

وبذلك يضعف الفصل بين الوطن والنظام والدين.

ويتحول تهديد النظام إلى تهديد للثورة، ثم إلى تهديد للدولة، وقد يُقدم في النهاية بوصفه تهديدًا للإسلام ذاته.

وعندما تندمج هذه المعاني، لا يعود المعارض السياسي منافسًا في إدارة البلاد، بل قد يصبح عدوًا للدولة والعقيدة والتاريخ.

ثورة لا يُسمح لها بأن تنتهي

تتعامل الدول عادة مع الثورة بوصفها لحظة تأسيس، تنتهي بعدها مرحلة الهدم وتبدأ الدولة في بناء مؤسسات مستقرة.

لكن الجمهورية الإيرانية بنظامها الحالي أبقت الثورة حالة مستمرة.

فالنظام لا يقدم نفسه بوصفه دولة تأسست عام 1979 وانتهت مهمتها الثورية، بل مشروعًا ما زال يواجه «الاستكبار» و«الفتنة» و«الاختراق» و«الحرب الخفية» والمؤامرات الخارجية.

ويمنح استمرار الثورة الحرس وظيفة دائمة.

فإذا انتهت الأخطار، وتصالح المجتمع مع العالم، واستقرت علاقات إيران بمحيطها، سيظهر سؤال داخلي حساس:

ما الحاجة إلى مؤسسة عسكرية وأمنية واقتصادية واسعة، مهمتها الأصلية حماية الثورة من أعدائها؟

لا يعني ذلك أن الحرس يصنع كل أزمة عمدًا.

لكنه يعني أن البيئة المتوترة تعزز مكانته، وتوسع موارده، وتبرر سلطاته، وتجعل الاعتراض عليه أقرب إلى اعتراض على أمن البلاد.

وهنا تتداخل العقيدة بالمصلحة المؤسسية.

فالحرس قد يؤمن فعلًا بأن الثورة مستهدفة، لكنه يستفيد أيضًا من استمرار التهديد.

وفي المؤسسات الأيديولوجية، لا يكون الإيمان والمصلحة متناقضين دائمًا؛ فقد يحمي كل منهما الآخر.

من يصنع القرار؟

لا تُدار إيران بقرار فرد واحد في كل التفاصيل، لكنها ليست دولة مؤسسات مدنية مستقلة بالمعنى التقليدي.

فالمرشد الأعلى يضع الخطوط الكبرى، ويمتلك السلطة الدستورية على القوات المسلحة.

ويضم المجلس الأعلى للأمن القومي مسؤولين حكوميين وعسكريين وممثلين للمرشد، ويؤدي دورًا أساسيًا في اعتماد القرارات الاستراتيجية.

ويمتلك الحرس تأثيرًا أكبر في الملفات العسكرية والإقليمية، بينما تملك الحكومة ووزارة الخارجية مساحة أوسع في الدبلوماسية والاقتصاد، ضمن الحدود التي يرسمها النظام. بنية صناعة القرار الأمني

ولا يطبق النظام هذا الفصل كما يبدو في النصوص؛ فالحكومة ووزارة الخارجية تديران الدبلوماسية والاقتصاد ظاهريًا، لكنهما تعملان داخل حدود يرسمها المرشد وتفرضها المؤسسات الأمنية.

ويمتلك الحرس الثوري نفوذًا يتجاوز الملفات العسكرية والإقليمية إلى السياسة والاقتصاد والتفاوض، ما يجعل السلطة الفعلية مختلفة عن توزيع الاختصاصات الرسمي: الدولة تتحدث عبر الحكومة، لكن النظام يقرر عبر المرشد والحرس.

ويمنح هذا التداخل النظام قدرة على توزيع الأدوار.

يتحدث الدبلوماسي بلغة الاتفاق.

ويهدد القائد العسكري.

وتصعّد الميليشيا.

وينفي المسؤول.

ثم تبدأ المفاوضات على النتيجة.

وقد يكون ذلك أحيانًا تقسيمًا مدروسًا للوظائف داخل استراتيجية واحدة.

وقد يعكس، في حالات أخرى، تنافسًا حقيقيًا بين مؤسسات تختلف مصالحها وتقديراتها.

والمشكلة أن العالم لا يستطيع دائمًا معرفة أي الحالتين أمامه إلا بعد ظهور النتائج.

الذاكرة التي تحكم الحاضر

لا يمكن فهم عقلية الحرس الثوري من دون العودة إلى الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، لكن الحرب لا تفسر مشروعه بوصفه رد فعل دفاعيًا فقط؛ فقد حوّلها إلى رواية تأسيسية تمنح التوسع شرعيته.

استثمر الحرس ذاكرة الحصار والتضحيات لبناء عقيدة هجومية متعمدة تقوم على نقل المواجهة إلى أراضي الآخرين، وإنشاء أذرع مسلحة، واستنزاف الخصوم من دون تحمّل مسؤولية الحرب المباشرة، ثم تقديم هذا التمدد باعتباره «دفاعًا متقدمًا».

وكان العراق، بحكم موقعه وتركيبته وصلاته الدينية والاجتماعية، البوابة الأهم لنقل مشروع «تصدير الثورة» إلى بقية المنطقة، وإن لم يكن بدايته؛ فقد سبقته أذرع إيرانية في لبنان وساحات أخرى.

لكن الغزو الأمريكي عام 2003 أسقط خصم إيران الإقليمي الأقوى، وفكك مؤسسات الدولة العراقية، وخلق فراغًا ملأته طهران بالأحزاب والميليشيات والنفوذ الأمني.

وهكذا فتحت واشنطن، من دون تقدير كافٍ للعواقب، الباب الذي خطط الحرس طويلًا للعبور منه؛ فتحول العراق من حاجز أمام المشروع الإيراني إلى مركز لامتداده الإقليمي.

وهكذا لم تعد الحرب جرحًا يخشاه الحرس، بل نموذجًا يعيد إنتاجه؛ لأنها تبرر سلطته وتسليحه ونفوذه، وتسمح له بدمج بقاء النظام بأمن إيران، وتصوير كل توسع خارجي باعتباره حماية للوطن.

ودفعت تجربة الحرب العراقية الإيرانية النظام إلى بناء قدرته على الردع من خلال الصواريخ والمسيّرات والحرب غير المتكافئة والوكلاء، بدلًا من محاولة منافسة الولايات المتحدة وحلفائها بالسلاح التقليدي نفسه.

ويستخدم النظام تعبير «الدفاع المقدس» اسمًا رسميًا للحرب، لا وصفًا تاريخيًا محايدًا لها. وقد مزج في هذه التسمية بين العقيدة الدينية والرواية السياسية؛ فاستدعى رموز كربلاء والشهادة والتضحية، ثم أحاط قراراته العسكرية بمبالغات دعائية ومقولات غيبية لا يمكن التحقق منها.

وهكذا تداخلت العقيدة بالخرافة السياسية: تمنح العقيدة الصبر والتضحية معناهما الإيماني، بينما توظف الخرافة هذا الإيمان لتقديس قرارات النظام، وتحويل الخسائر إلى انتصارات معنوية، ومنع مساءلة القيادة عن كلفة الحرب ونتائجها.

ومن هذا المزج تشكل جانب أساسي من عقلية الحرس: السلاح ليس أداة عسكرية فقط، والحرب ليست صراع مصالح فحسب، بل معركة تُقدَّم بوصفها امتدادًا للتكليف الديني.

وبذلك يصبح الاعتراض على استراتيجية الحرس قابلًا للتصوير باعتباره ضعفًا في العقيدة أو خيانة لدماء «الشهداء»، لا اختلافًا مشروعًا حول أمن الدولة ومستقبل شعبها.

العالم كما يراه النظام

ينظر النظام والحرس إلى العالم من خلال دوائر متداخلة من الخطر.

فالولايات المتحدة، في تصورهما، لا تسعى إلى تغيير سلوك إيران فقط، بل إلى إسقاط النظام.

وإسرائيل ليست خصمًا سياسيًا قابلًا للتسوية، بل تهديدًا دائمًا للمشروع الإيراني.

وبعض الدول قد تتعاون مع طهران اليوم، لكنها معرضة للتأثير الأميركي غدًا.

والإعلام المفتوح ليس فضاءً طبيعيًا للتواصل، بل منفذ محتمل لـ«الحرب الناعمة».

والاحتجاج الداخلي لا يُقرأ دائمًا بوصفه نتيجة البطالة أو التضخم أو القمع، بل قد يعاد تفسيره جزءًا من مشروع خارجي.

وليس كل ذلك خيالًا.

فقد تعرضت إيران فعلًا لحرب وعقوبات وتهديدات وعمليات سرية ومحاولات عزل.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول وجود مؤامرات حقيقية إلى اعتقاد بأن كل حدث مؤامرة، وكل معارض أداة، وكل فشل نتيجة عدو خارجي.

فالعقل الأمني لا يخطئ لأنه يرى مؤامرة لا وجود لها دائمًا، بل لأنه يجعل المؤامرة تفسيره الأول قبل اختبار التفسيرات الأخرى.

عقل الحرس الثوري

عقلانية الوسيلة وعقائدية الغاية

وصف الحرس بأنه قوة مجنونة أو غير عقلانية تحركها العقيدة وحدها وصف غير علمي.

فالوقائع تظهر قدرته على الانتظار، والمناورة، وتغيير التكتيك، واستخدام الوسطاء، والتراجع عند الضرورة، وقبول الهدن والاتفاقات المؤقتة.

كما يستطيع التصعيد في جبهة والتهدئة في أخرى، واستخدام الدبلوماسي والميليشيا والإعلام داخل الأزمة نفسها.

وتصف دراسات الثقافة الاستراتيجية الإيرانية قيادة النظام بأنها أيديولوجية في أهدافها، لكنها براغماتية في اختيار الوسائل، وبارعة تكتيكيًا في استغلال الفرص. الثقافة الاستراتيجية الإيرانية

فالأيديولوجيا تحدد الغاية: حماية النظام وتوسيع نفوذ الثورة.

والبراغماتية تتيح التفاوض أو التراجع أو التعاون المؤقت مع الخصوم إذا خدم ذلك الغاية.

أما التكتيك، فيتمثل في تغيير الأدوات والتوقيت والساحات من دون التخلي عن الهدف.

وبذلك قد يساوم النظام اليوم على خطوة، ثم يعود إليها غدًا بأسلوب مختلف؛ فهو يراوغ في الطريق، لكنه أكثر ثباتًا في الوجهة.

ولهذا ينبغي للطرف المقابل ألّا يفسر التنازل التكتيكي بوصفه تحولًا استراتيجيًا، وأن يبني موقفه على السلوك القابل للقياس، لا على التصريحات، ويربط أي اتفاق بآليات تنفيذ ورقابة وكلفة واضحة للانتهاك.

فمواجهة المراوغة لا تكون برفض التفاوض، بل بمنع التفاوض من أن يتحول إلى وقت مجاني لإعادة بناء القوة.

وبمعنى أدق:

الحرس عقلاني في اختيار الوسيلة، لكنه عقائدي في تحديد الغاية.

يعرف كيف يناور، لكنه يناور داخل خريطة فكرية شبه ثابتة.

وقد يعدل التوقيت والأداة، لكنه يصعب عليه مراجعة الفكرة المؤسسة التي تقول إن الصراع مع خصوم الثورة طويل، وإن التنازل العقائدي يهدد شرعية النظام نفسه.

وهذا أكثر تعقيدًا من السلوك غير العقلاني.

فالفاعل المجنون يصعب توقعه.

أما الحرس، فيمكن فهم كثير من قراراته إذا عُرفت غاياته، ومصالحه، وما يعتبره خسارة وجودية.

كيف يرى عقل خصومه؟

لا يكتفي الحرس ببناء صورة عن نفسه، بل يبني نموذجًا ذهنيًا للطريقة التي يفكر بها خصومه.

فهو يرى أن المجتمعات الغربية شديدة الحساسية للخسائر البشرية.

وأن الحكومات الديمقراطية تفكر في الانتخابات القصيرة، بينما يستطيع النظام الإيراني الانتظار.

وأن الإعلام الغربي سيضغط لوقف الحرب عند ارتفاع الكلفة.

وأن الاقتصاد العالمي لا يحتمل اضطراب الطاقة والممرات البحرية.

وأن الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان تفوقًا عسكريًا، لكنهما تفتقران إلى الصبر الاستراتيجي.

وأن الدول العربية ستفضل الاستقرار على المواجهة، ويمكن الضغط عليها دون دفعها إلى الحرب.

ومن هنا تتشكل معادلة يعتقدها الحرس:

لا يجب أن أهزم الخصم عسكريًا؛ يكفي أن أجعل استمرار المواجهة أعلى كلفة من انسحابه.

وهذه الفكرة تفسر استخدام الصواريخ والمسيّرات والألغام والممرات البحرية والوكلاء والضربات المحدودة.

لكن نموذج الحرس لعقل خصومه قد يقوده إلى أخطاء خطيرة.

فالحذر قد يُقرأ ضعفًا.

وضبط الرد قد يُفسر عجزًا.

والوساطة قد تُفهم خوفًا من المواجهة.

والانقسام داخل الديمقراطيات قد يُقرأ انهيارًا في الإرادة.

وقد لا يدرك الحرس أن تكرار الاعتداءات يستطيع تحويل دولة تسعى إلى التهدئة إلى دولة تقود الردع، أو توحيد خصوم مختلفين ضده.

كيف يفكر في الأزمة؟

يمكن تلخيص نمط التفكير المتكرر لدى الحرس في سبع مراحل:

أولًا، تفسير الضغط بوصفه تهديدًا للنظام، لا خلافًا محدودًا حول سلوك معين.

ثانيًا، تجنب منافسة الخصم في المجال الذي يتفوق فيه.

ثالثًا، الانتقال إلى الصواريخ والمسيّرات والممرات البحرية والوكلاء.

رابعًا، توسيع جغرافيا الخطر كي لا تبقى الحرب داخل إيران.

خامسًا، تنفيذ ضربات محسوبة يعتقد أنها تبقى دون مستوى الحرب الشاملة.

سادسًا، استخدام الإعلام لتحويل الصمود إلى انتصار، حتى عند الخسارة المادية.

سابعًا، الدخول في التفاوض بعد صناعة أوراق يمكن مبادلتها بتخفيف الضغط.

هذا النموذج لا ينجح دائمًا، لكنه يفسر لماذا يصعّد الحرس ثم يتفاوض، ويهدد الممرات، ويوزع الهجمات عبر الوكلاء، ويصف التراجع التكتيكي انتصارًا استراتيجيًا.

الدين داخل المشروع السياسي

الماضي الذي أعيد تشكيله

لم يُعِد النظام إحياء معتقدات دينية كانت قد اندثرت بالكامل.

فالتشيع وذكرى كربلاء وعاشوراء وانتظار المهدي بقيت حاضرة في المجتمع الإيراني قبل الثورة وبعدها.

لكن ما فعله نظام الملالي هو انتقاء عناصر من الذاكرة الدينية، وإعادة تفسيرها سياسيًا، ثم دمجها في مشروع الدولة والحرس.

فكربلاء لم تعد في الخطاب الرسمي ذكرى دينية وأخلاقية فقط، بل نموذجًا دائمًا للصراع السياسي.

والشهادة لم تبقَ تضحية في سبيل الحق، بل أصبحت وسيلة لتعبئة المجتمع وتبرير استمرار الحرب.

وانتظار المهدي لم يبقَ اعتقادًا إيمانيًا فحسب، بل جرى ربط بعض رموزه بطاعة المرشد وبقاء المشروع الثوري.

والخلاف على إدارة الدولة قد يتحول إلى مواجهة بين «جبهة الحق» و«جبهة الباطل».

كما أن «ولاية الفقيه» ليست التفسير السياسي الوحيد للمذهب الشيعي، ولا سيما الاثني عشري، بل نظرية فقهية سياسية محل خلاف بين علماء الشيعة أنفسهم، ولا يصح تقديمها بوصفها ممثلة لجميع الشيعة أو نتيجة حتمية للمذهب.

لكن النظام قدّم تفسيره السياسي للمذهب بوصفه ممثلًا للإسلام ذاته، وهو خلط جوهري؛ فالإسلام أوسع من مذهب بعينه، والمذهب أوسع من اجتهاد سياسي واحد.

ثم استخدمت السلطة مؤسسات الدولة لترسيخ هذا الاجتهاد، وتحويله من رأي مختلف عليه إلى عقيدة حاكمة تُقاس بها شرعية المواقف والأشخاص.

وهكذا لم يستدعِ الماضي كما كان.

بل أعاد بناء الماضي، وانتقى منه ما يمنح النظام الحاضر شرعيته، وأقصى ما يتعارض مع روايته.

كربلاء في غرفة القرار

تحمل كربلاء في الوعي الشيعي قيمًا كبرى ترتبط بمقاومة الظلم والتضحية وعدم الخضوع، ولا يجوز تحميل هذه القيم مسؤولية سلوك نظام سياسي.

لكن الحرس اختار واقعة كربلاء، وأعاد توظيف رمزيتها في خطابه السياسي والعسكري والمجتمعي، لتقديم صراعات النظام وقراراته بوصفها امتدادًا دائمًا لمعركة الحق والباطل.

فالصراع يُقدم أحيانًا بوصفه مواجهة بين معسكر الحق ومعسكر الباطل.

والخصم يصبح امتدادًا ليزيد.

والتراجع قد يظهر خذلانًا للحسين.

والخسارة المادية لا تعني الهزيمة ما دامت «المقاومة» مستمرة.

والقتيل يتحول إلى شهيد، والشهيد إلى رمز، والرمز إلى أداة لتعبئة جيل جديد.

وتشير الدراسات إلى أن إحياء الشهادة أصبح جزءًا من الهوية العامة والتقوى المدنية التي يرعاها النظام.

ويمنح ذلك الحرس قدرة مهمة:

تحويل الألم من دليل على كلفة القرار إلى دليل على صدق القضية.

وهنا تكمن الخطورة.

ففي التفكير الاستراتيجي، يفترض أن تدفع الخسائر القائد إلى مراجعة قراره.

أما عندما تُقدس الخسارة، فقد يعاد تفسيرها سببًا لمواصلة القرار نفسه.

ومع ذلك، لا يعني تمجيد الشهادة أن قادة الحرس يريدون موت الدولة أو يتصرفون بلا خوف من الخسارة.

فالخطاب يمجد التضحية، بينما يكشف السلوك حرصًا شديدًا على بقاء النظام، وحماية القيادة، وتوزيع الكلفة على الوكلاء، وتجنب المواجهة المباشرة حين تصبح كلفتها وجودية.

وهنا تظهر المفارقة:

تُطلب الشهادة من القاعدة، بينما تُدار سلامة القيادة بحسابات واقعية دقيقة.

متى يصبح الإيمان خرافة سياسية؟

الإيمان بالغيب جزء أصيل من الدين، ولا يمكن وصفه بالخرافة لمجرد أنه لا يخضع للقياس المادي.

لكن الخرافة السياسية تبدأ عندما تُستخدم ادعاءات لا يمكن اختبارها لإلغاء المعلومات والواقع والمحاسبة.

وتظهر عندما يدعي الحاكم أن قراره يحظى بتأييد إلهي لا يمكن التحقق منه.

أو تصبح طاعته شرطًا لصحة الإيمان.

أو يُقدم فشل مشروعه بوصفه اختبارًا إلهيًا يوجب مزيدًا من الطاعة.

أو تتحول النبوءات والرموز والرؤى إلى بديل عن تقدير القوة والاقتصاد والمجتمع.

في هذه الحالة، لا يستخدم النظام الدين لتوجيه الأخلاق، بل لمنع السؤال.

فإذا انتصر، قيل إن الله أيده.

وإذا خسر، قيل إن الله يختبر المؤمنين.

وإذا مات الناس، تحولت الخسارة إلى شهادة.

وإذا اعترضوا، أصبح اعتراضهم ضعفًا في العقيدة أو خدمة للعدو.

وهكذا يصبح القرار صحيحًا مهما كانت النتيجة.

هذه ليست قوة في الإيمان، بل حصانة سياسية صنعها الحاكم لنفسه باسم الإيمان.

ولا توجد أدلة علمية كافية للقول إن القرارات العسكرية اليومية للحرس تُبنى على نبوءات غيبية أو اعتقاد مباشر بقرب ظهور المهدي.

لكن النظام يستخدم الرمزية المهدوية والشهادة داخل التنشئة السياسية والإعلامية، خصوصًا عند مخاطبة الأجيال الجديدة وربطها بالمرشد والحرس وقاسم سليماني.

وأظهرت دراسة حديثة للأناشيد السياسية الموجهة للأطفال والشباب استخدام الرموز الدينية والموسيقى لتعزيز الولاء لولاية الفقيه والمشروع الثوري. الموسيقى والأيديولوجيا والشباب

ولا يمثل ذلك خرافة بالمعنى المباشر، ولا تغييرًا كاملًا لبنية الدين الأصلية، بل سلوكًا متعمدًا لإعادة تشكيل فهمه؛ إذ تُنتقى رموز دينية أصيلة، ثم تُربط بالمرشد والحرس والنظام، حتى يبدو الولاء السياسي جزءًا من الإيمان، وتبدو معارضة السلطة خروجًا على الدين.

ومن هنا تتشكل الخرافة السياسية: لا باختراع المقدس، بل باحتكاره، وخلط العقيدة باجتهاد سياسي مختلف عليه، ثم تقديم هذا الاجتهاد للأجيال الجديدة بوصفه الدين ذاته.

إذن، ليست القضية أن الحرس «يصدق الخرافة» ببساطة.

الأدق أن النظام يبني بيئة يصعب فيها الفصل بين قرار القائد وتكليف الدين، وبين التقدير العسكري والوعد العقائدي.

وحين تصبح العقيدة حصانة للقرار، يضعف السؤال الأهم:

هل كانت الوسيلة صحيحة؟

الوكلاء وحدود إيران المتحركة

الدفاع خارج الحدود

بنى الحرس عقيدة «الدفاع المتقدم»، التي تقوم على مواجهة التهديد خارج الأراضي الإيرانية قبل وصوله إلى الداخل.

ولهذا دعم جماعات مسلحة في العراق ولبنان واليمن وسوريا وغيرها، بدرجات متفاوتة من التسليح والتمويل والتدريب والتوجيه.

ولا تعمل هذه الجماعات بالطريقة نفسها.

فبعضها شديد الارتباط بالحرس.

وبعضها يملك قواعد ومصالح محلية.

وبعضها يتلقى التوجه الاستراتيجي ويختار التفاصيل التنفيذية.

لكن الدراسات المفتوحة تؤكد أن فيلق القدس يؤدي دورًا مركزيًا في تجنيد هذه القوى وتدريبها وتجهيزها وتنسيق أنشطتها وتقديم المشورة لها. شبكة التهديد الإيرانية

وقد نجحت الشبكة تكتيكيًا في منح إيران نفوذًا واسعًا بكلفة أقل ومن دون خوض مواجهة مباشرة، ومكّنتها من اختراق مؤسسات الدول وإضعاف سيادتها.

لكن هذا النجاح حمل نقيضه؛ فكلما انكشف ارتباط الميليشيات بطهران، تحول النفوذ الإيراني من وسيلة للهيمنة إلى مصدر غضب وعداء داخل المجتمعات التي تعمل فيها.

ولا تُفكك هذه الشبكة بضرب قادتها ومستودعاتها فقط، بل بقطع التمويل والسلاح والاتصالات، وكشف علاقة القرار بطهران، وضبط الحدود، وتقوية مؤسسات الدولة، وتقديم بديل سياسي واقتصادي يجذب المجتمعات بعيدًا عن الميليشيا؛ فالشبكة تعيش بالسلاح، لكنها تتمدد داخل الفراغ.

وبهذا التكتيك حقق وكلاء الحرس عدة أهداف:

نقل ساحات المواجهة بعيدًا عن إيران.

توسيع الاتجاهات التي يتعين على الخصوم حمايتها.

خفض الخسائر البشرية الإيرانية.

اختبار الأسلحة والتكتيكات في ميادين فعلية.

إبقاء التصعيد دون مستوى الحرب المباشرة.

وتحميل الجماعات والدول الأخرى جانبًا كبيرًا من كلفة المواجهة.

لكن الخطة فقدت أهم عناصر قوتها حين انكشفت صلات القيادة والتمويل والتسليح بطهران، وبدأت ساحاتها تتعرض للضغط والتفكيك تباعًا.

وما صُمم ليحمي النظام من المواجهة المباشرة، صار يقود خصومه إلى مصادر التهديد نفسها، ويضع شبكة الوكلاء على طريق التراجع وربما النهاية.

هل تخفي الميليشيات إيران؟

لا ينبغي التعامل مع الوكلاء بوصفهم ستارًا نجحت إيران في الاختباء خلفه.

فالعالم يعرف من بنى هذه الشبكة وسلحها ومولها، حتى وإن تعذر إثبات الأمر التنفيذي الأخير في كل عملية.

وقد تختار الميليشيا توقيت الهجوم أو بعض تفاصيله، لكن ذلك لا يمحو مسؤولية من أنشأ قدرتها، وحدد خصومها، ومدها بالسلاح.

فالاستقلال التنفيذي المحدود لا يعني استقلال المشروع أو الهدف.

ولا تراهن طهران بالضرورة على إقناع العالم باستقلال هذه الجماعات عنها؛ فالأدلة على التمويل والتسليح والتنسيق أصبحت أوسع من أن يحجبها الإنكار.

وإذا كانت تعتقد أن التنصل ما يزال قادرًا على تضليل خصومها، فهي لا تستغبي العالم بقدر ما تكشف سوء تقديرها لعقليته؛ لأن تكرار الأسلوب نفسه يجعل سلوكها أكثر انكشافًا، ويمنح الآخرين قدرة أكبر على توقعه ومواجهته في هذا الملف وغيره.

إنها تراهن على توزيع كلفة الحرب، وتعقيد المسؤولية القانونية، وتأخير الرد، وإثارة الخلاف حول مقدار صلتها بكل عملية.

لكن الوكيل ليس زرًا يُضغط دائمًا بالقدر نفسه من الدقة.

فكل جماعة تكتسب مع الوقت قيادة ومصالح واقتصادًا محليًا، وقد تنفذ عملية تخدم نفوذها أكثر مما تخدم توقيت طهران.

وهنا يمكن أن تتحول الأداة من مصدر قوة إلى مصدر ورطة.

كما أن أي اتفاق يوقف النار مع إيران ويترك أذرعها قادرة على مواصلة مهمتها لا ينهي الحرب.

إنه ينقلها من الدولة التي صنعت الشبكة إلى الميليشيات التي صنعتها الدولة.

الإعلام الذي يصنع الحقيقة

الإعلام جزء من الأمن

لا ينظر النظام الإيراني إلى الإعلام بوصفه وسيلة لنقل الأخبار فقط، بل جزءًا من الأمن القومي.

ويضع الدستور قيادة الإذاعة والتلفزيون الرسميين تحت سلطة المرشد، فيما تعمل وسائل أخرى ضمن دوائر قريبة من الحرس ومؤسساته.

ويستخدم النظام الإيراني مفهوم «الحرب الناعمة» بطريقة تختلف عن تعريفه المتعارف عليه؛ فهي في الأصل صراع غير مسلح يوظف الفكر والثقافة والإعلام للتأثير في قناعات المجتمعات وسلوكها وإضعاف قدرتها على المقاومة من دون اللجوء إلى القوة العسكرية.

ويخوض النظام هذا الصراع عبر الإعلام والثقافة والفنون والمنصات الرقمية، لكن بأسلوب تعبوي يخلط الرسائل العقائدية والرموز العاطفية بالمعلومات المنتقاة، ويحاول إسناد خطابه إلى مرجعيات علمية تمنحه مظهرًا عقلانيًا وقدرة أكبر على الإقناع. [الإعلام الإيراني و«الحرب الناعمة»]

ويؤدي الإعلام في منهج النظام الإيراني أربع وظائف مترابطة:

صناعة عدو دائم

يُربط الفشل الاقتصادي بالعقوبات والمؤامرات.

والاحتجاج بالتحريض الخارجي.

والنقد بالاختراق.

والتنازل بالخضوع.

وبذلك يبقى المواطن داخل قصة واحدة:

النظام لا يخطئ وحده، بل يتعرض دائمًا لحرب.

تحويل الخسارة إلى انتصار

إذا أصاب الهجوم هدفًا، أصبح دليلًا على القوة.

وإذا فشل، أصبح دليلًا على الجرأة.

وإذا رد الخصم، قُدم الرد دليلًا على خوفه.

وإذا لم يرد، عُدَّ ذلك دليلًا على عجزه.

وهكذا تصبح الرواية محصنة من الاختبار؛ لأن كل نتيجة يمكن تقديمها انتصارًا.

يُسمى هذا سلوكًا دعائيًا يبني رواية مغلقة على استدلال دائري محصَّن ضد التفنيد؛ إذ تُفسَّر كل نتيجة، نجاحًا أو فشلًا، بوصفها دليلًا جديدًا على انتصار النظام.

فالنظام يضع النتيجة قبل الحدث، ثم يعيد تفسير كل احتمال بما يثبتها؛ وبذلك لا يختبر الواقع صدق الرواية، بل يُطوَّع الواقع دائمًا لخدمتها.

وفي الإعلام السياسي، يمكن وصفه أيضًا بمنطق «ننتصر في كل الأحوال»؛ وهو أسلوب دعائي يحمي صورة النظام مؤقتًا، لكنه يفصله تدريجيًا عن قراءة الواقع كما هو.

وتكشفه الأطراف الأخرى للرأي العام عبر تحديد أهداف النظام المعلنة مسبقًا، ثم مقارنة كل ادعاء بنتيجته الفعلية وأثمانه على إيران وشعبها، باستخدام أرقام وصور وأدلة قابلة للتحقق.

ويجب تقديم ذلك بالفارسية، عبر مصادر مستقلة وأصوات إيرانية موثوقة، في صيغة بسيطة ومتكررة:

ماذا وعد النظام؟

ماذا حدث؟

ومن دفع الثمن؟

كما ينبغي تجنب السخرية والمبالغة؛ لأن أقوى ما يهدم الرواية المغلقة ليس الدعاية المضادة، بل كشف التناقض بهدوء وترك الوقائع تتحدث.

إدارة الخوف

لا تحتاج الدعاية إلى إقناع الجميع.

يكفي أن تجعل الحقيقة مرهقة، والروايات كثيرة، والتكذيب مستمرًا، حتى يشعر المواطن بأن الوصول إلى اليقين مستحيل.

وأظهرت دراسة للفضاء الرقمي الإيراني خلال احتجاجات مهسا أميني استخدام النظام روايات مختلقة وحسابات وشخصيات متخفية لتشتيت الحركة الاحتجاجية وقمعها معلوماتيًا، بدل الاكتفاء بتقديم رواية رسمية واحدة. [القمع المعلوماتي في إيران]

والمثير أن مثل هذه الدراسات تكشف جانبًا بالغ الأهمية من آليات عمل النظام، لكنها تمر غالبًا دون اهتمام يتناسب مع قيمتها في وسائل الإعلام العربية والعالمية؛ فتظل المعرفة محصورة داخل الأبحاث، بينما يستمر الخطاب الإيراني في الوصول إلى جمهوره دون تفكيك.

فالهدف ليس دائمًا أن يصدق المواطن كل شيء.

بل أن يشك في كل شيء، ثم يتوقف عن الفعل.

إعادة تعريف الحقيقة

لا تعود الحقيقة ما وقع، بل ما يخدم بقاء النظام.

ويصبح الخبر الجيد ما يقوي الجبهة الداخلية، لا ما يصف الواقع بدقة.

وعندما تتحول المعلومة إلى سلاح، يصبح الاعتراف بالحقيقة التي قد تفيد الخصم خيانة، حتى إذا كانت ضرورية لاتخاذ قرار صحيح.

الشعب بين التأثر والخوف

خمس دوائر

لا يبقى الخطاب الأيديولوجي محصورًا داخل عقل النظام والحرس.

فعندما يتكرر عبر التعليم والإعلام والمنابر والطقوس العامة ومؤسسات الدولة، فإنه يؤثر في الطريقة التي يرى بها جزء من المجتمع نفسه والعالم.

لكن الإيرانيين لا يستقبلونه بالطريقة نفسها.

ويمكن التمييز بين خمس دوائر:

مؤمنون يرون ولاية الفقيه والحرس امتدادًا للدين والثورة.

متأثرون بالتنشئة الطويلة، ولم تتح لهم معرفة كافية خارج الرواية الرسمية.

مستفيدون ترتبط وظائفهم ومصالحهم ومكانتهم ببقاء النظام.

متكيفون يرددون الخطاب لأنه الطريق الأسهل للدراسة والعمل وتجنب المشكلات.

وخائفون يخفون رفضهم لأن إظهاره قد يقود إلى الاعتقال أو الفصل أو العزل الاجتماعي.

ولهذا لا يمكن قياس إيمان المجتمع بحجم مسيرة، أو قوة هتاف، أو عدد صور القائد في الأماكن العامة.

ففي المجتمع الخاضع للقمع، قد يتشابه المؤمن والخائف أمام الكاميرا، بينما يختلفان تمامًا عندما يُغلق الباب.

القمع لا يصنع مؤمنين دائمًا

تستطيع السلطة إجبار الإنسان على الصمت، لكنها لا تستطيع التأكد مما يفكر فيه أثناء صمته.

وقد ينتج القمع ثلاث حالات مختلفة:

أشخاص يستسلمون للرواية لأن الوصول إلى المعلومات البديلة صعب.

وأشخاص يمثلون الولاء في العلن ويخفون الرفض في الداخل.

وأشخاص يفقدون الثقة في الرواية الرسمية وفي كل رواية أخرى، فينسحبون من المجال العام.

وهذا يجعل المجتمع السلطوي يبدو أكثر اتفاقًا مما هو عليه.

فكل فرد يرى الآخرين صامتين، فيعتقد أنهم مقتنعون، بينما قد يكون كثير منهم خائفين مثله.

وتُعرف هذه الحالة في علم الاجتماع بـ«الجهل الجمعي»:

يرفض عدد كبير من الناس فكرة في داخلهم، لكن كل واحد منهم يعتقد أنه يقف وحده أمام أغلبية تؤمن بها.

وهنا لا يحتاج النظام إلى إقناع المجتمع كله.

يكفيه أن يمنع الرافضين من معرفة حجم بعضهم بعضًا.

مجتمع بوجهين

المجتمع المتأثر يمكن محاورته بالمعلومة والتجربة.

أما المجتمع الخائف، فقد يعرف الحقيقة لكنه لا يستطيع التصرف على أساسها.

وهنا يبدأ الناس العيش بوجهين:

لغة عامة يرددون فيها ما تريده السلطة.

ولغة خاصة يقولون فيها ما يعتقدونه فعلًا.

ومع مرور الوقت، لا تعود السلطة تعرف حجم التأييد الحقيقي، ولا حجم الرفض الحقيقي، ولا اللحظة التي قد يتحول فيها الصمت إلى انفجار.

وهكذا يصنع القمع مشكلة للنظام نفسه.

فهو يمنحه مشهدًا من الطاعة، لكنه يحرمه من المعلومات الصادقة التي يحتاج إليها لفهم المجتمع.

وطنيون أم مؤيدون للنظام؟

قد يعارض الإيراني حكومته، لكنه يدافع عن إيران إذا تعرضت لهجوم خارجي.

ولا يعني التفاف بعض الإيرانيين حول بلادهم أثناء الحرب أنهم أصبحوا مؤيدين للحرس أو ولاية الفقيه.

فالإنسان يستطيع رفض النظام والدفاع عن وطنه في الوقت نفسه.

لكن الإعلام الرسمي يخلط بين الاثنين.

ويقدم الدفاع عن إيران بوصفه تأييدًا للنظام، ثم يستخدم المشاعر الوطنية دليلًا على نجاح المشروع الثوري.

وهذا الخلط قد يؤدي إلى خطأ خارجي أيضًا.

فمن يهاجم المجتمع الإيراني كله قد يدفع معارضين للنظام إلى الاحتماء بالدولة.

ومن يفترض أن كل وطني مؤيد للحرس، يمنح الحرس ما يريده:

احتكار تعريف الوطن.

عندما تعود الدعاية إلى صانعها

هل يصدق النظام خطابه؟

قد تبدأ الدعاية رسالة موجهة إلى الجمهور، لكنها تستطيع العودة إلى صانع القرار نفسه.

فالأنظمة المغلقة تواجه مشكلة متكررة:

الموظف يخشى نقل الخبر السيئ.

والقائد المتوسط يرفع ما يرضي القيادة.

والإعلام يكرر رواية النجاح.

والأجهزة تقيس الرأي العام داخل مجتمع خائف.

ثم تصل إلى القمة صورة أفضل من الواقع.

وهنا لا يعود السؤال:

هل يكذب النظام؟

بل:

هل يعرف النظام متى انتهت الدعاية وبدأ التقرير الاستخباراتي؟

لا يمكن القول إن قادة الحرس يصدقون كل ما تبثه وسائلهم؛ فهم يمتلكون أجهزة استخبارات وتقارير سرية.

لكن الخطر ينشأ عندما يصبح الولاء معيارًا للترقية، والاعتراض علامة على الضعف، والمعلومة المخالفة للرواية سببًا للعقوبة.

عندها قد تعرف المؤسسة أجزاء الحقيقة، لكنها تفشل في جمعها داخل قرار صحيح.

السلام الذي يهدد الحرس

تهدد الحرب الدولة الإيرانية، لكن السلام الكامل والمستقر قد يهدد الوظيفة التي بنى الحرس عليها نفوذه.

فالسلام يعني تراجع الحاجة إلى التعبئة، وانخفاض مبررات الإنفاق العسكري، وإضعاف وظيفة الوكلاء، واتساع مطالب المجتمع بالاقتصاد والخدمات والحريات.

وباختصار، فإنه ينزع المبرر العملي من الاستراتيجية التي قام عليها النظام: «تصدير الثورة» وإدامة الصراع خارج الحدود.

ولا يعني ذلك أن الحرس يرفض كل اتفاق؛ فقد قبل النظام تفاهمات وهدنًا عندما احتاج إليها لحماية بقائه أو استعادة قوته. لكنه يفضل سلامًا مؤقتًا يدير الصراع، لا سلامًا مستقرًا ينهي الحاجة إلى مشروعه.

لكن المؤسسة قد تفضل اتفاقًا يوقف الخطر دون أن ينهي الصراع الذي يبرر نفوذها.

هدنة تحفظ السلاح.

ومفاوضات لا تفكك الشبكة.

وانفتاحًا اقتصاديًا لا يفتح المجال السياسي.

وتخفيفًا للعقوبات لا ينهي اقتصاد المؤسسات التابعة للحرس.

ولهذا قد يكون أصعب اتفاق مع إيران ليس الذي يوقف إطلاق النار، بل الذي يحول الصراع الدائم إلى علاقة طبيعية.

أين يخطئ الحرس؟

يخلط بين الخوف والاحترام

يمكن للتهديد أن يفرض الانتباه، لكنه لا يصنع شرعية أو ثقة أو شراكة.

يفسر ضبط الرد ضعفًا

قد يتأخر الخصم لأنه يجمع الأدلة، ويبني التحالف، ويختار الهدف، لا لأنه عاجز.

يبالغ في التحكم بوكلائه

كلما اتسعت الشبكة، زادت احتمالات أن تنفذ إحدى الجماعات عملية تضر بطهران نفسها.

يحول الخسارة إلى رواية

لكن الاقتصاد لا يعيش داخل الخطب، والمنشآت لا تصلحها الشعارات، والمواطن لا يشتري حاجاته بمفردات الصمود.

يقرأ العالم من داخل إعلامه

حين يكرر إعلام النظام الإيراني أن الخصم ينهار، قد تتحول الدعاية الموجهة للجمهور إلى معلومة يصدقها صانع القرار نفسه، فيبني خططه على ضعف متخيَّل، ثم يفاجأ بخصم يختلف عن الصورة التي صنعتها شاشاته.

يعتقد أن الألم يضمن الولاء

يمكن للمجتمع الإيراني أن يتحمل طويلًا، لكن الألم قد يفصل بين الوطن والنظام، فيدافع الإيراني عن بلاده دون أن يدافع عن المؤسسة التي أضعفتها.

يجعل الهدف مقدسًا

وعندما يُقدس الهدف، يصبح الاعتراف بخطأ الوسيلة أصعب؛ لأن المراجعة تظهر تراجعًا عن العقيدة لا تصحيحًا للقرار.

ما الذي لا يعرفه العالم؟

يعرف العالم صواريخ الحرس الثوري ووكلاءه أكثر مما يعرف مصدر خوفه.

والخوف الأعمق ليس دائمًا من غزو إيران.

إنه من سقوط الرواية التي تمنح الحرس ضرورته.

فالمؤسسة التي تأسست لحماية ثورة مستمرة تحتاج إلى عدو مستمر، أو إلى احتمال دائم لوجوده.

وإذا أصبح المجتمع أكثر انفتاحًا، والاقتصاد أكثر اتصالًا، والعلاقات مع العالم أكثر استقرارًا، فقد يجد الحرس نفسه أمام أسئلة لا يستطيع إسكاتها بالصواريخ:

لماذا بقيت الثورة فوق الدولة؟

ولماذا تملك المؤسسة العسكرية هذا النفوذ السياسي والاقتصادي؟

ولماذا يدفع المجتمع كلفة صراع لا ينتهي؟

لهذا قد يخاف الحرس من الهزيمة العسكرية، لكنه قد يخاف أيضًا من حياة طبيعية لا يكون فيها مركز كل شيء.

كيف يتعامل العالم معه؟

فهم عقل النظام لا يعني تبني منطقه أو مكافأته.

بل يعني بناء سياسة لا تمنحه النتائج التي يتوقعها.

أولًا، الفصل بين إيران الدولة والشعب، وبين المؤسسة التي تحتكر تعريف مصالحهما.

ثانيًا، ربط عمليات الوكلاء بمصادر التسليح والتمويل والتوجيه، وعدم السماح للإنكار الشكلي بمحو مسؤولية الراعي.

ثالثًا، تحديد خطوط حمراء واضحة وعواقب قابلة للتنفيذ؛ لأن الغموض قد يقرأه الحرس فرصة للاختبار.

رابعًا، إبقاء باب خروج سياسي يحفظ إيران الدولة، دون أن يحفظ حق الميليشيات في تهديد الآخرين.

خامسًا، بناء الاتفاقات على التحقق، لا على النوايا والخطابات.

سادسًا، مخاطبة المجتمع الإيراني باحترام، وتجنب تحويل الصراع مع النظام إلى عداء ديني أو قومي يثبت رواية الحصار.

سابعًا، مواجهة الدعاية بالمعلومة القابلة للتحقق، لا بدعاية مضادة تشبهها.

ثامنًا، قياس النظام بما يفعله بعد الاتفاق، لا بما يقوله أثناء توقيعه.

قراءة BETH | العقل المحاصر

النظام الإيراني ليس قوة غيبية يستحيل فهمها، ولا كتلة مجنونة تسعى إلى الدمار بلا حساب.

إنه نظام تشكل من ثورة وحرب وعقيدة وخوف ومصالح وذاكرة أُعيد تفسيرها لتصبح استراتيجية.

ويفكر الحرس بعقلين في وقت واحد:

عقل عقائدي يحدد العدو ويفسر استمرار الصراع.

وعقل عملي يختار الصاروخ أو الميليشيا أو المفاوض أو المنبر الإعلامي لتحقيق الهدف بأقل كلفة ممكنة على النظام.

وتكمن قوته في الجمع بين العقيدة والمرونة.

لكن نقطة ضعفه موجودة في المكان نفسه.

فالعقيدة التي تمنحه الصبر قد تمنعه من الاعتراف بأن الطريق مسدود.

والإعلام الذي يحشد أنصاره قد يحجب عنه الواقع.

والوكلاء الذين يوسعون نفوذه قد يوسعون مسؤوليته وخصومه.

والخسائر التي يحولها إلى رموز تبقى خسائر في حياة المجتمع واقتصاده.

أما الشعب، فلا يقف في مكان واحد.

فمنه من يؤمن، ومنه من تأثر، ومنه من يستفيد، ومنه من يتكيف، ومنه من يعرف الحقيقة لكنه يخاف أن يقولها.

ولهذا لا يكون السؤال:

هل صدق الإيرانيون خطاب الملالي؟

بل:

من صدقه، ومن تأثر به، ومن اضطر إلى تمثيل الإيمان به، ومن يعرف أنه غير صحيح لكنه يخشى أن يكون أول من يقول ذلك؟

ولا ينبغي أن يسأل العالم فقط:

هل يؤمن الحرس بما يقوله؟

بل:

أي جزء منه يؤمن، وأي جزء يستخدم الإيمان، ومتى تتحول الدعاية التي صنعها للناس إلى حقيقة يتخذ قراراته على أساسها؟

هناك تبدأ أخطر لحظة في عقل أي نظام:

حين لا يعود قادرًا على التمييز بين الحقيقة التي يعرفها، والخرافة السياسية التي صنعها، والخوف الذي فرضه، والوعد الذي يريد تصديقه.

فالحرس يستطيع إدارة صراع طويل.

لكن التحدي الأصعب أمامه هو تخيل دولة لا تحتاج إلى الحرب كي تثبت أنها ما زالت ثورة.

__________

البحثان القادمان

هزيمة العرش لا الحضارة

كيف أسقط عمر بن الخطاب رضي الله عنه دولة الأكاسرة، وحفظ المجتمع من السقوط معها؟

حين يقمع النظام المعلومة

كيف استخدمت طهران الحسابات المتخفية والروايات المختلقة لتشتيت الاحتجاجات وقمعها معلوماتيًا؟