السعودية في الصحافة العالمية

news image

لماذا يراها الغرب حارسة للنفط والأمن، بينما يراها الشرق سوقًا للمستقبل وشريكًا في الصناعة والتقنية؟

متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث

رصدت «بث» ما نُشر عن السعودية في الصحافة العالمية خلال الساعات والأيام الأخيرة. واللافت أن المملكة حاضرة بقوة، لكن صورتها تختلف باختلاف موقع الصحيفة ومصالح جمهورها.

فالصحافة الغربية تنظر إلى السعودية من بوابة الحرب والأمن والنفوذ، بينما تراها الصحافة الشرقية من بوابة الطاقة والاستثمار والشراكة المستقبلية.

الغرب | السعودية في قلب الحرب

تتركز التغطية الأميركية والأوروبية على انتقال الحرب إلى البحر الأحمر، بعد استهداف منشآت للطاقة وسفن سعودية، وعودة الضربات على المواقع الحوثية.

وتقدم هذه التغطية السعودية بوصفها دولة تحاول حماية منشآتها وصادراتها من امتداد الحرب، وركيزة لاستقرار سوق الطاقة العالمية، وطرفًا قد يُدفع مجددًا إلى المواجهة في اليمن بعد أعوام من التهدئة.

كما تضع المملكة بين نقطتي ضغط متزامنتين:

مضيق هرمز المضطرب شرقًا، وباب المندب المهدد غربًا.

وركزت «فايننشال تايمز» على أن التصعيد الحوثي قد يقوض مسار التهدئة المستمر منذ 2022، وأن تهديد الساحل السعودي الغربي يضاعف المخاطر على إمدادات الطاقة، بعدما أصبح البحر الأحمر طريقًا بديلًا مع اضطراب هرمز.

أما التغطية الدولية الأوسع، فربطت الهجمات على جازان وينبع باتساع الحرب الأميركية الإيرانية، وقدمت السعودية باعتبارها إحدى الساحات التي تحاول إيران وحلفاؤها نقل الضغط إليها.

والغرب لا يتابع هذه الهجمات بوصفها شأنًا سعوديًا فقط، بل يسأل:

هل تستطيع المملكة إبقاء النفط متدفقًا؟

هل تعود إلى حرب مفتوحة مع الحوثيين؟

وهل يؤدي اضطراب هرمز والبحر الأحمر معًا إلى صدمة عالمية في الطاقة؟

وهكذا ترتبط صورة السعودية في التغطية الغربية اليوم بمفهوم الدولة الحارسة لاستقرار الطاقة والممرات.

الاتفاق النووي | طاقة وسياسة

يحظى اتفاق التعاون النووي المدني بين السعودية والولايات المتحدة باهتمام واسع في الصحافة الأميركية والدولية.

وتدور التغطية حول ثلاثة أسئلة:

هل يسمح الاتفاق للمملكة بتخصيب اليورانيوم داخل أراضيها؟

ما الضمانات والرقابة التي سيخضع لها البرنامج؟

وهل تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب ربط تنفيذه بالتطبيع مع إسرائيل؟

ذكرت بعض التغطيات أن الاتفاق يفتح المجال أمام التخصيب وإعادة المعالجة، بينما نقلت مصادر أخرى تصريحات أميركية تناقض ذلك.

ولهذا تبقى الصياغة النهائية للاتفاق، والنص الذي سيصل إلى الكونغرس، المرجع الحقيقي للحسم، لا التصريحات المتعارضة.

والأهم أن الصحافة الغربية لا ترى الاتفاق مشروعًا للطاقة وحده، بل خطوة لإعادة بناء العلاقة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن، ومنافسة أميركية للصين وروسيا على الشراكة التقنية مع المملكة.

أوروبا | صفقة EA

تتابع الصحافة الاقتصادية الأوروبية استحواذ التحالف الذي يقوده صندوق الاستثمارات العامة على شركة «إلكترونيك آرتس» بقيمة 55 مليار دولار.

وحصلت الصفقة على الموافقة وفق قواعد الاندماج الأوروبية، لكنها بقيت خاضعة لمراجعة منفصلة تتعلق بالدعم الحكومي الأجنبي.

وتُقدم الصفقة بوصفها أكبر استحواذ ممول في تاريخ الشركات الخاصة، وتوسعًا سعوديًا غير مسبوق في صناعة الألعاب، وانتقالًا للصندوق من شراء حصص متفرقة إلى امتلاك أصول قادرة على التأثير في اتجاه الصناعة.

واللافت أن اسم السعودية لم يعد يظهر في الصفحات الاقتصادية الأوروبية بوصفها مصدرًا للتمويل فقط، بل مالكًا محتملًا لمنصات وشركات تؤثر في ثقافة أجيال عالمية.

الصين | شريك استراتيجي

تختلف التغطية الصينية في لغتها وأولوياتها.

فهي تتابع الاتفاق النووي السعودي الأميركي من زاوية المنافسة الجيوسياسية، وتأثيره في إسرائيل، ومستقبل العلاقة بين الرياض وواشنطن.

وخصصت وسائل إعلام صينية تقارير تفسيرية للاتفاق، وقدّمته بوصفه شراكة تمتد لعقود وتشمل المفاعلات والبحث العلمي والتدريب والاستثمار، مع التركيز على العقبات المحتملة نتيجة محاولة ربطه بالتطبيع.

وفي الوقت نفسه، تقدم الصحافة الصينية المملكة بوصفها مركزًا واعدًا لصناعات الطاقة المتجددة، وقاعدة للشركات الصينية للوصول إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وشريكًا في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والتصنيع.

الصحافة الصينية لا تسأل كثيرًا:

لماذا تنفق السعودية؟

بل تسأل:

كيف تدخل الشركات الصينية في التحول السعودي؟

الهند | أمن الطاقة

تتابع الصحافة الهندية السعودية من زاوية أكثر مباشرة: أمن إمدادات النفط.

فالهند من أكبر مستوردي الطاقة عالميًا؛ ولذلك تهتم بقدرة المملكة على مواصلة التصدير، والأسعار المقدمة للأسواق الآسيوية، وخطط تطوير خط أنابيب الشرق–الغرب لتجاوز مضيق هرمز.

وتناولت صحف اقتصادية هندية خطط رفع قدرة الخط بنحو مليوني برميل يوميًا، باعتبارها خطوة يمكن أن تعيد تشكيل طرق وصول النفط الخليجي إلى آسيا إذا استمر اضطراب المضيق.

كما تتابع استعادة السعودية جزءًا من حصتها في واردات الهند النفطية، ما يجعل المملكة تظهر في التغطية الهندية موردًا موثوقًا، وشريكًا استثماريًا، وعامل حماية للاقتصاد من صدمات الطاقة.

اليابان | حضور غير مباشر

لم تبرز اليوم قصة سعودية مستقلة في كبريات الصحف اليابانية المفتوحة تعادل حضور المملكة في الصحافة الأميركية أو الصينية.

لكن السعودية حاضرة بصورة غير مباشرة في التغطيات المرتبطة بأسعار النفط، واضطراب الشرق الأوسط، وأمن الملاحة.

فاليابان شديدة الاعتماد على الطاقة المستوردة، وأي تهديد لهرمز أو البحر الأحمر يتحول سريعًا إلى نقاش داخلي حول التضخم، وقيمة الين، وتكاليف الصناعة، وقرارات بنك اليابان.

ماذا تقول الصورة؟

تتركز التغطية العالمية للسعودية حاليًا حول أربعة ملفات:

الحرب وأمن البحر الأحمر: هل تستطيع المملكة حماية موانئها وصادراتها دون الانجرار إلى حرب يمنية ممتدة؟

البرنامج النووي المدني: هل تنتقل السعودية من تصدير الطاقة إلى امتلاك صناعة جديدة قائمة على المعرفة والتقنية النووية؟

القوة الاستثمارية: هل يتحول صندوق الاستثمارات العامة من مستثمر عالمي إلى مالك مؤثر في صناعات الألعاب والترفيه والثقافة؟

طرق الطاقة: كيف تحمي المملكة صادراتها عندما يصبح هرمز وباب المندب معرضين للاضطراب في وقت واحد؟

السعودية في مرآتين

يرى الغرب المملكة في هذه اللحظة من خلال ما قد يتعطل:

النفط، والممرات، والأمن، والتوازن الإقليمي.

أما الشرق فيراها من خلال ما يمكن بناؤه:

المصانع، والطاقة الجديدة، والاستثمار، والتقنية، والأسواق.

الصورتان صحيحتان، لكن كل واحدة منهما غير مكتملة وحدها.

فالسعودية التي تحمي ناقلاتها اليوم هي نفسها التي تستثمر في شركة ألعاب عالمية، وتبني صناعة نووية، وتستقطب مصانع الطاقة الشمسية، وتحول الرياض إلى سوق دولية للترفيه والتقنية.

لكن رصد الأسئلة التي تطرحها الصحافة الأجنبية لا يكفي.

السؤال الأهم هو:

كيف تجيب السعودية؟

كيف تجيب السعودية؟

لا تكون الإجابة بمهاجمة الصحيفة أو مطالبة الصحفي بالاقتناع.

فالصحفي المهني قد يصل إلى النتيجة عندما تتاح له المعلومات، أما من اتخذ موقفه مسبقًا فقد لا يغيره أي شرح.

لذلك ليس الهدف إقناع كل صحفي، بل الوصول إلى القارئ العالمي الذي لم يحسم رأيه، ومنحه ما يساعده على تكوين حكمه بعيدًا عن الرواية الواحدة.

والإجابة الفاعلة تقوم على ثلاثة عناصر:

معلومة دقيقة، ودليل قابل للتحقق، وواقع يؤيد الخطاب.

عندما تسأل الصحافة إن كانت السعودية قادرة على استمرار تصدير النفط، تكون الإجابة بعرض قدرات خط الشرق–الغرب، والموانئ على الساحلين، والتخزين، والمسارات البديلة، وأرقام الشحن الفعلية.

وعندما تسأل عن العودة إلى حرب اليمن، ينبغي توضيح الفرق بين الانخراط في حرب مفتوحة والدفاع عن الأراضي والمنشآت والملاحة، مع تقديم معلومات سريعة عن الأهداف العسكرية والإجراءات المتخذة لحماية المدنيين والموانئ.

وعندما تثار المخاوف حول البرنامج النووي، تكون الإجابة بنشر تفاصيل الاتفاق، وأهداف البرنامج، ونظام الرقابة، ومعايير الأمان، والحقوق والالتزامات الدولية.

أما عندما تُطرح أسئلة عن استثمارات الصندوق، فلا يكفي ذكر قيمة الصفقة؛ بل يجب إظهار عائدها المالي، وما تنقله إلى المملكة من معرفة ووظائف وصناعات وقدرات محلية.

وفي المشروعات الكبرى، تكون نسب الإنجاز، والعقود، ومواعيد التشغيل، وأعداد الزوار، والوظائف والعوائد، أكثر إقناعًا من تكرار أوصاف «الأكبر» و«الأول».

من الرواية إلى الرأي العام

لا ينبغي أن تتحمل البيانات الرسمية وحدها مهمة تقديم السعودية إلى العالم.

الصورة الأكثر إقناعًا تتكون عندما تتطابق معلومات الجهات الحكومية مع أرقام الشركات، وتحليل الخبراء، وتجربة المستثمر، وشهادة الزائر، والواقع الذي يراه المراسل بنفسه.

كما يجب التفريق بين سؤال مهني يستحق الإجابة، ومعلومة خاطئة تحتاج إلى تصحيح، وحملة أيديولوجية لا تبحث أصلًا عن الحقيقة.

الهدف ليس مطاردة كل نقد، ولا كسب رضا كل كاتب.

الهدف هو ألّا يبقى الجمهور العالمي أسيرًا لمصدر واحد أو صورة ناقصة.

وهنا يأتي دور الإعلام السعودي:

ليس في الدفاع بصوت مرتفع، بل في استباق السؤال، وتقديم السياق، وكشف ما أغفلته التغطية، والانتقال من رد الفعل إلى بناء المعرفة.

فأفضل إجابة سعودية ليست:

«ما يُقال عنا غير صحيح».

بل:

هذه هي المعلومات، وهذه هي النتائج، وهذا ما تحقق، وهذا ما لم يتحقق بعد، وهذه خطوتنا المقبلة.

الدولة الواثقة لا تخاف السؤال، والإعلام المهني لا يهرب منه.

كلاهما يضع الحقيقة أمام الجمهور، ثم يترك للواقع مهمة الإقناع.